بقلم فضيلة الاستاذ عبد الله خياط
سعد بين الأمارة والقيادة
أسدل الزمن ستوره على عصر النبوة حيث لحق الرسول الكريم بالرفيق الاعلى وهو راض كل الرضى عن سعد وقلب التاريخ لسعد صفحة جديدة سجل له فيها المواقف المشهودة والمآثر الحميدة والسياسة الحكيمة والقيادة الرشيدة وذلك ما سنعرض له فى مقال اليوم والمقالات التالية بعده إن شاء الله تمت البيعة للصديق رضى الله عنه فكان يرعى لسعد حقه وسابقته وحسن بلائه وعظيم جهاده ويعطف على وشيجة الرحم التى كان يدلى بها سعد الى الرسول الكريم، واستعمله على صدقات هوازن قبل نجد فكشف بذلك عن مواهب سعد المكتنزة وكفاءته النادرة، وخاصة فى الأمور المالية التى تتطلب الدقة ولا يضطلع بأعبائها الامن توفرت فيه مجموعة من صفات الكمال فى طليعتها النزاهة والعفة ، وما الى ذلك وحسبنا بالصديق حنكة وبعد نظر ومعرفة بالرجال .
وآلت الخلافة الى الفاروق عمر رضي الله عنه ، فلم يغير من وضع سعد شيئا بل آبقاه على ما كان عليه فى عهد الصديق الى حين تطورات حروب فارس واستنفار امير المؤمنين عمر للقبائل واعلانه التعبئه العامة وكتابته لأمراء الاجناد والبلدان والعمال باستنهاض أولى البأس والشجاعة والنجدة من وجوه العرب لانتدابهم لحرب الفرس وغزوها فى عقر دارها، جزاء وفاقا لطغيانهم وإجلابهم وتألبهم على المسلمين، وكان ممن كتب له فى ذلك سعدا فجاءه منه جواب رصين حصيف امتلا به امير المؤمنين ثقة وأدرك منه مدى إخلاص سعد لقضية الاسلام ونصحه للولاية ومبلغ اذعانه وصدوعه بأمر خليفة المسلمين وولى أمرهم . ومما جاء فى كتابه :
"انى قد انتخبت لك الف فارس كلهم له نجدة ورأى وصحب حيطة بحوط حريم فرمه ويمنع ذمارهم ، إليهم انهت أحسابهم ورأيهم فشانك بهم . وكان لهذا الكتاب أثر بارز إذ وافق استشارة الخليفة كبار صحابته واجالة الرأى منهم فى اختيار من بعهد اليه بأمر القيادة العامة لهذا الجحفل الجرار الذى ضم وجوه العرب وسادتها وحماة عرينها وخطباءها وشعراءها وقراءها ، ووعاظها واءلى البأس والشجاعة من أبطالها . وقرأ الخليفة كتاب سعد بمسمع من أصحابه فاستروحوا منه الحزم والعزم والصرامة والرأى السديد والتدبير الصائب وذلك بعض ما يعرفونه عن سعد المجاهد، فأجمعوا امرهم على استقدامه ورمي الفرس به وليضطلع باعباء قيادة جيش فيه جهد الأمة العربية من حيث العدة والعدد ومن حيث الرجال والعتاد وقالوا للفاروق : قد والله وجدته الأسد عاديا سعد بن مالك اى ابن ابى وقاص - فاستقدمه الخليفة وقلده القيادة العامة لجيش فارس وأوصاه بوصايا رائعة حرية أن تجعل فى طليعة اللوائح التى يزود بها القواد والأمراء كدستور ينتهجونه وخطه لا معدى لهم من تطبيقها والسير عليها وقد كان سعد رضى الله عنه ، عند حسن ظن الخليفة إذ انه لم يحد قيد شعرة عن كل ما يرسمه له الخليفة بل لم يكن يصدر فى الصغير أو الكبير من الأمور الا عن رأيه رغم بعد الشقة وطول المسافة وانعدام المواصلات ووعورة المسالك حتى جاء نصرالله وفتح الله على المسلمين وأدال لهم من عدوهم . فكتب سعد للخليفة كتابه المشهور الذى يعتبر بحق تحفة رائعة فى الأدب الرفيع والأسلوب المتين قال سعد :
"أما بعد فان الله نصرنا على أهل فارس ومنحهم سنن من كان قبلهم من أهل دينهم بعد قتال طويل وزلزال شديد وقد لقوا المسلمين بعدة لم ين الراؤون مثل زهائها فلم ينفعهم الله بذلك بل سلبهموه ونقله عنهم الى المسلمين واتبعهم المسلمون على الأنهار وعلى ضفوف الآجام وفي الفجاج وأصيب من المسلمين (سعد بن عبيد) القارىء ورجال من المسلمين لا نعلمهم ، الله بهم عالم ، كانوا يدوون بالقران اذا جن الليل عليهم دوى النحل وهم آساد الناس لا يشبههم الأسود ولم يفضل من مضي منهم من بقى الا بفضل الشهادة إذ لم تكتب لهم"
وكتاب سعد هذا أشبه بالبلاغ الحربي يصدره مركز القيادة العامة للجيش اثارة للرأى العام وحفظا لمعنوية الجيش ، وقد صور فيه سعد الحقيقة واضحة وقرر الواقع دون تلبيس أو تدليس ودون مبالغة أو صلف، ورثى الهالكين من افراد الجيش وتحدث عن بلائهم وصدق لقائهم للعدو وقوة شكيمتهم وشدة بأسهم وجلدهم فى مصابرة الخصم ومغالبته الى جانب تعبدهم وازد لافهم القربى وابتغائهم من فيض الله وكرمه ولم يغمط بقية الجيش حقه اذ ألمع الى تضامنهم مع من سبقهم بالتضحية بالنفس والاستشهاد فى سبيل الله بقوله : "ولم يفضل من مضى منهم من بقى إلا بفضل الشهادة اذ لم تكتب لهم" ومن الخير أن لا نمر بهذا الفتح العظيم دون أن نعرض لسياسة سعد الرشيدة التى الف بها بين أفراد جيش نكتل تحت راياته وجوه العرب وأشراف العشائر وكل منهم يدلى بمكانته وعزه وشرفه ، وأقل ما يرنو اليه الا تقطع الأمور دونه وان يكون له فى الملأ صوت مسموع ورأى محترم . وان خير ما يصور لنا نهج سعد الذى انتهجه والخطة التى رسمها لسياسة هذا الجيش، هى تلك الفقرة الخالدة التى كثيرا مارددها التاريخ ونعت بها حذاق السياسة وهى:(لين فى غير ضعف وشدة فى غير عنف) تلكم هي الطريقة المثلى التى استطاع بها سعد المحنك أن يتصرف وأن يضع الحق فى نصابه وأن يكون من اولئك الزعماء والسادة شيعة وحزبا يشد أزره وتقوى به شكيمته فيتغلب على الخصم العنيد الذى كان يفوق المسلمين فى العدد والعدة.
خطب فيهم مرة قبل أن ينشب القتال خطبة يستثير بها حميتهم، ويلهب حماسهم ويحثهم على الزهد فى الدنيا والرغبة فى الآخرة ويحضرهم على التضامن ويحذرهم عاقبة الفشل والتدابر فقال : "أنتم وجوه العرب وأعيانهم وخيار كل قبيلة وعز من وراءكم فأن تزهدوا فى الدنيا وترغبوا فى الآخرة جمع الله لكم الدنيا والاخرة ولا يقرب ذلك احدا الى اجله؛ وإن تفشلوا وتهنوا وتضعفوا تذهب ريحكم وتوبقوا آخرتكم" .. والى جانب هذه السياسة الحصيفة الوادعة تأتى سياسة الشدة إذ يتطلبها الظرف وملابسات الأحوال ومقتضيات الواقع فسعد رضى الله عنه لم يكن ممن يقعقع لهم بالشنان ولم تكن لتلين قناته أو تخور
عزيمته عندما تجابهه الأحداث أو عندما يلحظ تفريخ الشيطان بين صفوف جيشه، ليحدث فيه التصدع والتفكك، بل كان يعالج ذلك بحزم وصرامة غير مكترث بما لعله أن ينجم عن ذلك من اثارة الحفائظ وتغيير القلوب عليه.
حدث ابن جرير عند سرده حوادث القادسية فقال "كان بسعد عرق النساء ودماميل فاستخلف على الناس خالد بن عرفطه فاختلفوا عليه فقال سعد احملوني واشرفوا بي على الناس فارتقوا به فاكب مطلعا عليهم من القصر والصف الى جانب القصر بأمر خالدا فيأتمر بامره ويبلغه الناس وكان ممن شغب بعض وجوه الناس فهم بهم سعد وشتمهم وقال : "أم والله لولا أن عدوكم بحضرتكم لجعلتكم نكالا لغيركم ثم حبسهم وقيدهم فى القصر وقال والله لا يعود أحد بعدها يحبس المسلمين عن عدوهم الاسننت به سنة يؤخذ بها من بعدى".
بهذا المزيج من اللين وشدة وهذا اللون من السياسة الحكيمة والتصرف المحمود ذلل سعد الصعاب ونغلب على المتاعب وحفظ التوازن فى الجيش فرضى وأرضى وحمد العاقبة وضمن النصر .
واستمر سعد فى فتوحاته الموفقة وحملاته المظفرة وأعماله الحربية الناجحة ضد أعظم دولة كانت تعاصر الأسلام فى شرق الجزيرة حتى احتل عاصمتها ودك حصونها وفل جيوشها العاتية وقضى على كبريائها ودخل إيوان كسرى الشهير حامد الله تعالى على هذا النصر المبين والفتح العظيم تاليا قول الله تعالى: (كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين) وصلى فى الأيوان صلاة الفتح ثمانى ركعات لا يفصل بينهن بسلام أسوة برسول الله صلى الله علية وسلم حين دخل مكة اذ تم له فتحها .
"متبوع"

