على مائدة القرآن, التكافل الاجتماعي .. والشرع الإسلامي

Share

"إن الحكم إلا لله" هذه الآية الفاضلة الفاصلة . من القرآن الكريم هى مفتاح الديمقراطية الاسلامية . ولكن الديمقراطية الاسلامية ليست موضوع هذا المقال . وإنما أحد أسسها هو الموضوع .. ذلك هو "التكافل الاجتماعي" كما أراده الاستاذ الانصارى .

فلنبحث التكافل الاجتماعي ، على مائدة القرآن ، بادىء الرأى . ثم نشر إلى الاخلاق النبوية ، وسير امراء المؤمنين الراشدين الصالحين

على ان التكافل الاجتماعي جزء من الاساس الاقتصادى للديمقراطية الاسلامية هذا الاساس المحكم الذي يتألف من لبنات قرآنية قوية أبية على التفتت والانصداع ١ - يأمر القرآن بتقسيم المال بين الناس على أقساط متفاوتة وبطرق مشرعة - " كي لا يكون دولة بين الاغنياء" منهم .

٢ - ويمقت القرآن كنز المال ، وينذر كانزيه بعذاب اليم "والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم - يوم يحمى عليها فى نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم . . هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون "

٣ - ويمنع القرآن ان يتخذ النقد تجارة ، ولذلك حرم الربا "وما آتيتم من ربا ليربوا فى أموال الناس . فلا يربوا عند الله . وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله ،

فأولئك هم المضعفون " - "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين " - "يمحق الله الربا ويربي الصدقات" الخ.

٤- ويحرم القرآن ان يكون المال وسيلة لإزاعة الحكماء عن سبيل الحق والعدل ، وأكل حقوق الناس بالبطل "ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم .."

٥ - وكما يحرم القرآن الاستغلال وكنز الاموال يكره البطالة ويحث على السعى والعمل "هو الذي سخر لكم ما فى الأرض جميعا" - "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" - "وهو الذى جعل لكم الأرض ذلولا؛ فامشوا فى مناكبها وكلوا من رزقه" - "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى" - "وجعلنا النهار معاشا " .

وهنا قد يقف القارئ الكريم متسائلا: أين التكافل الاجتماعي فى هذه الآيات من القرآن؟ والجواب أن يرجع القارئ إلى ما أسلفت الاشارة اليه ، من أن التكافل الاجتماعي جزء من الاساس الاقتصادى للديمقراطية الاسلامية .. وهذه الآيات القرآنية السابقة أصرح قولا وأفصح إشارة فى المجال الاقتصادى، منها فى المجال الاجتماعي ..

ولكن "الاجتماع" لا يكمل ولا يجمل اذا ابتلى "الاقتصاد" بنقص أو فساد  وأى مجتمع هذا الذي تكتنز فيه الأموال، أو تستغل فى الربا، ويضطرب فيه ميزان الأخذ والعطاء أو البيع والشراء، أو يركن فيه الناس الى تناول الصدقات والزكوات وهم أقوياء على السعى والعمل، أو يحرم فيه الاجير حقه، ويأكل فيه الناس بعضهم أموال بعض عن طريق رشوة القضاة والولاة ؟! أو يهمل فيه الارامل والأيتام والعجزة والمساكين ؟!

ان فى تلك الآيات اللبنات الأولى لصرح المجتمع الاسلامي المتين: ثم تأتي فوقها لبنات أخرى تزيد البناء شدة وأيدا، وتحميه من التصدع والانهيار . - فالقرآن يحسب للمحرومين . والغارمين والراغبين فى الإعتاق من الرق

حسابهم فى اموال اقربائهم ومواليهم وفي اموال الاغنياء عامة "وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم" و "إذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامي والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا" "فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير" "فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر" - "إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل" - "وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين" "والجار ذى القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم" - "لينفق ذو سعة من سعته" - "فلا اقتحم العقبة، وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام فى يوم ذى مسغبة، يتيما ذا مقربة، أو مسكينا ذا متربة "

فماذا بعد هذه الآيات البينات من كفالة اجتماعية لمن يستحقها من الناس فى المجتمع الاسلامى ؟

وماذا بعد هذه الآيات البينات من نظام محكم يضبط الحياة الاجتماعية ، بحيث يعيش الاغنياء والفقراء، والاقوياء والضعفاء، والمحظوظون والمحرومون، واصحاب العمل والعمال، فى وئام وسلام وتحاب وتعاون ، لا يستعلى الفريق الأقوى على الفريق المستضعف ولا يقسو عليه ، ولا يظلم حقه ، ولا يهضمه أجره . . بل يزيده عطفا أو لطفا . ولا يشعر هذا الفريق الاخير نحو ذلك الفريق الأول شعور الحقد والحسد والشحناء ، ولا ينظر اليه نظر الغيظ ، ولا يتربص به الدوائر ، ولا يتمنى له المنون . . ذلك ان الفريقين متحابان يرحم الاقوى منهما الاضعف ، ويكرم الغني منهما الفقير ويعلم العالم منهما الجاهل . . ويطب الطبيب منهما للمريض .

هكذا كان المجتمع الاسلامي الاول .. وهكذا يجب ان يكون كل مجتمع يسميه أهله " اسلاميا" وإلا فلا إسلام ، وانما ظلم وظلام!!

كان النبى عليه السلام والخلفاء الراشدون بعده، والعادلون من امراء المؤمنين فى العهود التالية يعلمون ان لكل فرد فى بيت المال نصيبا قل او كثر وفقا لحاجته أو وفقا لسابقته كما قال الخليفة الديمقراطي الاول عمر بن الخطاب: "الرجل وحاجته

والرجل وقدمه" هذه القولة الحكيمة التى جمعت خير ما فى الرأسمالية وخير ما فى الاشتراكية، وهما المذهبان العصريان اللذان يصطرعان الآن شر اصطراع ، وسيذهبان جفاء كالزبد ، ويبقى ما ينفع الناس !

كان الخليفة الاسلامي - اى خليفة عادل راشد - بعاهد الرعية ان لا يجتنى من خراجها شيئا لنفسه ، واذا وقع فى يده لا يخرج منها الا بحقه ، ويعدهم ان يزيد اعطياتهم وارزاقهم ، وان يسد ثغورهم ، وان لا يلقيهم فى المهالك ، واذا غابوا فى البعوث فهو ابو العيال حتى يرجعوا الى عيالهم -وكان يتلقى رسائلهم - وهم يحاربون فى ميادين القتال - يسلمها إلى اهليهم بيده . . ويقرؤها عليهم بلسانه ، ويكتب اجوبتها بقلمه - وكان يتحسس على الارامل والعجزة من الشيوخ والايتام من الاطفال فى شتى الاحياء والمنازل والاكواخ ، ليطعم الجائع ، ويكسو العارى ، ويغيث الملهوف ويعين على النوائب والخطوب.

هكذا كان التكافل الاجتماعي بين حكام المسلمين ورعاياهم .. لا يضيع ضائع ولا يهلك جائع ، ولا يفتضح محتاج، يتعاونون على العيش والعلم، ويتناهون عن المنكر والإثم، ويتواصون بالحق والمرحمة.

اشترك في نشرتنا البريدية