الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

فلسفة العبث بين الوجودية والاسلام

Share

لعل هذا العنوان يبدو غريبا ، ولعل غرابته تبدو فى اقتران فكرة العبث بالاسلام ، أو الادعاء بأن الاسلام جاء بهذه الفكرة ، والحق أن هذا ليس ادعاء وإنما هو الواقع ، فالاسلام فى رؤيته لهذا العالم وفى تقييمه له قد أطل على الناس بمفهوم جديد للعبث ليس هو ذلك المفهوم الذى كان عند الدهريين والذى تعرض له القرآن نفسه فى هذه الآية : (( إن هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين )) .

والذين يستغربون هذا الرأى هم الذين يعرفون أن العبث فكرة وجودية معاصرة تعبر عن نظرة الى الكون كانت وليدة الخيبة والفشل ، خيبة الآمال والاحلام التى علقتها الانسانية على العلم فى أواخر القرن الماضى وأول هذا القرن ، فلم تفق إلا على نتائج مروعة أليمة نتيجة لموضوعية العلم المزعومة ومجافاته للأخلاق .

نعم . سيستغرب بعض الناس هذا العنوان ويقولون : أى جامع بين مفهوم العبث كفلسفة معاصرة ، وبين الاسلام كدين سماوى له طابع الاديان السماوية وروحها ، ولكننا سوف لن نذهب مذهبهم فى الفهم وسوف نحاول أن نبين مفهوم العبث فى الوجودية ونشأته ، ثم نحاول أن نقارن بما جاء منه فى الاسلام لعلنا ننتهى الى فلسفة إسلامية فى العبث تتميز عما نجده عند الوجوديين سواء منهم من كان من أهل الوجودية المؤمنة أم من كان من الملحدين .

إن أصل القول بالعبث فى الوجودية آت من أصل اختلافها مع الفلسفات الأخرى فى نقطة معينة هى - الوجود والماهية - فالفلسفات الاخرى غير الوجودية أو بعض هذه الفلسفات تقول : إن الماهية ( وهى جوهر الشىء الدال على خصائصه الذاتية المميزة له من الكائنات الاخرى ) سابقة على وجود الشئ ، وذهب ابن سينا الى أن الوجود عرض للماهية ، وقد انتقده ابن رشد فى ذلك وذهب مذهب أرسطو من أن الوجود تحقيق للماهية باخراجها من حيز القوة إلى حيز الفعل . وهذه النظريات كلها إنما تمت فى الحقيقة الى نظرية - المثل - لأفلاطون ، الذى اعتبر الكائنات الحسية كائنات وهمية خادعة ، وأن

لهذه الكائنات الحسية مثلا هى الكائنات الحقيقية ، فما العالم الحسى المادى إلا تقليد ومحاكاة فقط لعالم المثال والروح .

فلما جاءت الفلسفات المادية أنكرت هذه الثنائية ، وجاءت الوجودية فنهجت نهجا آخر لم تنكر فيه عالم الروح ولكنها قالت : إنه ليس هناك شئ يقال له ماهية ، وشىء يقال له وجود وإنما هناك حقيقة واحدة غير منفصلة هى هذا الشئ الموجود وكفى .

فما يظهر من الشئ هو حقيقته وهو ماهيته ، وبذلك رفضت الوجودية كل مفهوم عقلى للوجود .

ثم عبثت الوجودية بمفهوم الماهية وجعلته فى الانسان دالا على - الشخصية - وليس هذا هو مفهوم الماهية عند الفلاسفة ، وبذلك ذهبت الى القول ان ماهية الانسان لاحقة لوجوده ، أى انه يوجد خلوا من كل تعيين ، ثم يكون عالما أو جاهلا ، شجاعا أو جبانا فتتحدد شخصيته فيما بعد نتيجة لتجاربه وتفاعله مع الواقع ، وبذلك تتكون ماهيته ، فالانسان عند الوجوديين هو الكائن الوحيد الذى تتحدد ماهيته بهذه الصورة ، أما الكائنات الاخرى فان ماهيتها تكون مع وجودها مثل الشجرة التى تتحدد ماهيتها فى بذرتها .

ولعل أساس هذه النظرية فى الوجودية راجع الى نظريتها فى - الحرية - فالوجودية ترى أن الكائنات جميعها خاضعة للجبرية المطلقة ، ليس لها حرية فى صيرورتها ، وان الكائن الوحيد الذى يتمتع بالحرية هو الانسان . ومن ثم كان الانسان عند الوجوديين صانع نفسه أى مكونا لشخصيته التى هى ماهيته ، ومن ثم أيضا كان مصيره بيده وهو المسؤول عن ذلك المصير ، إذ بجد نفسه أمام مواقف عليه أن يختار بينها ، ومن هنا نادت الوجودية بأن يرفض الانسان كل ما يحد من حريته وسعيه وراء اكتمال ذاته ، وبذلك مكنت للفرد على حساب المجتمع ، وأوعزت إليه أن يرفض كل القيم الاخلاقية ، وأن يرفض الدين ، والعرف الاجتماعى إذا رأى أن ذلك يحد من حريته فى تكوين ذاته .

والوجودية قد تردت بهذه النظرية من فلسفة محبة للانسان الى فلسفة خادعة مضللة لهذا الانسان ، ولعل هيامها بالانسان وحريته ومصيره هو الذى جرها الى هذا التطرف الذى أساء الى الانسان حين عرض حياته الاجتماعية للتلاشى ، والواقع أن الوجودية قد ناقضت نفسها فى كلامها عن الحرية وبناء الشخصية ، وإلا فكيف سيتم بناء الشخصية بمعزل عن الحياة

الاجتماعية ؟ ثم إن الانسان يجد فى الجماعة تحقيق ذاته على الصورة التى حددتها الطبيعة ، فيرضى جميع غرائزه ونزعاته المشروعة من خلال حياته الاجتماعية ، ويجد فى الانسجام مع تلك الحياة الشعور بالأنس والدفء والرضا . ومن هنا نراه يضحى بتلك الحرية التى هامت بها الوجودية كبديل لما يمنحه المجتمع من هبات وعطايا أهمها تلك الشخصية نفسها ، فعملية بناء الشخصية عملية لاواعية تتم ضمن اختيارات اجتماعية ، وضمن الايمان بقيم اخلاقية معينة ، وليست الحرية غاية فى ذاتها ، وإلا أصبحت مفهوما أجوف لا طائل من ورائه .

ولقد غالى الوجوديون فى اعتبار الحرية ، وزعموا ان الانسان فى قدرته أن يحقق كل إمكاناته ، ولكن الموت هو الذى يعوقه عن ذلك ، فأصبحت قضية الموت فى الوجودية مقرونة بالقلق والضيق والتشاؤم والألم لأن الانسان فى نظرهم عندما يجد نفسه عاجزا عن تحقيق امكاناته على حد تعبير سارتر ، ويجد أن سبب ذلك هو الموت ، وان كل عمل يقوم به أو ينجزه يصبح فارغا من كل معنى ما دام الموت هو الشئ الوحيد الذى نحن على يقين من أنه خاتمة الحياة ، عندما يرى الانسان كل ذلك ينتابه شعور بالضيق والألم ويرى الحياة عبثا والوجود فارغا يسيطر عليه مفهوم (( اللامعنى )) .

من هنا كانت فلسفة - العبث واللامعقول - فى الوجودية ، ومن هنا كانت فلسفة قاتمة ، متشائمة ، نظرت الى الحياة بوجه عابس أسود ، وبذلك كانت هذه الفلسفة نغمة حزينة حتى إن بعض المفكرين أخرجها من صف التفكير الفلسفى بسبب من جنوحها الى الكآبة الذاتية وقيل فيها إنها ضرب من النزعات الرومانتيكية الباكية .

ذلك هو مفهوم - العبث - عند الوجوديين وتلك هى عوامل بروزه فى تلك الفلسفة ، فهل هذا المفهوم هو ما عندنا فى الاسلام ، أو أن ما فى الاسلام شئ يختلف عن ذلك ؟ وإلى أى حد نجد هذا الاختلاف ؟

إن النظر الى الحياة على أنها عبث ، وانها تافهة لا معنى لها هى نقطة البداية التى يتفق فيها الاسلام مع الوجودية ، واذا كانت هذه الحياة عبثا فى نظر الوجوديين لانها تنتهى بالموت ، فهي كذلك عبث فى نظر الاسلام لأن نهايتها الزوال والتحطيم ، فلا تعدو أن تكون لحظة مليئة بالخداع والوهم وانها زائلة فى النهاية ، ونجد التعبير عن هذا المعنى فى قوله تعالى : (( إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم ، وتكاثر فى الأموال والأولاد ، كمثل غيث أعجب الكفار نباتة ثم يهيج فتراه مصفرا ، ثم يكون حطاما )) ( سورة الحديد ، آية 20 ) .

الى هنا نرى أن نظرية - العبث - الوجودية هى نفس ما تنطق به هذه الآية ، ولكن أين يكون الافتراق بين النظرتين ؟

إن ذلك كان فى الموت .    رأت الوجودية أن الموت هو النهاية الحتمية لهذه الحياة فلم تر للوجود غاية ، وخلعت عليه طابع اللامعقول أو اللامعنى ، ومن ثم زرعت فى النفس الاستخفاف بالقيم والشعور بالضيق والمرارة .

ورأى الاسلام أن الموت وإن كان نهاية لهذه الحياة فليس نهاية للانسان ، وأن الوجود الانسانى له غاية تتحقق بعد الموت أو يتحقق الجزاء عليها بعد الموت ، وأن هذه الغاية هى رسالة الانسان الاخلاقية فى هذه الحياة : ولعل هذا ما حمل الفيلسوف الألمانى - كانط - إلى أن يستدل بالعقل العملى على حياة ما بعد الموت .

وإذا كانت الوجودية تقول على لسان - سارتر - (( إن الموت هو الشئ الوحيد الذى يستطيع الانسان أن يكون على يقين من انه ختام كل حياة )) وأن تردد ما قاله الدهريون فى كل زمان ومكان ، فان الاسلام يتخذ من الدليل نفسه دليلا على بطلانه ، او زعزعته بالاحتمال ، وما تطرقه الاحتمال لا يصح به الاستدلال ، كما يقول المناطقة وعلى هذا الاساس يستطيع الاسلام أن يقول ، بل تستطيع الاديان السماوية كلها ان تقول : (( إن الموت إحدى الظواهر الكونية التى لم يستطع الانسان لها تفسيرا ، ومن ثم فانه لا يستطيع أن يقطع بأنه النهاية الابدية للانسان ، فالحكم بأن الموت نهاية إنما هو حكم مستمد من تصور وجود واحد هو هذا الوجود ، وينبغى لكى تكون المعرفة كاملة أن يتم الالمام فيها بكل اطراف الوجود )) .

ولقد كان لكل من النظرتين نتائج فى حياة الانسان وفى سلوكه ، فما هى هذه النتائج ؟

كان لادعاء الوجودية أن الموت نهاية أبدية للانسان أن جعل منها قصة هزيمة ويأس وتشاؤم ، وجعلها عاجزة أن تتجاوز الوجود الذاتى للفرد الى ما وراءه من وجود أرحب ، ثم إنها باتت فلسفة مجزئة لاعتبارها كل موجود ماهية بذاته ، فمزقت صلة الرحم الرابطة بين أفراد النوع ، وقد وقعت فى تناقض حين قررت أن مصير الانسان بيده ثم قالت من ناحية اخرى بأن اختياره لا يقترن برؤية ، وليس مسبوقا بتدبير عقلي أو تحديد لغاية أو معرفة ببواعث ، وإذن فهو اختيار أعمى ، والدليل على ذلك ما يصرح به

سارتر نفسه حين يقرر بأننا نحن البشر يتامى ، ليس لنا سند فى اتخاذ الاخلاق وتعيين الاهداف ، وإذن فكيف نفهم هذه الحرية ؟ أليست هذه جبرية مطلقة ؟

الواقع أن الانسان ينتهى الى الحكم بأن الوجودية فلسفة حائرة تبحث عن قيم جديدة ما زالت غير واضحة ، وانها لحد اليوم لم تستطع أن تتجاوز النظرة الذاتية فى اعتبارها لحرية الانسان ومصيره ، ولم تستطع أن تكون فى مستوى مشكلة الانسان فى هذا الوجود ، وقصاراها أنها انتهت بنا - نتيجة لطابعها الانفعالى - الى أن نضيق بالحياة ، ونمتلئ بالسخط ، وأن ننظر الى الاشياء من خلال الضباب الكثيف والسماء الداكنة ، وهنا نشعر حقا بقسوة الفلسفة ورحمة الدين ، فالدين حمل إلينا النور وملأ نفوسنا تفاؤلا وأملا ، ومد حياتنا الى ما بعد الموت ، وجعل قوام هذه الحياة السعى والعمل ، ودعانا الى الاقتراب من مثالية اخلاقية يقينا منه أن الأخلاق تفاؤل وابتسام ما دامت فى أساسها تكيفا مع البيئة ، ومحاولة لتغيير الواقع الى مستقبل أفضل ، وجعل منا كائنا يدأب دائما الى أن تكون حياته المقبلة خيرا من حياته الماضية ولحظاته التى يعيشها ، ولقد قيل : إن الألم لا يدعونا الى الضيق ، وإنما يجعلنا نفهم أن قيمة الحياة فى ارتباطها بالأخلاق ، وأن الاخلاق كفاح وصبر وتضحية ، ومن هنا كان الألم فى نظر الدين - ابتلاء - لمدى صبر الانسان فى كفاحه للانتصار على الجانب الاسفل منه وهو جانب الغريزة والمادة .

لقد سلبت منا هذه الهرطقات الالحادية المتمثلة فى الوجودية وما لف لفها ، شهامة الانسان المكافح ولا منجاة لنا إلا أن نفر الى الله ، فلم يكن الدين إلا رحمة حين جعل حياتنا باسمة للمستقبل ولم يكن ذلك خداعا وإلا لما كان صادقا حين رسم العمل طريقا للأمل ، ورحم الله شاعر المهجر ايليا أبا ماضى حين يقول :

إنى لأزهو بالفتى وأحبه        يهوى الحياة مشقة وصعابا

ويضوع عطرا كلما شد الأسى     بيديه يعرك قلبه الوثابا

ويسيل ماء إن حواه فدفد       وإذا طواه الليل شع شهابا

وإذا العواصف حجبت وجه السما   جدل العواصف للسما أسبابا

وإذا تقوض صرح آمال بنى         أملا جديدا من رجاء خابا

فابن الكواكب كل أفق أفقه      وابن الضراغم ليس يعدم بابا

اشترك في نشرتنا البريدية