ان علماء الشريعة ودعاة القرآن وأوعية الحديث هم ولا شك علماء الدين والدنيا وما من عالم في الشريعة والحديث الا وله المام واحاطة بجميع العلوم دقيقها وجليلها ، منهم من يتبحر فى ذلك ومنهم من اخذ من كل علم طرفا ، - بفتح الطاء - ومن كل المعارف نتفا - بضم النون - أما ما يظنه بعض الناس وممن لا يفقهون الدين ولم يغوصوا فى حقائقه (( قرآنا وحديثا )) وشروحاتهما فهو يظن ان عالم الشريعة وواعى القرآن والحديث لا يعرف من علوم الكون شيئا الا معنى يحفظ والا حديثا يروى وأنهم على جانب من الجفاف والجهل وقصر النظر ، والحقيقة خلاف ذلك ، والواقع يقف من هذا الفهم او الوهم موقفا يدحضه ما عليه عالم الشريعة من الوعى الصحيح والفهم العميق واننى لا أشك بأنك اطلعت أيها القارئ على الاحاديث التى يقدمها الاستاذ (( رشيد القحص )) عن بعض علمائنا فبالامس قرأنا اجابات للعالم الجليل استاذى محمد البواردى عضو هيئة التمييز تحدث فيه عن الادب شعرا ونثرا وعن أشياء كثيرة واليوم نقرأ لشاب هو ايضا عضو من أعضاء الهيئة المذكورة أرغب في أن أنقلها للقارئ ليرى كيف كان علماؤنا الشباب ,
ولنرى جميعا وعلى صفحات مجلتنا الجليلة (( المنهل )) اجابات هذا الشاب محمد ابراهيم الحيد قال السائل : أعطونا نبذة عن حياته ( وقد رغبت في أن انقل هذه الاجابة لانها تفيد فائدة تامة وتشعر بكفاح هذا الشاب ومثابرته )
اجاب الشيخ (( الحيد )) بما يلى :
- اننى من مواليد عام ١٣٥٠ بمدينة المجمعة وفيها تلقيت دراستى الابتدائية وأكملتها في مكة المكرمة عام ١٣٦٤ هـ وتلقيت دراستى الثانوية بدار التوحيد بالطائف ومنها الى كلية الشريعة بمكة ، حيث تخرجت منها عام ١٣٧٢ هـ مع أول فوج خرجته تلك الكلية ، والتحقت فور تخرجى بالسلك القضائى ملازما قضائيا ثم قاضيا بمحكمة مكة الكبرى ، فمستعجلتها الثالثة لمدة سنتين نقلت بعدها الى ديوان المظالم محققا شرعيا لمدة سبع سنوات ، وفى عام ١٢٨١ وعندما انشئت محاكم التمييز عدت الى القضاء حيث عينت قاضيا بمحكمة التمييز بالرياض .
* رأيكم الشخصى فى امكان وصول ابوللو ١١ الى القمر ؟
ويجيب على هذا السؤال بقوله :
- ليس فيما أعلم من الناحية الدينية ما يمنع هبوط أبوللو ١١ على سطح القمر وقد هبطت فعلا وعادت الى الارض بنماذج من تربته وصخوره ، وقد يمكن القول : ان الوصول الى القمر واستكشاف مجاهيله وسيلة من وسائل النظر التى أمر الله بها عباده في محكم كتابه العزيز حيث يقول : -
(( قل انظروا ماذا في السموات والأرض )) .
والامر بالنظر يستدعى اتخاذ كافة الوسائل المشروعة ابتداء من النظر بالعين المجردة ثم التلسكوبات والاقمار الصناعية ، واذا كان الوصول الى القمر وغيره من الكواكب ممكنا علميا وعمليا فليس ثمة ما يمنعه لانه يؤدى الى الاطلاع على عظمة الخالق ودقيق صنعه ، فالمؤمن
يزداد ايمانا والمعاند يجد ما يحمله على الاقرار بوجود الله ووحدانيته - ان كانت له مسكة من عقل .
ثم يجيب الشيخ محمد مبدعا ايما ابداع على هذا السؤال : -
* وجود مجمع للبحوث الفقهية والاسلامية على العموم فكرة تداعب الآمال ، أود تبيان وجهة نظركم بصراحة وان حبذتم ذلك فهل تحبيذكم مشروط بشئ ام لا ؟ يجيب الشيخ محمد : -
- وجود مجمع للبحوث الفقهية والاسلامية أمنية كل مخلص لعقيدته غيور على شريعته ، ولئن كان وجود ذلك المجمع أمرا واجبا فيما مضى الا ان وجوده في ايامنا هذه أمر تحتمه الضرورة ، فقد جدت فى حياتنا التجارية والاقتصادية اشياء لم يكن لنا بها سابق عهد ، نتيجة انفتاح بلادنا على العالم ونشاط حركة الاستيراد لدينا كما تسربت الينا نظريات وفلسفات خلبت لب عديد من الناس . فعقود التأمين وعقود النقل والمقاولات والاستيراد والمعاملات المصرفية كلها اشياء جديدة ثم يبحثها فقهاءنا . . ولا تكاد تخلو معاملة من معاملاتنا منها واستمراها كثير من الناس واخشى ما اخشاه ان تصبح تلك المعاملات جزءا من حياتهم يصعب صرفهم عنها فيما لو ظهرت - نتيجة البحث - حرمتها . ولذلك فان الامر يدعو بالحاح الى تنظيم دراسات وبحوث على كل المعاملات والقضايا الاقتصادية المعاصرة ، والبحث عن بديل تقره الشريعة الاسلامية اذا ما تبين ان شيئا من تلك المعاملات لا تقره .
ما اعمق هذه الاجابة وأحكمها . . ويستمر الشيخ فيوجه اليه هذا السؤال : -
* رجل له تأثير فى حياتكم عامة وآخر له تأثير فى اتجاهكم العلمى فمن هما ؟ وما مدى تأثيرهما ؟
ويجيب على هذا السؤال بما يلى :
- ثلاثة رجال عاصرتهم كان لهم بعد الله على فضل كبير أولهم - والدى - أحمد الله في حياته الذى تجشم الصعاب وضحى بكل غال من أجل تعليمى تعليما منتظما
في وقت كان ينظر فيه الى ذلك النوع من التعليم بشئ من الازدراء ، وكان لتوجيهاته الحازمة فضل وضعى على الطريق السوى .
وثانيهم : هو استاذى فضيلة الشيخ على بن محمد الهندى احد كبار مستشارى وزارة المعارف الذى حبب الي علم الفقه مما جعلنى ادرس ذلك العلم دراسة بحث واستيعاب وعلى ضوء توجيهاته تعلمت العلم من أجل العلم والتحصيل لا من اجل النجاح آخر العام والتحول من فصل الى أخر ، وثالث اولئك الرجال رجل كنت أحد مرؤوسيه زهاء سبع سنوات وكان لمنهجه في الحياة تأثير كبير على حياتى ، ولولا انى اعلم عزوفه عن الاطراء والمديح لبينت نوعية ذلك التأثير ومداه .
والشخصية التى اشار اليها ولم يذكر اسمها هى شخصية حقا نادرة فى فضلها ونزاهتها مع العلم الجم والاحاطة الواعية بمعلومات ومعارف لا يصل اليها الا من ندر من الناس انها شخصية الامير ( مساعد بن عبد الرحمن ) وزير المالية وأحد الافذاذ في بلادنا ومن اولئك الذين خدموا الدولة حق الخدمة ولعلى - وقد ذكرت هذا الرجل - لم اتجاوز اختصاصات الشيخ محمد الحيد الذى لم يفصح عن الاسم لعلمه بزهد الامير وعزوفه عن الثناء ، لانه أدرى بنفسه من سواه ونحن نعرف من فضائله مثل ما يعرفه ونعلم بمزايا لا نحب ذكرها نزولا على رغبة الامير وموافقة للشيخ محمد .
ثم يوجه الاستاذ رشيد الى الشيخ الرشيد هذا السؤال :
* تقلبتم فى وظائف قضائية وصاحب هذا المنصب محرج بين ارضاء الله وارضاء الناس ، أفيتفق الامران ؟ واذا لم يتفقا ففى اى جانب نجد فضيلتكم ؟ أرجو الصراحة .
فيجيب عليه بما يلى : - نعم يتفق الامران من حيث النتيجة ذلك لان رضاء
الناس يحدث نتيجة لرضاء الله سبحانه وتعالى ، ومن البدهى ان بعض المحكوم عليهم لا يرضى بما يصدر ضده من أحكام . أما لاعتقاده ان الحق فى جانبه ، والحال انه غير محق . أو لمرض في قلبه . والقاضى حينما يشيع العدل بين الناس باحكامه يعلم في قرارة نفسه أن احكامه سوف تسخط عليه من وقعوا تحت طائلة تلك الاحكام ولكنه لا يعبأ بذلك وانما يتقرب الى الله بما يصدره من أحكام عادلة ويلتمس رضاء الله بسخط اولئك المحكوم عليهم ، وهو حين يفعل ذلك فقد وعده الله بأن يرضى عنه ويرضى عنه الناس وهذا معنى الحديث المشهور : ( من التمس رضاء الله بسخط الناس رضى الله عنه وأرضى عنه الناس . ومن التمس رضاء الناس بسخط الله ، سخط الله عليه واسخط عليه الناس ) .
ويسأله السائل مرة اخرى : * ايهما تفضلون للقضاء . . عالما نصف عاقل ام عاقلا نصف عالم ولماذا في كلتا الحالتين ؟
فيجيب الشيخ بقوله : - كلاهما لا يصلحان للقضاء - والعدالة عندهما غير مضمونة ، فأحدهما ليس لديه عقل كامل يمنعه من الانحراف قصدا عن جادة الحق . والآخر يقصر علمه عن استظهار ما يحقق العدل بين المتخاصمين . ثم يعود السائل فيساله هذا السؤال الدقيق :
* من ارتكب حدا لله هل تلقنونه الانكار ؟ وعل يصح الحديث بذلك ؟
فيجيب الشيخ اجابة لطيفة مهذبة عميقة بقوله : -
- تلقين المقر بالرجوع عن الاقرار بالحد مروى عن النبى صلى الله عليه وسلم وعن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم ، والعلماء متفقون عليه وقد روى الامام مسلم في صحيحه قصة ماعز بن مالك واعترافه على نفسه بارتكاب الحد . من عدة طرق ، وقال النووى فى شرحه
للحديث ، ان فيه استحباب تلقين المقر بالحد , والتعريض له بان يرجع ، وقال ابن مالك فى كتابه المغنى - التعريف للمقر بالرجوع عن اقراره مستحب ولنا فى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته أسوة حسنة ، أما الحديث فهو من الاحاديث المتفق على صحتها بين البخارى ومسلم .
ثم يدخل السائل فى صميم الفقه فيسأله : * ما رأيكم فى اثبات الشهر بالحساب والصيام والافطار بموجبه ؟
ويجيب الشيخ :
- لقد عنى الاقدمون من عهد بطليموس بحساب الاهلة ، وعرفه العرب قبل الاسلام وبعده ، ولكن علماء المسلمين متفقون على عدم جواز العمل بخبر الحاسب في رؤية الهلال ، وممن حكى الاجماع شيخ الاسلام ابن تيمية فى رسالته المعروفة (( برسالة الهلال )) وقال انه لا يعرف لهذا الاجماع مخالف قبل المائة الرابعة ، ذلك لان الاحكام مثل الصيام متلعقة بالاهلة والطريق الى معرفة الاهلة هو الرؤية وليس غيرها عملا بقوله صلى الله عليه وسلم : ( صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته ) والعلة في عدم العمل بخبر الحاسب هى ان الحساب أنفسهم متفقون على أنه لا يمكن ضبط الرؤية بالحساب بحيث يحكم بانه يرى لا محالة او لا يرى البتة . وامما قد يتفق ذلك واول من قال انه يمكن ضبطه (( كوشيار الديلمى )) ولكن الحذاق بالحساب انكروا عليه ذلك كما قال شيخ الاسلام ابن تيمية .
ولذلك فاننى لا أرى جواز اثبات الشهر بالحساب . على ان هناك من الوسائل العلمية ما يمكن استخدامه للتأكد من طلوع الهلال ، وهى وسيلة لا أرى ما يمنع من استخدامها والاعتماد عليها الا وهى - التلسكوبات وهى أقوى آلاف المرات من بصر الانسان العادى .
ثم يسأل رشيد :
* المعروف الآن ان المؤسسات ذوات انظمة تحتكم الى الحكمة شرعية برئاستكم فما هى القاعدة فى التوفيق بين الشرع والنظام ؟
ويجيب الشيخ بقوله :
يجب ان يكون معلوما ان انظمة تلك المؤسسات التى تحتكم لدينا - والتى اصدرتها الدولة لا تتعارض - فيما أرى - مع نص محكم من كتاب الله او حديث صحيح من سنة رسول الله صل الله عليه وسلم ، ولا تحل حراما مجمعا على تحريمه ، واذا كان فيها ما لا يتفق مع اجتهاد واحد او اكثر من الفقه . فليس معنى هذا انها غير جديرة بالاحترام ومع ذلك فان الأنظمة موضوع السؤال اما ان تكون جزائية وهذه سنها ولى الامر بحكم ولايته العامة ورعايته لمصالح الناس وارهابا لمن تسول له نفسه زعزعة الثقة فيما تواضعوا عليه . واما ان نكون اجرائية قصد بها تنظيم معاملات الناس على نحو يجعل تلك الاجراءات معلومة سلفا لدى العامل والمتعامل ولد الناس عموما قطعا لدابر التصرفات الكيفية والاجتهادات الذاتية .
وفي بعض الاحيان تكون تلك الانظمة بمثابة مجلة لاعراف كانت سائدة بين الناس وما كان دور المنظم الا الجمع والتقنين . ومن المعلوم ان العرف أصل من الاصول التى يستند عليها في الحكم شريطة ان لا يكون هذا العرف قد خالف نصا شرعيا ، ولذلك فاننا لم نواجه حتى الآن اى نوع من عدم الانسجام بين الاصول الشرعية المتبعة وبين تلك الانظمة السارية المفعول .
ثم ينتقل السائل الى مجالات اخرى عن علماننا السابقين فيسأل الشيخ هذا السؤال :
* ابو محمد بن حزم ابن وزير عاش فى تربة حضارية مترفة تشبه حالة العصر الراهن وكان مفكرا جسورا يشهد على ذلك موسوعته الخالدة (( المحلى )) فهل ترون ان فقهه يناسب هذا العصر خاصة فى الربا و الكراهة وتولية المرأة ام ان هذه المسائل من شطحاته رحمه الله ؟
( ويبدو لى من خلال سؤال رشيد انه اديب وصحفى وعالم معا لحكمه على ابن حزم بما يتفق وما فاه به الشيخ محمد ) . . أما الجواب فهو : -
ابن حزم هو كما وصفت ، وقد عرف فضله كثير من العلماء منهم ابن حجر العسقلانى الذى قال عنه : كان اليه المنتهى في الذكاء والحفظ وسعة دائرة العلوم اما كتابه (( المحلى )) فقد قال عنه امير العلماء شيخ الاسلام العز بن عبد السلام : (( ما رأيت فى كتب الاسلام في العلم مثل المحلى لابن حزم ، والمغنى للشيخ الموفق )) والشئ الذى آسف له اننى لم اتعمق في دراسة المحلى لعدة اسباب منها ضخامة الكتاب وسلاطة لسان المؤلف وزرايته بمخالفى رأيه مما لا يتفق وأدب البحث والمناظرة .
وابن حزم هو معروف ظاهرى المذهب ، وأصول ذلك المذهب تقوم على الاخذ بظاهر المعنى لالفاظ القرآن والحديث والتمسك بالعموم والبراءة الاصلية ولا شك انها أصول مرنة قادرة على استجابة الى حل كثير من مشاكلنا الفقهية المعاصرة . اما فقه ابن حزم واجتهاداته فانها جديرة بالدراسة ولا يقلل من قيمته تلك الشطحات التى أشار اليها السائل وغيرها مما هو معروف عنه ولم يوافقه عليه احد .
ويبدو من هذه الاجابة مدى العمق والاطلاع الواسع لدى الشيخ محمد .
وقد أجاب الشيخ محمد على السؤال التالى :
* قال تعالى : (( يا ايها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون )) . . وفي تذييل الامر بالصيام بقوله : (( لعلكم تتقون )) . أشار الى حكمة الصوم . وقال السائل : انى اود التبسيط فى تبيين حكمة الصوم .
- أجاب اجابة دقيقة حكيمة تدل على الفهم والوعى اللذين أحلاه هذا المحل المرموق بين علمائنا الأجلة . . وها هى ذى اجابته :
- الصوم اختبار روحى وتجربة خلقية ووسيلة يتخلى بها المسلم عن عدد من الشهوات والملذات فى سبيل وضع روحه تحت التجربة لتنمية قوتها وتحملها لمراعاة احكام الله وبذلك تقوى ارادته فكان الصوم اداة
لاكتساب التقوى . ولهذا قال تعالى : ( لعلكم تتقون ) اى ليرجى منكم التقوى - او لكى تعدوا أنفسكم وتهيؤوها للتقوى تقوى الشهوات والمعاصى وتقوى العلل والامراض .
وقد ختم السائل اسئلته بهذا السؤال :
* ما هى امنيتكم في الحياة ، وتوجيهاتكم للشباب ؟ سؤال له أهميته من صحفى والاهم منه جواب الشيخ محمد اذ يقول :
- الوحدة الاسلامية امنية عزيزة على كل نفس وهدف من الاهداف الساعية التى تتوق امتنا لتحقيقها غير ان تلك الوحدة تتخذ عدة مظاهر ومن مجموع تلك المظاهر الوحدة الشاملة وكمظهر من مظاهرها اتمنى ان تتفق الدول الاسلامية على أن تكون الشريعة الاسلامية هى المصدر الوحيد لكافة تشريعاتهم ونصوصها واجتهادات فقهائها مستند لاحكام محاكمهم .
أما الشباب فهم عصب الحياة وامل الامة ومعقد رجائها بعد الله تدخرهم لايام الشدة وساعات المحن ظفروا بنصيب كبير من اهتمامات الدولة فى شتى الميادين الدينية والعلمية والثقافية والرياضية واعتمدت المبالغ الطائلة لشغل اوقات فراغهم مما يكسبهم الصحة والحيوية .
ونصيحتى لشبابنا المسلم أن يكون متفانيا في عقيدته الاسلامية موصول العلاقة بربه متأدبا بآداب القرآن متخذا من نبيه مثلا أعلى فى شتى نواحى الحياة .
وبعد فيا أيها القارئ لا أزيد شيئا على تقريظ الشيخ محمد بأكثر مما قرظه به الاستاذ رشيد القحص واذا كنت اعرف من صفات الشيخ محمد وثباته ورزانته واستقامته الشئ الكثير بحكم نشأتنا ونشأته في بيئة واحدة مع فارق السن ! ! واذا كنت اعرف ما قام به والده من حسن تربيته وبذله النفس والنفيس في سبيل حسن تنشئته
وتعليمه وانه باع كل ما يملك ليسير به في ركاب الطلائع الاولى من الشباب المتعلم . . واذا كنت صحبت الاب وخبرت ايمانه بالعلم فاننى لا احب ان اطيل واكتفى بمقدمة - رشيد - لهذا اللقاء التى يقول فيها : -
ثمانى سنوات مرت على آخر لقاء لى بفضيلة الشيخ محمد بن ابراهيم بن جبير , تغيرت فيها الأشياء وتبدلت حتى خلت انى ساجد أمامى رجلا مختلفا تماما عما كنت أعرفه ، ولكن ظنى كان فى غير محله ، فالرجل هو الرجل ، الوقور ، المثقف , المتبسط في الحديث ، والذين عاصروه سواء أكان قد حكم عليهم أم لهم ، هم أول من يحكم له بالنزاهة والتجرد في عمله ، فنصف عمره قد قضاه في سلك القضاة والقضاء درب وعر
تحف به المخاطر ، والمسؤولية فيه كبيرة تنوء بحملها الاكتاف ، ولكن من جعل رضا الله غايته تهون عليه شتى المصاعب .
ولست مادحا وحسبى أن أقدم صورة مبسطة لعلم من أعلامنا .
انه حقا علم من أعلامنا وله نظراء في العلم والمعرفة نحسب ان شيئا من معرفتهم وعلمهم يبرز في مثل هذه اللقاءات وأضيف الى ذلك ان الشيخ كان طالبا في جميع المراحل الدراسية يمثل الاستقامة في خلقه والمثابرة في دراسته مع المحافطة على دينه . ومنذ تخرج عام ١٣٧٢ هـ وهو يعمل بصمت وهدوء لا يحب الظهور ولا البروز . . ولكن اذا احتاج الامر الى الجهر بالحقيقة والشجاعة في العلم فانه يمثل العالم العامل والموظف النزيه الذى يخدم امته ودولته خدمة الامين الناصح .
(الرياض)

