فى شهر رجب :, الاسراء، والمعراج

Share

كلما اهل علينا شهر رجب الحرام نتذكر فضل الله العظيم على نبينا محمد خاتم النبيين وواسطة عقد المرسلين إذ خصصه الله بنعمتى الاسراء والمعراج وعلمه ما لم يكن يعلم وكان فضل الله عليه عظيما .

الاسراء - رحلة قدسية ارضية بدايتها المسجد الحرام ونهايتها المسجد الاقصى، وهما مسجدان مقدسان مهبطان للوحى ومعهدان للنبوة التى كانت ولا تزال مصدر سعادة الكون وهدايته وهنائه .

المعراج - رحلة سماوية قدسية بدايتها المسجد الاقصى الى السموات العلى ومنها الى سدرة المنتهى، للمستوى الاعلى حيث دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، فسمع صرير الاقلام وناجاه الرب العظيم وفرض عليه الصلوات وأمده بالأنوار والنفحات .

وتتلخص رحلة الاسراء فى سرى النبى صلى الله عليه وسلم ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى على البراق وكان معه جبريل وميكائيل فاخذوا سمت الطريق الى المدينة . الى مدين ، الى طور سيناء حيث كلم الله موسى بن عمران عليه السلام الى بيت لحم ، حيث ولد المسيح عليه السلام ثم انتهوا الى بيت المقدس ، وقد اطلعه الله أثناء ذلك السرى على أمثلة من عالم الاسرار والمثال ضربت لأنواع شتى من الحكم والحقائق التى ينتهى اليها ما يجرى فى عالم الظاهر من شئون العباد ، وكان عليه السلام يسال جبربل عن مغازيها فيكشف له سرها ، ولما وصل النبى صلى الله عليه وسلم الى بيت المقدس ازدهر بمقدمه الميمون حفل الانبياء والمرسلين فصلى بهم اماما ، وفى ذلك يقول امير الشعراء :

أسرى بك الله ليلا اذ ملائكة          والرسل فى المسجد الاقصى على قدم

لما خطرت به التفوا بسيدهم           كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم

صلى وراءك منهم كل ذى خطر       ومن يفز بحبيب الله يأتم

وتتخلص رحلة المعراج فى صعوده عليه الصلاة والسلام الى السموات السبع يدخلها واحدة واحدة حتى بلغ السابعة وفي كل سماء يلقي واحدا أو اثنين من اعلام الانبياء والمرسلين فلقي فى الاولى آدم وفى الثانية يحيى وعيسى وفي الثالثة يوسف وفي الرابعة ادريس وفي الخامسة هرون وفي السادسة موسى وفى السابعة ابراهيم عليهم الصلاة والسلام، حتى انتهى الى سدرة المنتهى ، ثم الى مستوى سمع فيه صرير الاقلام، ثم قربه الله وأدناه وناجاه ، وفرض عليه خمسين صلاة ، ثم اشار عليه موسى بمراجعة ربه وسؤاله التخفيف ، ويحط الله تعالى عنه منها حتى بلغت خمسا فى العدد ولكنها خمسون فى الاجر والثواب فامضى أمر ربه ورضى وسلم ، وفى ذلك يقول امير الشعراء :

جبت السموات او ما فوقهن على         منورة درية اللجم

مشيئة الخالق البارى وصنعته               وقدرة الله فوق الشك والتهم

حتى بلغت سماء لا يطار لها                على جناح ولا يسعى على قدم

وقيل كل رسول عند رتبته                 ويا محمد هذا العرش فاستلم

ولقد اخبرنا النبى صلى الله عليه وسلم بنبأ اسرائه ومعراجه فبين أنه لم يبلغ ذلك بقوته ولكنه أضاف ذلك الى الرب القاهر الذى هو على كل شئ قدير، ومعلوم أن قدرة المخلوق مهما عظمت فهي محدودة، وأما قدرة الخالق فهي مطلقة عظيمة لا يعجزها حد لأنه أقام سنن الوجود على سنن الحق فلا يمازجها باطل او كذب وهو العزيز الحكيم المنزه عن العبث والاهمال فى شئون الوجود فلا يدع الكاذب يفترى ويظهر مظهر الصادق المبعوث منه حقا بل لابد أن يكشف تلبيس المفترى حتى تكون عاقبته الفشل وليكون عبرة وتبصرة ، كما قال تعالى: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق) على هذا مضت سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا .

وقد نزه الله سبحانه نفسه عن العجز فيما يريد تنفيذه من شؤون الكون فقال: (سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله) وبين حكمة الاسراء فقال:(لنريه من آياتنا) وهى إطلاع الرسول على عجائب القدس وآيات الملكوت ثم توعد تعالى الجاحدين الذين لم يعطوا شأن الرسول حقه من الانصاف والتامل فأنذرهم بانه يسمع ويرى محصيا عليهم ما يصدر منهم من المعارضة والعناد فقل: (إنه هو السميع البصير) فقد بينت الآية الكريمة الاسراء الذي هو عنوان لحوادث تلك الليلة العظيمة واعتبر المعراج نهاية لتلك الحوادث الكبرى فطوى ذكره هنا ليذكره بخصوصه مفصلا فى فاتحة سورة (النجم) وفى الاحاديث الصحيحة الثابتة لأن الاسراء والمعراج وقعا متصلين معا فى ليلة واحدة يقظة بروحه وجسده صلى الله عليه وسلم ، وذلك لأن الله تعالى بقول: (سبحان الذى اسرى بعبده) والعبد اسم لمجموع الجسد والروح، وقال تعالى: (ما كذب الفؤاد ما رأى) وقال تعالى :(مازاغ البصر وما طغي) وقال تعالى : (ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أوادنى) وقال تعالى:(أفتما رونه على ما يرى) وقال تعالى: (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) . فانظر متأملا كيف وقع التعبير فى هذه الآيات بالرؤية وعدم طغيان البصر والتدلى والدنو ، مما يدل على أن الاسراء والمعراج حقيقتان ثابتتان فى اليقظة لا فى المنام ولو كانا منامين ما كان فيهما عجب ولا غرابة، ولا كان هناك مجال للتكذيب ، ولما افتنن بهما ناس من ضعفاء الايمان، فارتدوا على اعقابهم كافرين، ولذا قال تعالى :(وما جعلنا الرؤيا التى اريناك الا فتنة للناس): وما روى عن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها مما يوهم انكار ذلك فقد أجيب عنه بأن فى الأسناد انقطاعا، وبأنه صلى الله عليه وسلم لم يدخل بها الا بعد الاسراء والمعراج فكان قولها اجتهادا ، وبأن غيرها مثبت، والمثبت مقدم على النافى ، وبأن رواية الجمع مقدمة على رواية الفرد، وكذا ماروى فى حديث شريك ، فقد أجاب عنه المحدثون ، بأن شريكا وهم فيه مع مخالفته لسائر الروايات الثابتة .

وختاما فهذه قصيدني : (تحية للاسراء والمعراج) :

قبس من ضوء خير العالمين             شع فى افق الهدى للناظرين

فاستقبان الحق ارباب النهى            وبه صاروا هداة مهتدين

ملؤوا الآفاق علما وهدى              ومضوا فيها غزاة فاتحين

وغدا الظلم صريعا خاسئا            عندما اسرف عدل الراشدين

روضة القرآن ضاف ظلها            وجناها قددنا للقاطفين

فتحت ابوابها زاهية                   فادخلوها بسلام آمنين

يابنى الاسلام سعيا نجتني             حكمة الدين واشراق اليقين

ندرس القرآن والسنة من             هدى نور الكون يس الآمين

جل من اسرى به سبحانه          من حمى البيت مع الروح الامين

شهد الاسرار فى ذاك السرى      وأتى الاقصى فأم المرسلين

فسل المحراب عنه ساجدا          فى حصا يغبطه الدر الثمين

وسل المعراج عنه راقيا             فوق هام المجد وضاء الجبين

قد سما للمستوى الاعلى الى       قاب قوسين بعزم لا يلين

خاطب الله وأدناه فكم            نال من فضل وتاييد مكين

هذه الآيات يسمو سرها          تنشر الحكمة من اسمح دين

معجزات خالدات نورها           تشرف الدنيا به فى كل حين

اعرض الجهال عنها فعموا        ويحهم لما تولوا معرضين

ليت شعري هل دروا أن السنا    قد فرى الظلماء بالنور المبين

يا بني الاسلام سعيا للعلى         إنكم جند امام المرسلين

فانهضوا للجد حقا وخذوا         راية العلم بدارا باليمين

قوموا الاخلاق وارعوا حقها       وانصروا الدين وحيوا المصلحين

واقبلوا مني ثناء عاطرا             كاريج الزهر او كالياسمين

ودعاء كلما رتلته                 قالت الدنيا ومن فيها : أمين

وصلاة الله تغشى المصطفى       وعلى الآل وصحب أجمعين

اشترك في نشرتنا البريدية