فأما ان الحج رياضة سامية للروح،فذلك جلي في تلبية الحاج التى يجأر بها ليل نهار طلبا لرضا مولاه وعفوه وكرمه . والحاج في رحلة حجه الممتعة متبتل دائما، ومبتهل دائما ، فهو يلبى نداء الله من أعماق جنانه ومن أغوار لسانه . . والله وحده لا شريك له ، له الملك جميعا ، وله الحمد والنعمة جميعا . وهو مصدر الخير والنجاح: ( لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، ان الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك ) .
والحاج (في حجه) من واجبه أن يصمم على نبذ الفسوق ، وكل الاعمال والأقوال التى تنافي تعاليم الاسلام ، وكل المبادئ الهدامة التى تخالف مبادئ الاسلام .
و((الحاج )) في حجه عليه أن يشعر بأنه ((فرد)) مهم الشخصية والكيان ، من (( مجتمع )) راق ، متضامن ، متآزر على الخير والاصلاح، متحد في الشعور والأهداف ، واحد في المبادىء والعقيدة والغايات . . يطفح قلبه بشرا وتفاؤلا ، ومحبة عميقة مخلصة لأخوته المسلمين جميعا ، وتطفح نفسه الأبية ، لهم بالتضحية في دفع غوائل الشرور والاخطار عن بلادهم مهما تكن تلك الشرور والاخطار
نائية أو دانية ، وأيا كان مصدرها ، ولا فرق عنده بين أسود المؤمنين وأبيضهم ، ولا بين أحمرهم وأصفرهم ، كلهم في نظره أخوة أشقاء ، يسره ما يسرهم ، ويؤلمه ما يؤلمهم،وهو يمتثل ويتمثل في قرارة نفسه حيالهم بحرارة وعمق واخلاص قوله تعالى في المسلمين: ( رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا ) . .
والحاج -انطلاقا من هذه العقيدة السامية- يروض نفسه وعقله ولسانه دائما على مزاولة جلب أسباب الخير والتقدم لأخوته المؤمنين وازالة أسباب الخطر المحدق بهم وبأوطانهم خاصة اذا كانت مقدسة : - بيت المقدس وفلسطين العربية المسلمة - فهو يتحاور ويتذاكر ويتباحث بجدية واهتمام ، وفي سرية وانتظام مع أخوته الحجاج كلما تسنى له ولهم الاجتماع - يتحاورون في اتخاذ الاسباب التى توصلهم لدفع الخطر عنهم وازالة أسبابه ، وهو وهم يعملون بجدية على تنفيذ ما توصل اليه هو واخوانه في مؤتمرهم الاسلامى الكبير من كلا المحو والاثبات . . ويقوم بذلك مخلصا لأنه يشعر في قرارة نفسه بأن ما يصيب أخوته من شر أو خير يصيبه أيضا . .وهذا هو
معنى (( التضامن الاسلامى )) المنشود في أوج سماته وفي معارج قسماته .
وأما ان الحج رياضة للجسد،فذلك واضح في نهوض الحاج بتحركات واسعة مطردة متوالية ، بين المشاعر ، بل منذ يغادر منزله في موطنه ، بأقصى الارض أو أدناها ، الى حين يعود اليه ، بعد أن يكون بلغ مرامه ، وأكمل حجه ، وزار المسجد النبوى الشريف ، وسلم على الرسول المصطفى من خلق الله صلوات الله وسلامه عليه .
والحاج يقوم برياضة التنقل السريع المنشار اليه آنفا ( بدءا ) من منزله الى مكة ، فمنى، فمزدلفة ، فعرفة . و ( عودا ) من عرفة ، الى مزدلفة ، فمنى ، فمكة ، فالمدينة.فبلاده.
وهو خلال قيامه بالحج يقوم به متجردا من كل مظاهر الأبهة ، فيتجرد من المحيط والمخيط ، ويرتدى رداءين أبيضين نقيين بسيطين اعترافا بضآلة شأنه أمام عظمة مولاه الخالق الغفار ، الوهاب الكريم المنان .
والحاج اذ يقوم بذلك كله فانما ينشد السعادة الدنيوية والأخروية لنفسه ولبنى ملته المسلمين أجمعين وهو يتلهف شوقا الى أن يجعل الله حجه مبرورا وسعيه مشكورا وذنبه مغفورا وحياته وحياة أخوته المسلمين حافلة بالنهوض مفعمة بالمسرات،غنية بالخير والخيرات والتوفيق في اطار نضير مشرق من (( التضامن الاسلامى )) الرشيد ، وفي ظل ظليل من التكافل الاجتماعى الحميد .

