" من رأيي الراديو سيزحزح الصحافة من مكانتها كما فعلت الصحافة بالكتاب " الكاتب
ان سمعت لسانا قد من خشب
فهل ترى بعد هذا ينطق الحجر (
) صوت بروما صداه رن في اذني
كأنما هو من فكى منحدر
) وآية جعلت من حجرتى افقا
يرتد منحسرا عن حده البصر (
) صماء لكن تعي ما لا تعي أذن
بكماء من فمها الاخبار تنتشر (
( ثرثارة ان اردت القول ثرثرة
فان اردت اختصارا فهو مختصر
يمتاز العصر بانه عصر السرعة في كل شئ . فالاوضاع الاجتماعية والسياسية والعمرانية جميعها عرضة للاقلاب السريع والتطور المريع ، وهذا بلا شك من نتائج اتساع آفاق المعرفة البشرية فى استخدام مكنونات هذا الكبون الملئ بالعجائب والمدهشات
عاش الناس من قبل هذا العصر اجيالا يتلقون دروس العلم من ) الكتاب ( الذي يؤلفه لهم انس توفروا على دراسة الفن الذي يصنفون فيه . فبقيت ) المعرفة ( محصورة فى طوائف معينة من البشر طيلة تلك الأجيال الغوابر . ثم أراد الله ان يتسع أفق المعرفه الى مدى بعيد فكانت الصحافة حاملة لواء هذا التطور الحديث فى اتساع المعلومات ورق التفكير العام . وهكذا انتشرت الصحافة فى هذا العالم انتشارا قويا زاخرا بمعاني الفخامة والضخامة فكانت النتيجة اللازمة لهذا التضخم ضولة اثر الكتاب فى الاوساط العالمية ، فاودع
الخزائن ووضع على الرفوف للزينة والتباهى فى الغالب والمراجعة فى النادر ، وانهمك الناس فى الاشتراك فى الصحف واشترائها وتفنن القائمون بها فى اساليب الاغراء إلى مطالعتها واقتنائها . وهكذا احتلت الصحافة فى هذا العالم المكانة التى كان الكتاب يحتلها فى العالم السابق . ولكن ما كاد يقر قرارها وترسخ جذورها وتفوح ازاهيرها وتنضر غصونها حتى ولد فى عالم المعرفة مخلوق جديد لم تكثرث له الصحافة بادىء ذي بدء وكانت تخال فى سبيله غير سبيلها ، وما هى الا عدة أعوام على ولادته حتى رأيناه يثب الى منصة الصحافة فيحتلها وصار
يبرهن لنا أخيرا على انه أهل للقيام باعبائها وازيد بصفة اهم واعم واسرح وأروع ، وهذا المخلوق الغريب الطريف هو الراديو وكما قلنا في مبدا هذا المقال : عصرنا هذا عصر السرعة . ولهذا نفسه نرى ان هذا الراديو مع حداثه وجدته فانه سينشر فى العالم انتشارا عظيما ، بما يدخل اليه من تحسينات . فى المظهر والمخبر ، وحينئذ يكون ترجمانا بارعا فى كل بيت ، وصحيفة عالمية فى كل منتدى ، وسيحوى فيما يحويه من المزايا نشر الثقافة على اطراف المعمورة ، وسيحمل لواء المعرفة العامة والخاصة ، وستجد فيه الشعوب الحل الوحيد لمشكلة
ينشر الثقافة العامة ، فاسلوب هذا المعلم اسلوب سهل فى غاية من السهولة ، وفي مستطاع كل امرئ آن يتفهمه ، ومستقبل الأمم على الراديو اقبال الظماء على الماء وحينئذ تشعر الصحافة بما لحقها من الصدوف المبين والاعراض البادى . ويؤول أمرها فى النهاية - مهما تفننت في مقاومة هذا الوليد الجديد - الى ان تعود الى الاقتناع بسكنى الزوايا والرفوف والخزائن وفق صنيعها هى مع ) الكتاب ( فى عهد مضى وسيزداد الراديو انتشارا وسيزداد اقبال الامم عليه حينما تصل به التحسينات الى آن يوجد بجانب فمه المنطبق بكل لغات العالم عينان تبصران انحاء العالم التلفزيون ( . ويدان تسجلان ما ينطق به ذلك الفم المهروت ، وهاتان العينان الحادتان .
ونقول ان الراديو سيزحزح الصحافة عن مكانتها كما فعلت الصحافة بالكتاب لأن طريقة نشره للاخبار والعلوم أسرع واخف مؤنة واكثر جاذبية من الصحافة .
وهذه الأسباب مجتمعة هي التى دعت الأمم الى استبدال الكتاب بالصحافة ، فهى التى اذن ستكون السبب في استبدال الصحافة بالراديو . وان من يسمع من البشر اكثر عددا ممن يقرأ مهما اتخذت الوسائل فى ابادة الامية بنشر مبادئ القراءة والكتابة . والسماع اخف وأسهل من القراءة على كل حال خصوصا بالنسبة للرجل الكثير الأعمال المكدود الذهن المتعب النظر والمنهوك القوى . واستنطاق الراديو لا تكلفك الا مجرد ادارة لولب خشبى بسيط وبمجرد قيامك بهذه الحركة حالة كونك متكئا على فراشك الوثير وآخذا من الراحة القسط الوفير
تسمع انباء العالم جديدة ) طازجة ( لم يمر عليها دقائق عديدة وساعات معدودة كما تسمع ما تشتهي من محاضرات علمية وأدبية وصحية وعمرانية واقتصادية الخ وفق ما تميل اليه نفسك في تلك اللحظة ، واذا الفيت نفسك تتسرب اليها السامة فأدر اللولب نفسه ادارة بسيطة ينقلب الراديو الناطق الى خزانة صامتة مائلة امامك لا حراك فيها ولا نطق . وهكذا دواليك .
