عمى صالح شطا

Share

طلب الي صديقي الاستاذ عبد القدوس الانصارى أن أكتب عن عمى السيد صالح شطا رحمه الله ، لأني أعرف الناس بحياته والصق الاقرباء به لكثرة اتصالى به فى حياته الخاصة والعامة ولأنى كنت ألمس فيه من معانيه ما لا يلمسه غيره فقد كنت كاتبه وموضع سره فى كثير من الامر ؛ فاعتذرت الى الاستاذ بصلة قرابتى ؛ وبحبى الذى أخشى معه الاسراف فى التقدير والاطناب فأبي الاستاذ الانصارى وأصر الا أن اكتب قائلا : إذا لم يكتب المحبون عن أحبابهم أفيكتب الاعداء عن أعدائهم ؟ فكتبت متأثرا بقول الاستاذ وبما لذلك الرجل الراحل من منن على فى تربيتي وتعليمى والسهر على اصلاحى وتأديبي .

(شخصيته)

لقد كانت شخصيته يرحمه الله تتميز بالوضوح فى كل شيء فقد كان مظهره واضحا لا تكلف فيه ولا تزويق ، وكان يبهرك اذ تلقاه ، ويلفت نظرك باشراق محياه وقوامه الفارع وابتسامته الواضحة فتندفع اليه محييا ومسلما ولو كان بين عشرات الرجال فتأنس بقربه وتطمئن لصحبته وقد تهرب من لقاء غيره من مزيفي العظمة ولا تهرب منه ، وإذ تلقاه يمشي بين أفراد طبقته تراه بارزا كالعلم مشرقا كالشمس يضيء وجهه بجلال

الرجولة ومهابة الوقار وتلمع عيناه ببريق الذكاء ، والدهاء .. من رآه وهو لا يعرفه قال : هذا ينحدر من أعرق الاصول وان هو الا من أحفاد الرسول .

كان محبوبا من الجميع محترما من الخاصة والعامة لانه كان يحب فى الله ويغضب فيه ويحترم نفسه ، يقوم له الامير ويمشي الوزير فى غير تكلف وعن تقدير لا لانه لم يمد يده ولم يطلق لسانه بالهذر والهجر فحسب بل لانه كان واضحا فى صراحته لا يجامل الا للحق ولا يطأطئ الا للحق ولانه نظيف اليد واللسان ونظيف القصد والايمان ، ناضل وجادل في الحق فانتصر فى اكثر ميادين الحق وان انهزم مرة بالباطل فى نظر خصومه الشرفاء وغير الشرفاء فلا يتقهقر ولا يثنى ومبدؤه ان للباطل جولة ثم يضمحل . مشت فى ركابه الدنيا فأعرض عنها الى الآخرة ومشى فى ركابه مجدها فأبى أن يدنس عراقة أصله ويلوث شرف علمه ودينه بزائف المجد الذي يبنى فى هذا الزمن على الغش ويستند على الرياء والكذب والتدجيل -والذى بهر أنظار الكثيرين - وهو بهذه الخصال كان محترما من خصومه ومنافسيه مثل ما هو محترم من أصدقائه ومحبيه كان شعبيا يعلو بنفسه عن الارستقراطية التي أحاط بها الرسميون أنفسهم وكان لا يرى فى الرسمية الا قضاء حوائج الناس ومنفعتهم بالعدل والمروءة . كان يكره أن تنزل الأسر الكريمة الى ساحة المحاكم لتفصل فى خصوماتها وقد عرفت الاسر هذا عنه فكانت تلجأ اليه فى فض النزاع بينها فى الطلاق والإرث والزواج وكان يفعل فيها غالبا بالصلح أو التغلب على جانب الشر بالنصح والتضرع وكان ينجح لا بقوة سلطانه بل بقوة اخلاصه وايمانه واحترام المتخاصمين له وكان يسمح له أصدقاؤه ان يحسم الخلاف الذي ينشب بينهم وبين زوجاتهم وأبنائهم واخوانهم وكان يدخل الى قصور هذه الاسر لينصح ويصالح ويفرض عليهم الاذعان لسلطته الروحية ومروءته العربية واني اعلم انه لولا تدخله فى خصومات بعض الاسر وفض النزاع بينها لا فتضحت تلك الاسر وتفرقت شذر مذر ، وكم وفق الله به زوجا وروجا وأبا وابنه وهدى به حاكما ومحكوما .

(رجولته)

لقد كانت الرجولة فيه ندرة بالنسبة للرجال فهو رجل بما فى معاني هذه الكلمة وبما فى مدلولها من الانسانية الفاضلة وقد عرف فيه هذه الرجولة مليكه المعظم فأحبها وأثنى عليها ، وثناء الملوك الصالحين تزكية وحجة وقد قال فيه أطال الله عمره حين عزانا فى فقده بعد دفنه مباشرة وحين أوفد الينا من يدعونا لقصره العامر ، قال حفظه الله " لقد مات صالح ولقد فقدنا فيه الرجولة وقد خسرته نجد كما خسره الحجاز ولن نجد مثله لقد فقدناه مخلصا ونزيها لا يخشى غير الله " ولقد قال فيه أميره الافخم ونائب جلالة الملك المعظم : "يكفي السيد صالح فخرا انه توفي وكل يثنى عليه ويمدح رجولته ويترحم عليه حتى النساء بكينه فى خدورهن" . وهذه شهادة حقة صادقة تصدر عن عظمة فى الملك وعن نبل فى الامبر لأنهما عرفا بلاء الرجل وجهاده فى الاصلاح والتوجيه والنصح الخالص عرفاه فى قوله الحق والدفاع عنه فى الازمات والملمات فكانا ينصتان اليه .

ولقد كان من مميزات رجولته انه لا يطعن خصومه من الخلف بل يتصدى لهم وهم ينظرون فكان يلجمهم بالحجة ويقرعهم بسداد الرأى وما عرفه قط مليكه واميره انه طعن خصومه عندهم أو تحامل عليهم فى غيبتهم أو جنح الى وسيلة الدس والوساطة عندهم ليحملهم على مناوأة خصومه والكيد لهم كما يفعل غيره ممن ينتصرون بالدس والوسائل والخداع ولقد كان من مميزات الرجولة فيه انه لا يسمح لأحد من جلسائه أن يغتاب فى مجلسه أحدا ولقد اراد أحد أصدقائه أن يغتاب رجلا فى مجلسه فأبى عليه ذلك بشدة .

وطلب اليه ان لا يحضر مجلسه إذا اصر ان يغتاب الناس فيه فغضب صديقه وقال: أمن أجل ان اذكر سيئات المسيئين تطردني من مجلسك؟ فرد عليه يرحمه الله: إذا كنت تحترم مجلسي وصداقتى فلا تغتب أحدا عندى فالغيبة عيب فى الرجال ولا تصدر الا عن الذين يعجزون عن مواجهة خصومهم والذين تعوزهم الشجاعة المدنية والأدبية ويشعرون بمركب النقص فى أخلاقهم ومؤهلاتهم .

ولقد كانت الرجولة فيه تدفعه ان ينصب من أجل أصدقائه المخلصين مناضلا مدافعا ومخاصما وكان ان امتحنه الزمن بصداقة شخصية تنكرت له بعد أن انقذها من صفعات الرجال ولطمات الاخصام وتعرض من أجلها لانتقاد من يقدرونه ويعلمون حسن ظنه وجميل قصده ولكنه مع هذا انتصر وحمل عن صديقه الذى تنكر له فيما بعد عبء التبعة والمئونة التى كادت تطوح بمستقبل الصديق الغادر . لقد أبت عليه رجولته الا أن يقف مع الحق وينتصر له . . وكم كانت له مواقف مشهودة فى المؤتمرات والمجالس والهيئات واللجان لولا وجوده ومواقفه الحازمة لتحمل الناس أعباء تلك الآراء الخطيرة والمجملات المنافقة ماناءوا تحت وطلأتها حتى اليوم وكم وقف ضد من لا ترد كلمتهم وتسمع نأمتهم ومن إذا أرادوا وقالوا انحنت الرءوس واهتزت اللحى ، وكم كان جميلا وعظيما ان يعترف منافسوه الشرفاء بنزاهته واخلاصه ومتانة خلقه ودينه .

(مركزه الحكومي)

كان مديرا للمعارف فى أول عهد الحكومة فنهض بالقدر الذي تسمح به ميزانية الدولة فى ذلك الوقت وتركها كارها لمضايقة بعض الآراء الرجعية له فى الاسلوب والوسيلة اللذين اختطهما للنهوض بالتعليم على أصوله ومناهجه الحديثة حسب ما يتفق وبيئة هذا البلد ويساير المناهج الحديثة فى البلاد الشقيقة.

ثم عين مستشارا لنائب جلالة الملك فى الحجاز فكان خير رائد ومشير وكان يلقي من سمو النائب كل تقدير واحترام وقد أنس فيه النائب الاخلاص والنصح فأدناه منه واستمع له ثم رقى الى منصب وكيل وزير الداخلية سمو الأمير فيصل فابرز من الكفاءة والاخلاص ما جعله موضع الثقة فى البت فى أمور الداخلية والتصرف في شئونها تصرف الواثق باحترام مليكه وتقدير أميره وكان الأمير يعجب بجلده ومصابرته على العمل وانجازه الاعمال والبت فى الشكوى يوما بيوم

وأذكر مرة أنه قال فى حديثه عن أخلاق سمو الامير : "ما رأيته قط غضب من احراج بعض الشاكين المتهورين اذ كان العفو والسماح من سجاياه وخلقه وما سمعته قط على كثرة ما جالسته انه اتهم أحدا من الحجازيين أو قال فيه ما يسوؤه " وكان يقول " إنه رأى فى سمو الامير فيصل صورا من الحلم وسعة الصدر والأناة وحصافة الرأى وتصريف الامور على صغر سنه وحداثة عهده بالحكم إذ كان عمر سموه إذ ذاك لا يتجاوز الرابعة والعشرين ما أثبت أنه خليق بالوزارة والامارة "

وأذكر أن أحد أصدقائه الخلصاء انتهز فرصة خلو مجلس سموه من الزوار فقدم له عريضة شكوى وأخذ يشرح له وجهة نظره فى صدق دعواه وشكواه فما كان من السيد صالح وكان هذا غير منتظر منه فى رأى صديقه الا أن رفض قبول العريضة وتقديمها على هذه الصورة فى داره وعاتب صديقه قائلا : " إن للشكوى مكانا اخر غير هذا المكان فما ضيع الحقوق الا قبول أمثال هذه العرائض من الاصدقاء" فارتج على ذلك الصديق وأراد أن يتوسل لقبولها فحذره من تقديمها وأنه ممزقها وطارده من داره ان فعل وقال : لا حاجة لى فى صداقة صديق يحرج نزاهتي ويخدش سمعتي ؛ فامتثل الصديق وانسحب غاضبا ولكنه عاد اليه فى ليلة أخرى معترفا بخطئه الذي وقع منه عن حسن نية وقصد .

ثم نقل إلى رئاسة مجلس شورى الدولة الثانية بعد الغاء وزارة الداخلية وهنا ندع القلم لنستمع الى أحد أعضاء المجلس البارزين الاستاذ احمد ابراهيم الغزاوي شاعر جلالة الملك المعظم وهو يتحدث فى احدى أمسياته بيننا بعد وفاة الفقيد حيث قال : " لقد ملأ السيد صالح كرسي رئاسة مجلس الشورى بمؤهلاته الجمة من علم وذكاء وسعة اطلاع وسداد رأي وقوة ايمان مما جعل أعضاء المجلس يؤمنون بكفاءته وقدرته على تصريف الامور فى حزم ونشاط" ثم قال معقبا: "كان للسيد صالح تأثيره الخاص فينا لما كان يتمتع به من احترام وحب ولما كان له من وجاهة محتد وكان لقوله السحر الحلال ينفذ ويتغلب دائما عن رضا واستسلام منا .

(فى بيته وبين أهله)

لقد كان يرحمه الله مثال الرجل المتواضع المتقشف بين أهله وأسرته فما عرف انه كان يتميز عنهم فى المأكل والمشرب وما عرف أنه صنع له طعام خاص شأن المترفين من رؤساء الاسر وعمدائها، وكان ينفق بسخاء ويحمل الى أهله هداياهم بنفسه .

وقد لا يجد بعض الاحيان ما يرضيهم جملة واحدة فكان يخبئ الهدية للمهداة اليه ويطلب منه ان لا يعلنها حتى تتوافر لديه الاخرى فيسلمها لصاحبها وهكذا دواليك حتى يرضى الجميع .. وله رعاية خاصة بالنساء والعجائز اذ كان يؤثرهن بمنحه وعطاياه على ما تسمح به ثروته المتواضعة، وكانت له أوقات خاصة يزور فيها أقاربه وأصهاره وكانوا يستعدون للقائه دائما فى مثل ذلك الوقت ولا يتأخر الا لعذر واضطرار ولا يسعنى وأنا أضع القلم جانبا أن أترك الفرصة لاخوانه وزملائه وعارفى فضله ليسجلوا ما عرفوه عنه ليكون درسا وعبرة لغيره ومن أنكر فضل الرجال أنكر فضله الرجال.

اشترك في نشرتنا البريدية