فى رمال الربع الخالي، مدينة بائدة وبحيرة ماء، على قمة جبل

Share

كانت رمال الربع الخالي ولا تزال موضع العناية من محبى الكشف والارتياد ومحل اهتمام الرحالة الاوربيين . وكان آخر هؤلاء الرواد هو صاحب هذه الرحله ( رموندا وشا ) الانجليزى  وقد جاء الى شمال عمان كمراقب في مركز من مراكز الطيران أيام الحرب الاخيرة .

وفي أثناء اقامته بعمان الف كتابا سماه ( الرمل ملوك عمان )  فى مائتين وثلاث صفحات متوسطة الحجم وبه عدد من الصور عن عمان ، وينقسم الكتاب الى أربعة أقسام :

الأول عن ( رأس الخيمة )  وفيه أربعة فصول . والثاني عن ( الحروب الصحراوية ) وليه اربعة فصول كذلك . والثالث عن ( ساحل القرصان )  وفيه خمسة فصول. والرابع عن ( الربع الخالي ) وفيه خمسة فصول أيضا .

وامتع فصول هذا الكتاب وأظرفها هو الفصل السابع عشر الذي يصف فيه المؤلف رحلته فى المناطق المجهولة من الربع الخالي واكتشافه ( للمدينه المفقودة )

قال ما ملخصه :

منذ سنوات وأنا أتمنى أن تساعدني الظروف فأقوم برحلة فى الربع الخالى  وكنت كلما قرأت كتابا أو رحلة عن هذه الجهات تجددت رغبتى وازداد شوقى وتاقت نفسي اليها..

وأخيرا - ومن حسن المصادقات عرض على عمل فى مركز من مراكز الطيران بالمنطقة المتهادنة (١) من عمان الشمالية ، فلم أتردد لحظة واحدة فى قبول هذا العمل الجديد وترك منصبى بلندن ورضيت بان اترك الحياة الناعمة الهنيئه فى لندن وأتحمل شظفها فى مقر عملى الجديد بعمان واتحمل حرارة رمالها المتقدة اجابة لنداء رغباتى وتنفيذا للفكرة التى بقيت أمدا طويلا ابحث لها الطريق الذي يوصلني الى انجازها.

وبعد وصولى الى ساحل عمان جعلت مشروع الرحلة فى الربع الخالي نصب عيني وفي مقدمة أعمالى ، وأخذت اتحين الفرصة المناسبة واهتبل الوقت الملائم لذلك . وفى هذه الأثناء قرأت لضابط من ضباط القوة الجوية الملكية البريطانية تقريرا مسهبا عن رحلة قام بها - بحكم وظيفته - فوق رمال الربع الخالي - وعن مشاهداته ، وقد أوجد هذا التقرير فى حماسا زائدا ونشاطا بالغ الحد للفكرة وتنفيذها . ثم اجتمعت بالضابط صاحب التقرير وقص على - ذات ليلة - قصة رحلته وكان يشرحها بخريطة من خرائط وزارة الطيران .

وعند نقطة ( المحارض ) وسط منطقة الرمال اشار فى الخريطة باصبعه قائلا : ( لا حظت هنا جبلا كأن على قمته آثار بلدة بائدة ، وللتاكد من ذلك نزلت بطئرتى الى ارتفاع خمسة آلاف قدم ، وتثبت من وجود اطلال قديمة تشبه الحصون وابراج مرتفعة على رأس ذلك الجبل .

ثم حددنا موضع هذه البلدة البائدة - فكانت على بعد عشرين ميلا تقريبا جنوب صحراء ( ليوة ؟ ) وبين خط طول ٢٢ و ٢٤ - وعرض ٥٢ - و ٥١

بعد هذه المقدمات الاولية فى مشروع الرحلة فكرت فى الوقت المناسب ولم أجد خيرا من أيام اجازتى القصيرة التى لا تزيد عن اربعة عشر يوما فى نهاية الشهر

ولما درى صديقى العقيد سكلتز عن اعتزمي القيام بهذه الرحلة ابدى رغبته الا كيدة لمرافقتي - ولحسن حظنا وافقت ايام اجازته أيام اجازتى ، فاخبر رئيسه بما عزم عليه وطلب منه السماح بسيارة من سيارات النقل الكبيرة فأجابه الى طلبه . أما أنا - فمن غرائب المصادقات ان رئيسى الاعلا ومن كنت مضطرا الى الاستئذان منه نقل فى تلك الايام من منصبه بعمان الى منصب آخر بالكويت ، وتأخر خلفه عن الوصول الينا ، فانتهزت خلو المركز من الرئيس الاعلا وصممت على انجاز المشروع .

وكانت الخطوة الثانية : كمهلة ( ١ )  المعدات اللازمة ، والبحث عن خريث ماهر . أما المعدات فقد هيا لنا اكثرها تاجر هندوكى كان متعهدا بتموين مركزنا ، ولم يبق غير الدليل ، وليس من الحكمة الاقدام على مغامرة كهذه بدون دليل ماهر وبينا نحن فى البحث جاءنا احد مشايخ العجمان الشيخ راشد وانقذنا من المشكلة بان قدم لنا خريتا ما هرا من بني مرة ، ورجلا اخر من المناصير خبيرا بتعقب الأثر ؛ وبدويين من رجال خاصته ، ثم توج الشيخ اياديه البيضاء فقدم لنا اثنتى عشرة ناقة من كرائم الابل قائلا (  ان رحلة كالتى أزمعتم  القيام بها ادا كانت بالسيارات فهى رحلة انتحارية او رحلة خيالية ) . وتاكدنا من قوله جيدا عندما شاهدنا المناطق الصحراوية وكثافة رمالها التى التى لا تدع لاى عربة - مهما كان نوعها - مجالا للسير فيها ..

واتفقنا مع ثلاثة من رجال المركز احدهم ( ابن سالم )  والأخر ( محمد بن

هادي )  وهما جنديان والثالث ( سليمان )  وكان سواقا ومهندسا ميكانيكيا ليكونوا معنا كمرافقين لنا .

بدء الرحلة . فى اليوم العاشر من شهر ابريل سنة ١٩٤٥ م تحركنا من ( الشارقة )  نحو نقطة ( البريمي )  فى سير سريع خال من أى حادث يستحق الذكر  أو منظر يلفت النظر أو شئ يستوقف المشاعر ، وكان رفاقى هم سكلتز والسواق وابن سالم وابن هادى ، اما بقية القوم فقد قدمناهم على الابل واتفقنا معهم على أن ينتظرونا فى ( النميرية ) وهي آخر حد تتمكن السيارة من الوصول اليه وبعد فترة استراحة قصيرة فى منطقة ( البريمي ) استأنفنا السير على طريق القوافل الوعر وقبل افول الشمس وصلنا قرية اسمها ( البحيران )  جنوب وادى ( تليف ؟)  وكانت تبدو مهجورة الأمن بعض بيوت للبدو ، وبها عدد من الآبار .اؤها عذب ، ملانا منه ما معنا من الاوعية للماء ، ولم نشا ان نبيت تلك الليلة فى القرية بل استحسنا أن نتقدم ، وبعد ان قطعنا مسافة تقارب خمسة أميال وصلنا الى ارض مخضرة باشجار اليم ( كذا )  والقتاد ، اجتمع راينا على المبيت بها فنصبنا الخيام وحططنا ارحال والاثقال ، وبعد تناول العشاء وشرب الشاي والقهوة مضى كل منا الى فراشه ، ومن الصباح الباكر بعد أن تناولنا  فطورا سريعا سلكنا جادة كانها كانت طريقا للقوافل وبعد سير طويل دخلنا واديا غفلا لم  نتمكن فيه من رؤية أى أثر للطريق لكثرة شجيراته وحصياته وخرجنا عن الجادة دون أن نشعر وعندما تأكدنا من اننا تنكبنا الطريق اضطررنا إلى أضاعة ساعتين من وقتنا الثمين فى البحث عنه حتى عثرنا ، ولم نصل نقطة ( لنميرية ) الا فى القائلة .

اجتمعنا باصحبنا أهل الابل وكانوا فى انتظارنا عند بئر من الابار وفى أثناء نقل لامتعة الى ظهور الأبل تناولنا الغداء ثم قمت بجولة قصيرة حول الخيام والبقطت صورا لبعض مناظر ( النميرية  ) وما حولها من منازل العرب ، وبينا نحن تستعد ونتهيا للرحيل وقف بالقرب منا جمع من البدو وكانوا يحملقون الينا فى دهشه وغرابة ؛ فتقدم اليهم احد رفاقنا وأخبرهم أننا نريد التوغل

فى رمال الربع الخالى .. . وما سمعوا منه هذا الا وأغرقوا فى الضحك والقهقهة ثم انصرفوا الاشيخا منهم كبير السن  بقى ينظر الى السيارة نظر من لم يرها من قبل تم التفت الينا ورفع يده وأرسلها فى الهواء بقوة وقال مستهزئا بفكرتنا :  كأنهم مجانين !

مجانين او عقلاء ، لقد وطدنا العزم على مواصلة السير دون أدنى تردد وبمجرد ما انتهى زملأؤنا العرب من صلاة الظهر ومن التضرع الى الله أن يحفظنا فى هذه الرحلة من كل سوء ويقينا فى الاراضى المجهولة التى أمامنا كل شر ؛ امتطينا اكوار النياق واندفعنا الى الامام ، وقد ودعنا السواق الذي عاد بالسيارة الى الشارقة بنوع من الضرر ليكونه لم يكن ضمن أعضاء هذه البعثه الشاقه تركنا طريق القوافل ذات اليمين وجنحنا ذات اليسار نطفي الابل (١)  فوق الابقاء والأقواز ، وبعد خمس ساعات من سيرنا الهادى الرسل وصلنا ارضا تعرف باسم ( ضافرة )  وهي سهل فياح لا أثر فيه للماء ولا يرى فيه غير جبال من الرمل او شجيرات من التنضب مبعثرة هنا وهناك . نزلنا فى هذه الأرض التى قدرنا بعدها عن نقطة ( البريمي ) بمائة ميل جنوبا ونصبنا خيامنا تحت كتيب من الرمل وتركنا الابل تلتقط  (٢ ) وبعد  أن أخذت قسطا من الراحة صعدت مع صديقى سكلتز الى قمة ربوة عالية لمشاهدة منظر اختفاء قرص الشمس وراء دائرة الافق - كانت الصحراء تمتد الى حيث ينتهى النظر ، ونري الانسان نفسه كانه فى مركز تلك الدائرة الرملية العظيمة ، لقد كان منظرا جذابا خلايا ولا سيما للرجل الاوربي الذي لا يتسنى له وهو فى بلاده . ان يمتع عينيه برؤية أمثال هذه المناظر البديعا الأخاذة .

كانت السحب في السماء كانها اغلام ذهبية اللون قر مزية الاطراف ترفرف نحو الغرب.

البقية " فى العدد التالي "

اشترك في نشرتنا البريدية