فلقة

Share

مع ذكريات الصفر تعريب الاستاذ ( ابن سلع )

كنا في صباح كل يوم نمر من امام اصطبلات ضباط وزارة الحربية الواقعة خلف " جامع السوق " في ضوضاء العصافير وجلبتهم. وكان الكتاب يبعد عن هنا قليلا، ويتكون من بناء بسيط تحيط به جدر اربعة قليلة الارتفاع، تضم أشجاراً باسقة من شجر " أبو فروة " لها ظل مديد.

وكنا عند ما نتخطى الباب الاول الى ساحة المدرسة ندرك وجود الشيخ فى الكتاب بنظرة بسيطة الى مكان " الشلبى ".

- اجاء الشلبى؟ - لم يأت بعد وكان الشلبى علماً على حمار الشيخ الاسود العنود. وكان هذا الحمار مثلنا يقدم الى الكتاب فى الصباح الباكر ويبقى فيه حتى المساء، يقضى هذا الوقت الممل فى أكل الحشائش التى كنا نأتيه بها من بيوتنا فى ظل الشجر صيفا وفي مكان ضيق من البناء شتاءاً.

وكان تعهد شؤون هذا الحمار وتقديم الأكل له من الامتيازات الخاصة التى كان يضن بها الشيخ ولا يمنحها الا للتلميذ المجتهد صاحب الحظوة عنده.

ويتوصل الى الكتاب من درج ضيق امام الباب الخارجي، وعندما تدخل الكتاب يصادفك مكتب الشيخ وفرقه شئ غريب يشبه البندقية في منظره الأسود الغليظ وهو الفلقة!..

وكنا لا نتجاوز الاربعين تلميذاً بعد أن فصلوا منا الطالبات قبل اشهر ونقلوهن الى مكان آخر. وكنا لا نعرف شيئا من نظام الفصول، ونقرأ الهجاء وجزء عم والأرقام والاناشيد بفم واحد ونعجز عن القراءة فرادى، وكان سير الدروس عندنا على وتيرة واحدة.

وكان الشيخ أبيض اللحية طويل القامة عصبى المزاج، دأبه صيفا وشتاءاً الجلوس مشمرا عن الذراعين عارى القدمين، كأنه على استعداد للوضوء.

وكان " عريفنا " شاباً يبيع لنا الحمص والحلاوة والخروب، ويذهب للآذان في مسجد السوق ثم يقوم بكنس المسجد فلذا كان لا يعود الينا بعد الظهر.

ومنذ قدمت من قريتي كنت اواظب على هذا الكتاب ولكنى ما كنت أفهم من دروسه شيئا، فلذا كنت اختلط بزملائى وأرفع صوتى عالياً بدون ان أفهم ما أقول.

وكنت أجد لذة عظيمة فى مسك الفلقة فلذا كنت اهرول إلى الأخذ بطرفها فى كل مرة. ولكن فاجأنا بالزيارة فى أحد الايام رجل طويل القامة أسمر اللون حليق اللحية يرتدي الملابس الافرنجية عبوس الوجه، وما قيل ان سعادة القائمقام قادم حتى ارتجفنا فرقا.

عند ما دخل القائقام كنا وقوفا حسب أمر الشيخ ولكن ما لبث ان اشار القائمقام بحركة من رأسه طالبا منا الجلوس فجلسنا. وبعد أن القى علينا نظرات فاحصه حاول أن يختبر بعض التلاميذ ولكنه قطب جبينه وبدت علائم الغضب على جبينه عند ما علم بانا لا نستطيع القراءة فرادى وبدون نغم.

وبعد ان اطرق قليلا وهو يهز رأسه حول وجهه الى طرف مكتب الشيخ وجعل يتأمل الفلقة السوداء ذات الجلد الغليظ تأملا شديدا حتى انى خلته يرى.

الفلقة لأول مرة فى حياته، ثم تحول الى طرف الباب خارجاً بدون أن يسلم ولكنه قال:

- أيها الاستاذ تفضل معنا قليلا الى الخارج. فخرج الشيخ ترتعد فرائصه ومشى معهم حتى ساحة الكتاب حيث تكلموا معه بكلام لم ندره ولكنا لم نشاهد الفلقة فى مكانها فى اليوم الثاني.

وسرت هناك اشاعة في الكتاب بان الضرب ممنوع وبان القائمقام أمر برفع الفلقة فاهتبلناها فرحة وشرعنا في مشاغبة الشيخ حتى اضطر أخيرا الى إخراجها فى أحد الأيام ولكن لم يعلقها فى مكانها بل جعل يخفيها تحت الحشيه التى كان يجلس عليها بعد أن ينتقم منا أشد انتقام.

اتذكر جيداً بانه كنا على قلب رجل واحد لا يشتكى منا أحد رفيقه ولا يخبر عما صنعه مهما كلفه ذلك.

ففي ذات يوم اتفقنا على ان نتثاءب جميعاً فلم نكد نفعل حتى تناءب الاستاذ ثم استغرق في نوم عميق، فعمد أحدنا إلى علبة النشوق الموضوعة على مكتب الشيخ وأخذ منها كمية واقرة وزعها على عموم التلاميذ، فلم يكد الاستاذ يسمع أصوات العطاس ترتفع عالية من كل جانب حتى انتبه مذعوراً، ولكنه أدرك كل شئ عندما رأي علبة النشوق خالية أمامه فصاح بصوت منكر.

- من فعل هذا؟ فاجبناه على لسان واحد وبنغم. - لا ندرى لا ندرى. - سأضعكم جميعاً في الفلقة. - لا ندرى لا ندرى. - وهل لا يخبرنى ولا تلميذ منكم؟! - لا ندري حتى نخبر لا ندري حتى نخبر. - لا تدرون!!! نجيب! اذهب الى المسجد وادع العريف. ولم تمض خمس دقائق الا وكان الشيخ والعريف يتناوبان الضرب فكلما تعب

أحدهما اعطى الآخر حتى ضربنا عن آخرنا. وأصبح الاستاذ بعد هذا يعد العطاس والتثاؤب جرماً لا يغتفر، ومسكين ذلك التلميذ الذي يصاب بزكام أو يعطس ويتثاؤب بدون ارادة منه فكان يقول له أنت تحتقرنى!! ثم يرمى به الى الأرض ويضربه ضربا موجعا. ومن سوء حظي كثيراً ما كان بنتابنى العطاس والتثاؤب، ولقد ضربت من اجل ذلك مراراً. وكان الشيخ عند ما يضرب أحدنا يلقى بنفسه في المقعد ثم يضرب بمجموع يده على المكتب بشدة قائلا:

بائن ان لم اضرب كل من يعطس منكم حتى الموت .... بائن ان لم اضرب كل من يعطس منكم حتى الموت.              (يتبع)

اشترك في نشرتنا البريدية