في ربوع غامد

Share

تمهيد (*)

الانسان بطبعه يحب الرحلات ، فالقلب يستجم والنظر يتمتع ، والنفس تترفه ، وهذا بالاضافة الى ما يكسبه الانسان فى رحلته من معرفة الاخبار ، ومعرفة الآثار وفهم الطبائع والعادات . وصدق من قال :

تنقل فلذات الهوى فى التنقل

ورد كل صاف لا نقف عند منهل

ففي الأرض احباب وفيها مناهل

فلا تبك من ذكرى حبيب ومنزل

وكنت لا أحسب لهذه الرحلة حسابا ولم أضرب لها موعدا ، جاءت هكذا كان الزمن يريد منحى اجازة عن التعب واللغوب وطريق مكة جدة الذى اذرعه يوميا ذهابا وايابا فالعمل فى مدينة والمسبكن فى اخرى ، وكان الموعد عطلة عيد الاضحى المبارك حيث ذهبت نحو تلك الربوع الحبيبة من بلادى الغالية ، قابلت فيها اخوة وتعارفت مع أحبة ، وشاهدت معالم زكية ، وعدت وقد امتلأت نفسى بهجة وحققت أمنية عزيزة طالما راودتني عدة مرات كلما سمعت عن تلك الديار . توجهت اليها لأرى بعينى مناظرها الجميلة ، وأعيش مع أهلها لأسمع اللهجة العربية العريقة والطبع المثالي الأصيل ، انها منطقة قطعة من اصالة الماضى

وغرة ناصعة فى الحاضر ، وأحببت أن اعرض أمام قراء مجلة المنهل الاماثل شريطا استطلاعيا عن هذه الرحلة واذهب معهم الى تلك الجبال الشاهقة ، ونقف معا على تلك الروابي الخضر ، والأودية النضرة وأشرح لهم ما شاهدت وما لمست من تقاليد وعادات وسأترك الجانب التاريخي للمنطقة لعدم تمكنى من دراسته بالمعنى الصحيح ، واكتفى برأى سعادة الامير الاديب سعود بن عبد الرحمن السديرى أمير منطقة الباحة عندما قال فى مجلسه العامر : ((ان مسؤولية التاريخ لهذه المنطقة تقع على ابنائها فهم أعرف بأحداثها ووقائعها وأسواقها ، ويجب ان يكون المؤرخ على جانب رفيع من الامانة الصادقة والاخلاص لسرد الأحداث ، ولا تؤثر عليه المؤثرات القبلية والتحيزات التى تشوه معالم التاريخ . . ))أقول : أترك هذا الجانب لأنظر الى زاوية الاحساس والمشاعر التى يحس بها كل مواطن نطأ قدماه تلك الديار : مشاعر بعيدة عن المؤثرات والمبالغات تصدر من انسان لا يرجى من ورائه الا كل خير ومحبة لدياره وأرضه وعشيرته.

بداية الرحلة :

أخذ الخال العزيز (( الشريف راجح بن ناصر )) الساكن بمدينة بلجرش حاليا ، يلح على بضرورة زيارته والاستمتاع بتلك الحياة الجميلة التى أنعم الله بها على تلك الديار فلما حانت فرصة العطلة وأخذ كل انسان يفكر في الذهاب الى خارج وطنه بحثا عن الراحة والاستجمام لم أجد أفضل من الذهاب الى سراة غامد وزهران لأجد الأنس عند أهل الأنس ، والكرم عند اهل الكرم ، ولأرى

جمال الطبيعة ، ولأشم نسيم الحياة الصافي من كل كدر ، وبحثت عن الرفيق العارف والدليل الهادى لمعالم هذه الطريق فلم أجد الا مجلة المنهل التى سبق ان ذهبت الى هناك فى شخص شيخنا الكبير الرحالة عبد القدوس الانصارى فكانت هى دليلي الذى يخبرنى عن كل منعطف ومرتفع حتى وصلت مدينة بلجرشى . سارت بنا السيارة فى منتصف نهار يوم الاربعاء سابع ذي الحجة ١٣٩٠ ه وكنت مع اخوة من اهل تلك المنطقة تلطفوا بقطع الطريق بما جادت به ذكرياتهم من حكايات ونوادر لا تخلو من المداعية وكانت السيارة مكتظة بالركاب ،

ولكن النفوس خفيفة ما يتمالك الاجسادارهاق وجهد الا ويفئؤونه (*) بأنس وحديث شيق ويروضونها بطيب الكلام ، وكأني بالقارئ يقول : ماذا رأيت ؟ أفصح ! طريق ممهد مرصوف ، والبعض مطوع مرغوب ، فلا تنتهي من جسور عظيمة مرتفعة على بطون الأودية الا وتسلك طريقا آخر منحوتا ، حتى تساوى السهل مع الصعب من الجبال وفي الطريق ماذا ترى العين ؟ ! ترى مناظر رائعة جميلة . . فهذه جبال شاهقة وقد ارتدت أجمل كسوة أنعم الله بها عليها من خضرة يانعة وأعشاب متنوعة زاهية يضوء عبيقها من مسافات بعيدة بأزكى رائحة وأعطر عبير ،

وتلك أودية منبسطة يتسرب الماء على جنباتها يمنة ويسرة يزيدها روعة على روعة ويحيى أرضها بعد موتها ويزهو ثمرها ويلهم طيرها أحلى الانغام ، وعلى الروابي ترى الرعاة ذكورا واناثا يسيرون خلف أنعامهم يدلونها على الكلأ وخيرات الأرض العديدة ، انها الجبلة الجميلة المحافظة ، تراهم بزيهم العربي الأصيل الذى يذكر بالعصور السالفة وما كان عليه العربى من مظهر وخشونة فى

الملبس والمأكل ، بعكس هذا العصر المترف الذي غزا فيه تعدد الملابس البيئة العربية. هناك على قمم السراة لا ترى الا الطابع الذى كان عليه اسلافنا فليدم الله هذه النعمة .

مدينة الضباب

وافق وقت ذهابى الى تلك الربوع أوائل برج الدلو ويعتبر وسط فصل الشتاء ، حيث قد وصلنا مدينة الباحة الساعة الواحدة ليلا بالتوقيت الغروبى.

تقع الباحة على مرتفع شاهق من جبال السراة وتعتبر هي عاصمة المنطقة لوجود الامارة ومعظم الدوائر الحكومية المهمة فيها ، ويظهر لمن يشاهد معالمها انها حديثة العهد ، وقد فضلها سعادة الأمير لوقوعها بين قرى غامد وزهران التابعة لامارته اداريا وقضائيا وقد نشطت الحركة الاقتصادية والتجارية فيها بفضل اهتمام أميرها الشاب ثم بفضل تذليل الطرق وتسهيلها امام الوافد اليها والمسافر منها .

ولها في هذا العهد الفيصلي الزاهر المستقبل العظيم ان شاء الله . وكان الضباب وقت وصولنا اليها مطللا المدينة حتى انه ليحجب الرؤية بعض الاحيان ، وتبادر الى ذهنى اسم المدينة الاوربية الكبيرة التى اقترن اسمها بالضباب وكلما سمع شخص عنها أخذ يهرش رأسه ويحك علباءه ويقول : نعم هى لندن مدينة الضباب ، ولم ير هذه المنطقة الغالية فى مملكتنا السعيدة وضبابها الجميل الذى يزيد الجسم نشاطا وحيوية ، وقلت من قلبي : ان الباحة هي مدينة الضباب وأكملنا سيرنا تجاه مدينة بلجرشى لمدينة الثانية ، ولم أر الاودية التى تقع عليها قرى عديدة لتشابك الظلام ومساهمة لضباب في ذلك اعظم.

بعد ساعة وصلنا نهاية المطاف باسبه لرحلتي القصيرة . وكان البرد شديد بصاحبه زخات من المطر زادت الطقس برودة . وقضينا تلك الليلة نصارع البرد الجديد علينا نحن اهل تهامة . وفى الصباح الباكر تنفست الحياة مع الصبح الجميل وبان للحياة وجه سعيد ورواب جميلة وحقول محضرة يانعة أنستنا جهد السفر وتعبه فهبطنا ومعنا مضيفنا الكريم الى سوق المدينة وشاهدنا هناك كل جديد يصل الى هذه الساحة ، يباع بأزهد الأثمان كأنك لم تكن . هد الايمان لا ت ثم يحس فى جبال وعرة ، بعيدا عن المدن الكبرى واسعارها المعتدلة.

سوق بلجرشي تقام يوم السبت من كل أسبوع ، ويوجد في هذه السوق كل شىء كما قلت آنفا : الاغنام والجمال والبقر والحبوب والسمن والعسل والفواكه على اختلاف أنواعها ، والزبيب واللوز . والعجيب فى هذه السوق هو التصنيف كما يقول علماء الإدارة العامة . . وذلك بجعل كل نوع مع الآخر فى مكان معروف موحد من السوق ليسهل الذهاب اليه ، وقد سررت للغاية حال محافظة هذه المنطقة على هذا التقليد العربى الموروث.

الكرم العربى

اشتهر أهل هذه المنطقة واعنى بها جبال السروات قاطبة بالكرم والشجاعة والحمية ، فالضيف له المكانة المرموقة ما دام حالا فى ربوعهم . ولم تتأثر المنطقة بعيوب الحضارة التى منها عدم معرفة حقوق الجار حتى لا يعرف الجار جاره . وامتازوا بتقدير الجار واكرامه واحترامه فى كل ناد وكل مناسبة . ولعمري هذه هى الشيمة الاسلامية الحميدة وبعض من تمثلت فيه هذه الخصال الحميدة وكان سببا فى اطلاعى على كثير من القرى

وما كان يمر يوم الا ورأيت منه السباق إلى المكارم حيث يحضر لى سيارته (( الجيب)) ويذهب بى الى قرى وأودية عديدة لأرى المعالم والحصون المتناثرة عند كل منعطف وذلكم هو الشيخ أحمد بن عبد الله بن ضيف الله الغامدى امام جامع بلجرشى وخطيبه . والرجل على مستوى رفيع من الأخلاق والمثالية يمتاز بغيرته على الاسلام .

وله رحلات عديدة الى القرى المجاورة لمدينة بالجرشى ، ومعه اخوة له فى الدين والدم والعشيرة فى سبيل التوعية الاسلامية وايضاح ما خفي على الناس من امور دينهم . ولفضيلته رحلات احرى الى باكستان والهند للغرض النبيل نفسه وقد حقق فى هذه الرحلات القصد الذى ذهب من أجله من هداية الناس وايصال كلمة الحق من جزيرة العرب ومهبط الوحي : (( المملكة العربية السعودية ))

إلى الهند وباكستان ، كان - وفقه الله - لطيف العشر لا يمل محدثه من حديثه ينقلك من باب إلى آخر وعن علم الى علم ، وقد شرح لى تقاليد تلك المنطقة بكل وضوح . وفى كل مرة يقول لى : اننا نحمد الله ونشكره على هذا العيد السعودى الذى عشنا فيه بامن واستقرار ، انظر إلى هذه الحصون التى هى أمامك ! انها كانت ملجأ ومكانا يترقب فيه اهل الحصن قدوم عدو يتربص بهم ، وهذا العدو منهم ، من القبيلة نفسها . . كانت القبائل لا تعيش آمنة لما يحصل بينها من حروب وغارات وسفك دماء بدون مبرر . . أما اليوم فلا ترى أحدا يذهب الى هذه البروج لشمول الأمن والاستقرار وانصراف كل انسان الى عمله : الى حقله أو تجارته ، انها نعمة عظيمة من الله يجب ذكرها وتسجيلها للتاريخ والموعظة ، ولتطلع الأجبال المقبلة على تاريخها ، ولتميز بين الماضى بآلامه

ومساكه . والحاضر يتصورهوا واماله وم كل شئ . ومجمل القول : ان هذه القبائل قد حافظت على تقاليدها العربية وخصالها الحميدة : كالكرم والشجاعة . واتمنى ان تتاح الفرصة لكثير من مواطنين ليقدموا الى هذه الديار وليروا بأعينهم الحقيقة الوضيئة

جماعة الاخوان

قال لى الشيخ احمد : توجد هنا جماعة من الاخوان تعنى ببث التوعية الاسلامية بين القبائل والذهاب الى اسواقهم وقراهم والاجتماع بهم وشرح مسائل الدين الاسلامى لهم وما يتعلق بعبادتهم من صلاة وزكاة وايمان وصوم . . بعض الناس عنا يجهل ما أوجب الله عليه من شرائع . وعلى رأس هؤلاء الأخوان الشيخ محمد بن على جماح.

وقد انتظم سمط هؤلاء الأخوة تحت شعار واحد : حب العقيدة السلسية ووجوب بث التوعية الاسلامية وانقاذ اخوانهم من ظلمة الجهل الى نور العلم حسب النهج القويم وعلى طريقة السلف الصالح ، وقد انشأت هذه الجماعة مدرسة سميت بالمدرسة السلفية تعنى بالعلوم الشرعية وتوزيع الكتب المطبوعة الممتازة بالايجاز والوضوح لشرح المقصد من تعاليم الدين الاسلامي وذلك على نفقة المحسنين وتجد هذه الجماعة كل معاضدة ومساندة من الحكومة والهيئات الدينية،

( ولم أحظ بالاجتماع بواحد منهم الا الشيخ أحمد نفسه لذهاب بعضهم الى الحجول لقضاء بعضهم عيد الاضحى عند اهلهم وذويهم فى قراهم ) وقد عزمت هذه الجماعة التى جمع الله شملها على التقوى على انشاء مكتبة عامة اهلية للمواطنين لتتاح الفرصة لمن لم يطلع على الكتب الدينية فينهل منها ينابيع الخير

والمعرفة والهداية . . وقد اطلقوا سجم ( مكتبة التوعية الإسلامية ) وتقع فى هب المدينة . وقد جمعت لها الأموال اللازمة والكتب الثمينة . . واننى باسمهم أهيب بكل فاعل خير ان يقدم لهذه المكتبة ما يقدر عليه من كتب ومساعدة حتى تؤدى خدمتها على الوجه المطلوب واخص بالذكر والتقدير رابطة العالم الاسلامى والعلماء الافاضل وذلك بمد يد العون لهم وتزويدهم بالكتب الدينية التى تسهم فى بث التوعية الدينية فى هذه القرى المترامية .

الدوائر الحكومية

توجد فى مدينة بلجرشى دوائر حكومية متعددة ذات اختصاصات متنوعة ، منها مركز الامارة والشرطة ومصلحة الضمان الاجتماعى ومدارس ابتدائية للبنين والبنات ومعهد علمي ومدرسة ثانوية للبنين ، ومكتب للبرق والبريد والهاتف وللجوازات والجنسية ويوجد فرع للبنك التجارى الاهلي ، وفي القريب العاجل سيفتتح سعادة الأمير سعود بن عبد الرحمن السديرى أكبر مستشفى فى المنطقة فى مدينة بلجر شئ . انه على مستوى المستشفيات الكبرى بمدن المملكة ( * ) وتوجد ببلجرشى ادارات اخرى ، والحركة التجارية عنا متزنة ، فالاسعار لم تؤثر عليها

وعوزة الطرق وبعد المنطقة . وهذا فضل من الله ثم من اهتمامات حكومة ( الفيصل ) البانى التى لا تألو جهدا في توفير وسائل الراحة للمواطنين.

ويوجد فى مدينة بالجرشى كما هو الحال فى الباحة محطة وطنية للكهرباء تستمر في الانارة من غروب الشمس حتى طلوعها فى اليوم التالي ، وهذه قفزة رائعة تخطوها هذه المنطقة نحو الحياة الفضلى والمثلى.

اللاسلكى ببالجر شى

في طريقي يوم العيد الى مكتب الامارة لتهنئة امير مدينة بلجرشى الشيخ محمد بن سلطان سمعت المخابرة اللاسلكية مواصلة عملها وحركاتها دائبة فصعدت الى مكتب البرق والبريد لأرى اولئك الذين يقطعون أنسهم وأفراحهم في أيام العيد ، ليرابطوا خلف الاجهزة الفنية لخدمة الوطن والمواطنين فوقع نظرى على المراقب الاستاذ نائف عائض القثامى وهو يؤدى عمله ، وبجانبه زملاؤه فى المكتب ، وعلى رأسهم الشيخ على بن عبد الرحمن الغامدى . والملاحظ أن الوسيلة الهامة للاتصال بخارج المنطقة هي اللاسلكى وذلك لتأخر وصول البريد الى القرى فما بصلها فى الاسبوع الا مرة واحدة والخطوط الهاتفية مقتصرة على المدينتين وبداخلهما(***) ومن هذا كانت كثرة أعمال اللاسلكى هنا ، سدد الله خطى العاملين.

تقاليدهم فى العيد

تزدان مجالس الناس هنا بالفرش الجميلة ومعظمها . الزل )) التمين . والارائك. المربحة ، وكل صاحب دار يهتم بابراز منزله بالمظهر اللائق ، ليستقبل فيه الزواروالمهنثين إذا جنس الزائر هى غرفة الاستقبال وتسمى (المجال) يجد فى زاوية الغرفه

صفيحة نظيفة كبيرة مملوءة بالتمر من افخر انواعه . ويتوسطها وعاء فيه سمن بقر نظيف ، يقدم للزائر فاكهة المعايدة وتعبيرا صادقا للكرم العربى المطبوع بطابع المحبة والاخلاص فى تقديم أغلى ما يملك المزور.

وفي صحن كبير يسمى (( التبسى)) (****) توضع صحون صغيرة مملوءة باللوزواالزبيب والحلويات واكثر اهتمامهم باللوز والزبيب لوجودهما بكثرة فى هذه البلاد المعطاء ويقدمون كذلك فواكه متنوعة وتتخللها القهوة العربية والاحاديث الشيفة . ويطبق اهل المنطقة الهدف الحقيقى المنشود من وراء الأضحية خير تطبيق فهم لا يعتبرونها وجبة غذائية يجتمع عليها البعيد والقريب مثلها كمثل الوليمة بل يقسمونها كما نصت عليه احاديث الرسول (ص) وهكذا يأكلون منها ويوزعون ويهدون.

لم أذهب الى القرى المجاورة من أجل معرفة تقاليد العيد عندهم لعدم وجود الفرصة الكافية لدي . واعتقد أنها تتفق مع بلجرشى فى كل شىء . . ولم اسمع طيلة ايام العبد هناك قيام حفلات سمر وأفراح كما هو فى بعض قرى المملكة . هو فى بعض قرى الحملة حسى يتسنى لى مشاهدة العابهم ورقصاتهم الحربية لأقارن نيا بما رأيت عند بعض قبائل المملكة

في مجلس الامير

قبل عودتى وصلتنى برقية من سعادة الامير سعود بن عبدالرحمن ، وردا على تهنئتى تسعادته بالعيد ورحب بزيارتى لداره العامرة وقضاء بقية العطلة عنده في الباحة ، ولم يبق على بداية الأعمال سوى يوم واحد ، سعدت فيه بزيارة سعادته فى منزله بالظفير

وهناك فى مجلسه العامركان سعادته يستقبل زواره ومهنئيه من مختلف قرى منطقته التى بسط عليها ادارته الحكيمة وحزمه ونظراته الثاقبة وكانت الابتسامة لا تفارق وجهه ويرحب بالصغير والكبير ، تجده يهتم بالسؤال عن أحوال المواطنين بدقة مما يبرز اهتمامه وحسن رعايته ، يسأل غن دقيق الاخبار وجليلها وعن الحال والمال سؤال الخبير العطوف . . ولم ينس الحديث عن الأدب وروائعه ، وعن التاريخ وطرائفه ،

وبالأخص تاريخ المنطقة . ان الأمير الشاب موسوعة فى كل شىء يلتفت الى محدثه بلباقة الوثق وحصافة المطلع . وهو مؤدب الحديث ، يسمع حتى يكاد يكون هو الوحيد المتفرد بالانصات ، ويناقش حتى يشبع الموضوع بحثا ودلالة .

وبعد جلسة هادئة مفيدة مع سعادته غادرنا مدينة الباحة فى منتصف النهار الى مدينة الطائف فمكة المكرمة .

خاتمة المطاف

بعد هذا الاستطلاع اعود فأقول : كم لهذه المنطقة من تاريخ مجيد مغمور لانعزالها عن الحياة العامة فى المدن الكبرى ووعورة طرقها مما جعل التاريخ يغمض عينيه فترة طويلة عنها حتى جاء هذا العهد الزاهر فنالت حظها الوفير وستنال الحظ الأوفر بحول الله وقوته فتنشط حركة البحث عن تاريخ وتتجه اليها الانظار فهى قطعة عزيزة من بلدنا الغالى . . وقد كنت كلما صعدت السيارة جبلا أو هبطت واديا هتفت من اعماق فلبى : هنيئا لكما يا غامد وبازهران بعهد آل سعود الزاهر وبفيصل العرب والاسلام . والى الامام على الدوام .

( جدة )

اشترك في نشرتنا البريدية