(خصام ونقد ) اسم لكتاب جديد رأيته لاول مرة فى هذا الاسبوع اذ قامت على اصداره اخيرا احدى دور النشر فى بيروت . . ومحتوى هذا الكتاب مقالات تدور حول الادب . . لعميد الادب العربي الدكتور طه حسين وقد قرأت فصولا من هذا الكتاب فاذا به يشتمل على ما سبق ان نشره العميد في صحف مصر منذ بضعة شهور .
وكالعهد بطه حسين ، وآراء طه حسين الادبية . . فان ما جاء فى هذا الكتاب لا يختلف عما يعرفه عنه القراء الادباء سواء فى مصر أم فى أى بلد من بلدان العروبة . . انه كتاب من اخص صفاته " الحيوية " وعندى أن أولى مزايا هذا الكاتب الناقد الكبير هى : " الحيوية "
الحيوية . . ثم اضيف اليها الاخلاص للادب ثم ما شئت ان تضمه الى هذه الصفات من مزايا قلما تتوافر لغيره من اساطين الكتاب المعاصرين . .
وليس من مهمة هذا الباب ان يعلق اكثر مما يتسع له مجال القراء . . فلنترك التعليق الوافي اذن لمجال آخر مجال الكتابة الوصفية والنقدية . . ولننظر ما أمكن الى ما يقوله طه حسين نفسه في بعض فصول كتابه هذا الجديد في فصل عنوانه " محنة الادب "
وتصور طه حسين عندما يريد ان يكتب لك عن محنة الادب - فى هذا الفصل يقول العميد :
حياتنا الادبية فيما يظهر من امرها راكدة خامدة ما فى ذلك شك فقد اصبحت الكتب القيمه نادرة . . يمر العام دون ان يظهر منها كتاب واحد فضلا عن كتابين او ثلاثة كتب والصحف اليومية والاسبوعية لاتكاد تحفل بالادب ، وقد تمر الاسابيع وقد تمر الشهور دون ان نقرأ فى صحيفة يومية او اسبوعية فصلا ادبيا ذا بال والمجلات الشهرية تعنى بلون من الادب يسير لا يكلف كاتبه عناء طويلا ولا يكلف قارئه جهدا ثقيلا ويستحب فيما
تنشر المجلات الشهرية من فصول هذا الادب ان تكون هذه الفصول قصارا ، وان تكون لغتها يسيرة سهلة وان تكون موضوعاتها ايسر واسهل من لغتها . . فنحن قوم مترفون ! لا نريد ان نشق على انفسنا حين نكتب ولا نريد ان نشق على انفسنا حين نقرأ ، واحب شئ الينا ان نقرأ المقال ثم ننساه . . الخ "
هكذا يصور لنا طه حسين بعض مظاهر ما اسماه " محنة الادب " وهي مظاهر اصبحت ملوسة ، يحسها كل اديب اصيل . . غير ان تصويرها بمثل هذه العبارات الحية على سهولتها
ويسرها اظن انه لم يسبق لاى كاتب من المعاصرين
والغريب ان ما يشكو منه طه حسين فى مصر . . يشكو منه الكتاب جميعا فى كل مكان . . حتى الكتاب الاوربيون
انها ظاهرة ادبية عجيبة او هي كما سماها طه حسين محنة أدبية ، ثم انها محنة قاسية مريرة ما في ذلك شك ، فما هى عواملها يا ترى ؛
نترك الجواب عن ذلك للادباء والباحثين . .
ولنلق نظرة اخرى الى كتاب خصام ونقد " لنرى طه حسين كيف يتحدث الينا فى مقاله الذي جعل عنوانه " الادب والحياة " عن هذا الاتجاه الجديد لدى بعض الادباء في البلاد العربية واعنى به اتجاه الداعين الى ان يكون الادب في سبيل الحياة . .
انه اتجاه يدعو اليه دعاة كثيرون فى مختلف انحاء العالم ، انه اتجاه من اتجاهات مابعد الحرب . . وما اكثر ما خلقت الحرب العالمية الاخيرة من شتى انواع الاتجاهات . .
فمن فلسفة للوجودية شاعت فى فرنسا . . وهي من اسخف انواع الفلسفات . . الى دعوة اخرى جديدة يسميها اصحابها الممرورون " عدة السلام " . . الى هذا الاتجاه الجديد فى الأدب : الاذب للحياة . . أو الادب في سبيل الحياة . . أو ادب الالتزام كما يقول آخرون . .
يقول دكتور طه حسين بعد ان اطال واسهب في هذا الموضوع على عادته المحببة :
" . . واذن فالذين يقولون يجب ان يكون الادب للحياة ، ويظنون انهم يقولون شيئا جديدا ، لا يقولون فى حقيقة الامر شيئا ، ويخطئون حين يظنون انهم يبتكرون شيئا لم يألفه الناس منذ اقدم العصور ، فكل ادب فى أى من الامم انما هو يصور نوعا من انواع حياتها . . ولونا من الوان شعورها وذوقها وتفكيرها . . وانعكاس صور الحياة فى نفوسها . . واكبر الظن ان الذين يقولون يجب ان يكون الادب للحياة انما يريدون شيئا يحسونه فى اعماق نفوسهم ولكن عقولهم قد لا تحققه . .
أرأيت الى عميد الادب وما يقوله فى هذا الموضوع ، موضوع الادب فى سبيل الحياة ؟ !
فما اكثر ما طبل وزمر دعاة هذا الادب الجديد ! حتى أن بعض المجلات الحديثة في مصر وبيروت لا يكاد يخلو عدد من اعدادها الشهرية او الاسبوعية من مقال او اكثر فى الاشادة بهذا الادب ، وهم يظنون انهم يقولون شيئا جديدا كما يشير طه حسين
أجل . . ان كل ادب فى أى أمة من الامم انما هو يصور نوعا من انواع حياتها . . ولونا من الوان شعورها وذوقها وتفكيرها وانعكاس صور الحياة فى نفوسها . . انها حقيقة أولية ما كان اغنى هؤلاء الداعين الى ان يكون الادب في سبيل الحياة تقليدا لبعض تيارات الفكر الغربية ما كان اغناهم عن تجاهل هذه الحقيقة وهم بتجاهلهم هذا ، انما يهدرون الوقت ، ويلفون ويدورون حول لاشئ واخيرا يبحثون في غير موضوع .

