الصحيفة ؟ . . وعى وطنى ، ثم فكرة ، فرغبة ، فمال ، وجهود ، واخلاص ، وعزم واصرار ، وتتابع فبقاء . .
المادة الصحفية ؟ . . عبرة - وعبرة - صدق وحقيقة - ضعف فقوة - سهر ودموع ، يأس ورجاء , فشل أو نجاح ، وبقدر وعى كاتبها ، ومرونته الفكرية ووطنيته - واتساع مداركه ومعرفته وحبه لامته ، تبقى صحيفته رائدة ، وشعلته وهاجة ، تضئ مسالك التائهين في دروب الحياة عبر الزمن . . وسلام على صحيفة ، اذا كان مراهق يكتب مادتها ، أو يهيمن على معناها . . ( محمد سعيد )
س ١ ) حدثنى يا اخى عبد العزيز عن التعريف الشامل لمعنى الادب ؟ ج١ ( إذا أردنا الاجابة على هذا السؤال فان الامر يحتاج الى استعراض الادب العربى منذ القدم وهذا ما لا نستطيع تحقيقه في هذه الاحابة القصيرة اذ الامر يحتاج إلى أسفار .
والمستعرض لتاريخ الادب العربى يظهر منه بنتيجة هي مكانته الكبيرة واثره البالغ فى نجاح الامة وسعادتها وليس ادل على ذلك من قول أحد الحكماء ان المحافظة على اللغة وما فيها من ثمار العقل والقلب اساس يبني عليه الشعب وحدته وشرفه وفخره فاذا حرم منها أى من آدابه وعلومه الجليلة الموروثة فقد قطع عليه سياق تقاليده الادبية واللغوية وقد حرم قوام خصائصه ونظام وحدته وقد مات موتا لا يقدر على احيائه اى طبيب . . ؟ !
اذن الادب هو شمس الروح وشعاع النفس ونضيج العواطف يتأثر بما ينال من تطور
الحياة وتغير الناس وتقلب الزمن . ويحسن بنا ان نستشهد هنا بقول الشاعر العربى :
تعلمتم من منطق الشيخ يعرب اينا فصرتم معربين ذوى نفر
وكنتم قديما ما لكم غير عجمة كلام وكنتم كالبهائم فى القفر والادب الرفيع من بعد ذلك كله صلة المرء بربه ينفى الاذى عن لسانه ويذهب الغل عن قلبه هكذا قال الحكماء . واننى هنا اقول لذين يخافون ضياع ادبنا العربى ما سبق ان قاله قبلى من سئل مثل هذا السؤال : ان الله قد ضمن لنا نحن العرب بقاء البيان ببقاء القرآن وهو القائل ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) .
س ( عهدتك كاتبا اجتماعيا - ومن خيرة المواطنين - وكانت لك جولات صحفية فى مجلة الجزيرة فى عهدها السابق . . فهل لى ان اعرف - كيف يتم المعنى الكامل لواجبات الصحفى الجدير ؟
ج ( اعيد هنا ملخص ما سبق ان نشرته حول هذا الموضوع فى احدى المناسبات : يمثل الصحافى الشعب لا في مطالبه كما هى بل في مطالبه كما يجب ان تكون . من هنا اربعة شروط للجريدة :
الشرط الاول : الشعور بأنها رسالة اكثر منها مهنة . لم نقل انها رسالة وليست مهنة لا ، وانما كلتيهما معا على اننى اميل لاحدد معنى الرسالة بالذات فان اصطدمت الرسالة بالمهنة وجب وقوف صاحبها الى جانب الرسالة ولو اضطر إلى اقفال الجريدة . ذلك لان الرسالة ان هى ابقت الجريدة ابقتها جريدة ، أى اداة نور واصلاح اما المهنة فان ابقت الجريدة أبقتها فخا لصيد القرش : من هنا نعلم انه اذا كانت المهن جميعها تتطلب شرفا اكبر شرفا يبلغ حدود التضحية : إذا آثر السياسي مغنم المهنة على غبطة الرسالة جعل الحكم متجرا . واذا فضل الجندى سلامة المهنة على لذة الخطر
الذى فى الرسالة عمل من الجندية يدا ممدودة الى كيس العدو وقضى على بلاده .
واذا مال القاضى الى المادة . . . جعل الدين وهو اشرف شئ في الوجود اكبر خديعة فى الوجود . . واذا وقع الصحافى فى تجارب المهنة القائمة على نشدان الدخل بواسطة بيع الضمير ، عبث بمجد الرسالة التى لا تغنى الا عن مد اليد ، فانه انما يترك صناعة خلق الامم الى كيمياء السحرة تلك التى تقرشن المبادىء وتحول لذة امتشاق السيوف الى التغرغر بالجاه وجمع العقارات أجل لان السياسة والجندية والقضاء والصحافة اكثر المهن تعرضا لعروض الشارين والبائعين ، فانها هى جميعها انما تتطلب اكثر من اية مهنة رجالا من معدن غير عادى شعارهم ابتغاء وجه الله لا وجه الدينار .
الشرط الثاني : التكيف بالاصلاح . ومن أجل ذلك التحلى بميزتين :
المعرفة ، والشجاعة : فالصحافى ، كعارف يقدم للحاكم والشعب ما لا يعرفه الحاكم والشعب وهو كشجاع ، لا يمالى لا الحاكم ولا الشعب .
الشرط الثالث : التصرف بتواضع النصوح ، اذ الصحافى مفتش ليس الا ( ١ ) ، يعرف انه ليس الحاكم
( ١ ) - لا اعتقد أن ذلك صحيحا . حقا ، والا لاعطينا الآخرين فهما بأن الصحافى والمخبر السرى صنوان . . الصحافة اسمى من هذا المعنى - وهي سلطة مطلقة للفكر - لا تخضع الا للدين والا للضمير - فرق ان يكون مفتشا يشرف على اعمال الآخرين وبين أن يكون باحثا لتمهيد سبل الآخرين فى الزمن . .
انه مجرد مساعد ، يفزع الحاكم الى رأيه كل ساح لا يأتمر بأمره ولكن توقعا لسماع الحقيقة . على الصحافى اذن ان يجهد فى التفتيش عن الحقيقة وعرضها على الحاكم وعلى الحاكم ان يحولها الى انظمة وتحقيقات .
" الصحافى كثان باعتبار ان الحاكم او الشعب هو الاول انما له بذلك مهنة متواضعة المظهر ولكن باهظة التأثير ما من مصلح نجح بدون معاونين .
الشرط الرابع : التكوين الفنى ، والفنى (( المقالة )) كجزء هى الشعلة ، والصحيفة ككل هى الحسناء ، حاملة الشعلة رب حيز صغير ف زاوية فطن انه وضع لملء الفراغ ، يمهد لنفاذ المقال الضخم الى القلوب . وويل لمصلح ينشر مقالاته فى صحيفة لا ينضح منها الشرف ولا ترفل بالنظافة ( في معنييها ) كل عمود من اعمدتها ، بل كل استهلال ، بل كل توزيع بارع ، او صورة قوية او رصانة فى عنوان ذى حجم .
أجل من الترسل فى سبيل خلق عالم الى التفنن حتى في بساطة المظهر ، انما تقوم بمهنة هى اشرف شئ اذ هى وحدها التى تتصل بالعقول ، كل يوم تخلقها خلفا جديدا .
ان الصحافة ! وبدونها لا مجتمع وهي ليست فقط مكونة الرأى العام بل انها هى الرأى العام . .
س ) هناك فئة من الكتاب لا تعى عن قدسية الحرف شيئا بقدر ما تحاول جاهدة فى نقل سطور من كتاب - وتذيلها بالاسم الكريم . . فهل لى ان اعرف رأيك فى هذه الفئة التى تشوه سمعة ادبنا وبلادنا ؟ ج ) هؤلاء البحث فى موضوعهم اعتبره
غير وارد لانهم لا يستحقون البحث والمسئولية فى نظرى هنا تقع على الدولة اذ يجب عليها الا تعطى قيادة رسالة الصحافة الا لمن هو في مستواها اذ غرابيل الصحافة فى هذا الزمن قد اتسعت ثقوبها حتى اصبحت تنفذ منها الاحجار والاشجار . . . ؟ ! . . ( ٢ )
فى سطور : ١ - كان الفصل ربيعا من عام ١٣٤٨ ه ، عندما ولدته أمه فى مدينة الزلفى التى تبعد عن الغاط الشمالية الغربية ، بحوالى خمسين كيلو مترا ، من الجهة الشمالية الغربية ، وعن الرياض حوالى ( ٣٠٠ ) كلم من الناحية الشمالية الغربية ، والتى تقع بين جبال اليمامة ( طويق ) المشهور . .
( ٢ ) ان حتمية الظروف التى أوجدت لدينا للصحافة مؤسساتها - هى التى تفرض علينا وجود معهد للدراسات الصحفية ، اذ من العبث أن يتجاوز أحدنا هذه الحقيقة . . ولكن هذا المعهد فى جامعة الرياض أو الجامعة الاهلية أو حتى على حسابنا - نموله - ونقرر مواده ، بما يكفل لنا وللكثيرين من الهواة العابثين بالحرف والكلمة - تفهم رسالة الصحافة التى شرحتها فى مقابلة لى مع الاستاذ عبد الله بن خميس وفي هذا الباب - فطالعها تجدها هناك . وعلينا لا على العولة ان لا نسند بابا يحرره أو يشرف عليه مراهق وحاقد لاننا عندما نرفع بيانا باسم هذا العابث لجهة عليا - فأنما نطنب في قدرته وصفاته ومثله العليا - فالمسألة ضمير ولا شئ سواه . . فما دخل الدولة بعد هذا فى الامر ؟ لسنا من رأيك وان كنت احترمه تماما كما ترى . .
٢ - ينحدر من أصلاب و ترائب - قبيلة الدواسر العربية ، وعشيرتها الاقربين ( آل عويمر ) من ( الوداعين ) . . كان والده فلاحا من فلاحى (( الغاط )) . يحرث أرضه . ويشكر ربه . وكان ابنه اديبنا اليوم يبذل جهده فى مساعدة والده ، فيأخذ عنه محراثه وفأسه . ويشمر عن ساعد الجد والكد . فيشق ترعا ، ويعمل للارض أصلاحها وعاشا معا فى رغد من العيش . وفى الارض هناك خلف تل كانت كتاتيب ، لتهجئة الحرف العربى فادخله والدها الى احدها - فعرف الحرف وكتبه - ووعى آيات الله البينات ، فسر والده ذلك ودعا له بالتوفيق ، ومات . .
فأنتقلت أعباء أسرته ولقمتها الى جهده وسعيه في الحياة وآلت تركة المزرعة اليه - فبذل جهوده ومعها عبراته : وحرثها فأخرجت له الأرض ، من بقلها وقثائها وبصلها وعنبها ورطبها الجنى وكانت جهود فردية ، ودار الزمن بأحداثه ، وخوى وفاضه - وقلت ذات اليد . ونضب ما كان يدخره من صبابة من الزاد ومات الزرع - وجف الضرع - فبكى . . فهجر قريته وأرضه بحثا عن اللقمة - وطالت أسفاره وتجواله وزادت حيرته فى دنياه . وذرف كل عبراته - وجهد فى معرفة معنى الحياة وأخيرا القى عصا تسياره في منطقة (( الموسم )) فى الحدود الجنوبية للمملكة . المتاخمة لليمن . كجندى في خفر السواحل - ففطن على انه قادر فى ان يذود عن الحمى اعداءه - فانتقل الى الجيش السعودية المظفر . كاتبا يحمل قلمه و كأنه
هدفع يميت أعداء الوطن وكان ذلك في ١٠-١٠-٧٠ ، ومكث ما شاء الله له أن يمكن حتى نقلت خسماته الى حقله الزراعي في وزارة الزراعة دررياض في عام ٧٦ ، أمينا المستوداتها العامة فوعى سر الحياة وادرك حقائقها وذبذباتها - فترفع الى وظيفة مدير ادارة مصلحة الاحصاء مرة اخرى
وعندما أصبحت مجلة الجزيرة في عهدها السابق واقعا ملموسا ، أسندت اليه ادارة تحريرها فامتشق يراعته ، ومهد للآخرين سبلهم - ولكن كهرباء الرياض كانت في أمس الحاجة الى خدماته فأعيرت خدماته من الاحصاء لها ، ليعمل محاميا ومراقبا . . وعندما أسست مصلحة مياه الرياض نقلت خدماته اليها كمدير للتفتيش . . ولا يزال على رأس العمل فيها . .
وما ان قامت مؤسسة الجزيرة للصحافة والنشر حتى أصبح عضوا فيها ، وسكرتيرا الجمعيتها العمومية ، وعضوا في لجنة الاشراف على تحرير جريدتها ، وسكرتيرا للجانها الفرعية ومديرا لادارة مؤسستها ، وكان ان مثلها في مؤتمر القمة العربى الثانى كندوب لها . .
تلك قصة حياته أوحزتها . . تحياتى لآمالك . وتقديرى لعصاميتك وجهودك . . يا أخي عبد العزيز الربيعى .

