عمر بن الخطاب، والضمان الاجتماعي..*، -٢-

Share

ان التاريخ ليسجل بمداد الفخر والإعجاب أن عمر بن الخطاب كان أول من وضع نظاما كاملا للضمان الاجتماعي ؛

على أساس تعاليم الإسلام؛ وكان أسلوبه البالغ المدى من حيث الدقة والرأفة والحزم فى تطبيقه لهذا النظام الكامل، من أروع ما تحدث به الناس فى الشرق والغرب؛ على مر العصور ...

كانت المادة الأولى من مواد هذا النظام انشاء الدواوين وتقييد اسماء الناس .. وفرض العطاء لهم جميعا؛ على اختلاف طبقاتهم ومراتبهم؛ فلم يدع عمر جماعة من المسلمين الا وفرض لهم من هذا العطاء؛ وكانت قاعدته تقديم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهل السابقة فى الأسلام؛ فبدأ بأمهات المؤمنين - أزواجه صلى الله عليه وسلم - فكتب لهن فى عشرة آلاف درهم؛ وجعل عطاء عائشة رضي الله عنها اثني عشر الفا .... ولعلى بن أبى طالب خمسة آلاف؛ ومثل ذلك لمن شهد بدرا من بني هاشم . . ثم اتبعهم بمن شهد بدرا من المهاجرين والأنصار وفرض لكل منهم خمسة آلاف درهم فى كل سنة ، خليفهم ومولاهم معهم بالسواء؛ وفرض لمن كان له اسلام كإسلام اهل بدر ومن مهاجرة الحبشة ممن شهد أحدا اربعة آلاف؛ وفرض لأبناء البدريين ألفين ألفين الا حسنا وحسينا فانه الحقهما بأبيهما : ففرض لكل واحد منهما خمسة آلاف ؛ وفرض

لمن هاجر قبل الفتح لكل رجل منهم ثلاثة آلاف درهم؛ ولمسلمة الفتح لكل رجل منهم الفين ؛ وفرض لغلمان أحداث من أبناء المهاجرين كفرائض مسلمة الفتح؛ وفرض لأسامة بن زيد اربعة آلاف؛ وهنا يعترض ابن الخليفة عبد الله بن عمر ويقول لأبيه :

"فرضت لى فى ثلاثة آلاف؛ وفرضت لأسامة فى اربعة آلاف؛ وقد شهدت ما لم يشهد اسامة" ... فيقول له عمر : "زدته لانه كان احب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك وكان أبوه احب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك !! (١)

وهكذا يمضي عمر فى تعميمه لهذا العطاء .. فيفرض لباقي طبقات الأمة على منازلهم؛ وقراءتهم القرآن؛ وجهادهم؛ ثم يجعل من بقى من الناس بعد هؤلاء . بابا واحدا ؛ فيلحق من جاءه من المسلمين بالمدينة فى خمسة وعشرين دينارا لكل رجل ؛ ويفرض لآخرين معهم ؛ ويفرض لأهل اليمن وقيس بالشام والعراق : لكل رجل ما بين الفين ؛ الى ألف ؛ الى تسعمائة ؛ الى خمسمائة : الى ثلاثمائة ، ولم ينقص احدا عن ثلاثمائة . . ثم يقول : " لئن كثر المال لأفرضن لكل رجل اربعة آلاف درهم (٢)" وكان للنساء المهاجرات جميعهن ؛ نصيبهن من هذا العطاء . . فرض عمر لكل منهن ثلاثة آلاف درهم ؛ وكتب له عمال أهل العوالى ؛ فكان يجري عليهم القوت(٣)  وكان يفرض للمنفوس مائة درهم فاذا ترعرع بلغ به مائتى درهم فاذا بلغ زاده .. وكان إذا اتى باللقيط فرض له فى مائة ؛ وفرض له رزقا يأخذه وليه كل شهر بقدر ما يصلحه ثم يزيده من سنة الى سنة ؛ وكان يوصي بهم خيرا ؛ ويجعل رضاعهم ونفقتهم من بيت المال (٤)

وفى فتوح البلدان للبلاذرى : أن عمر بن الخطاب . كان يحمل ديوان خزاعة حتي ينزل قديد فتأتيه بقديد فلا تغيب عنه امرأة بكر ولاثيب : فيعطيهن فى ايديهن . . ثم يروح فينزل عسفان فيفعل ذلك ايضا حتي توفى .

وجاء إلى عمر ، خالد بن عرفطة العذرى ؛ فسأله عمر عما وراءه ؟ ! فقال خالد : تركتهم يسألون الله لك أن يزيد فى عمرك من أعمارهم ؛ ما وطئ احد القادسية الا وعطاؤه الفان ؛ أو خمس عشرة مائة ؛ وما من مولود ذكرا كان أو أنثى إلا ألحق فى مائة وجريبين فى كل شهر ؛ قال عمر : "انما هو حقهم : وانا اسعد بادائه اليهم لو كان من مال الخطاب ما أعطيتهموه .. ولكن قد علمت ان فيه فضلا ؛ فلو انه إذا خرج عطاء احد هؤلاء ابتاع منه غنما؛ فجعلها بسوادهم: فاذا خرج عطاؤه ثانية ابتاع الرأس والرأسين فجعله فيها، فان بقى احد من ولده كان لهم شئ قد اعتقدوه؛ فانى لا ادرى ما يكون بعدى؛ وانى لأعم بنصيحتى من طوقني الله أمره: فان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من مات غاشا لرعيته لم يرح ريح الجنة!! "

اجل .. هكذا ينطق عمر، وهكذا يقول إن ما اعطاه للمسلمين إنما هو حقهم وانه اسعد بادائه اليهم .. ثم ماذا ايضا؟ ! إنه يرى ان فى هذا العطاء زيادة عن حاجتهم ؛ فيود لو أنهم يعملون على استثمار هذا المال الزائد؛ ليبقى لأولادهم من بعدهم .. بمثل هذه الروح المثالية كان يهتم عمر بأمر المسلمين؛ وبمثل هذا العطف الخالص كان عمر يطبق ضمانه الاجتماعي؛ فى غير من؛ وفى غير استعلاء . . فأى ضمان اجتماعي حديث يرتفع الى مستوى ذلك الضمان الاجتماعي العمري؟ ! بل اى حقوق للانسان - فى العصر الذي يتبجح فيه البشر باعلان حقوق الإنسان - يمكننا ان نقول عنها انها حقوق معترف بها تماما؛ كما كانت عليه الحال فى عهد عمر بن الخطاب!؟

"للبحث بقية"

اشترك في نشرتنا البريدية