لم تكن المرأة التى بمكتب التخديم هى المرأة التى تذكر أنها التقت بها ( هانى ) وان يكن المكان نفسه لم يتغير ، واللافتة المكتوبة بالأحرف الذهبية المعلقة على واجهة المحل هى هى كذلك ، لقد كان بالمكتب امرأتان ورجل يجلس مستندا الى مقعد خشبى نفس الوضع الذى رأته ( هانى )منذ عشر سنين مضت ، وان تكن المرأة التى تقابل المكتب أصغر سنا وأوفر نشاطا من المرأة البدينة التى تقابلها الآن والتى بدأتها الحديث بقولها : (( أهو أنت مس آن رنير ؟ )) فردت بقولها مستغربة أن تدعوها بهذا الاسم : (( هانى يا سيدتى )) لقد كان اسمها كذلك فيما مضى فقالت لها السيدة ( كورتيل ) : ان اسم ( آن ) هذا جاف فليكن اسمك (هانى) بدل ذلك ، وكانت ( باجى ) ابنتها فى الخامسة آنذاك فنادتها بهذا الاسم الأخير وسرعان ما اصبح هذا اسمها بين كافة الاسرة ، ثم أردفت مديرة مكتب التخديم متسائلة بقولها : (( هل سبق لنا أن توسطنا فى تخديمك)) فردت عليها بقولها : ((نعم يا سيدتى)) فقالت السيدة : سنبحث اذن فى اضباراتنا عما لدينا عنك من معلومات ففتحت (( هانى )) حقيبة يدها واستخرجت منها خطاب توصية كان
السيد ( كورتيل ) قد ناولها أياه قبل سفره بالاسرة هذا الصباح قائلا : (( لك أن تقرئية يا هانى ولكنه ليس مرسلا باسمك . انه تعريف لمن لا يعرف عنك شيئا )) فتناولت منها مديرة المكتب الخطاب ورفعت بصرها اليها متسائلة : (( هل لديك غير هذا الخطاب ؟ )) فقالت ( هانى ) (( لم استخدم لدى أحد غير هؤلاء )) فابتسمت السيدة وقالت : لا غرابة فى ذلك فمكتبنا يحسن الاختيار دائما لزبائننا من طالب الاستخدام ،ولكن هل تسمحين بأطلاعى على بطاقة شخصيتك ؟ ثم نهضت من مقعدها قائلة : أبقى مكانك قليلا الى حين رجوعى لأبحث معك عن الاسرةوالمكان الذى يتناسب معك ، قالت ذلك وخرجت من الغرفة فجلست هانى على أحد الكراسى تنتظر فرأت المرأتين اللتين بالمحل تتهامسسان أما الرجل فقد بقى مكانه صامتا كأنما اعتاد أن يلزم مكانه ذلك من المكتب ..
وضعت ( هانى ) حقيبة يدها فى حضنها ، وأرخت رجليها الى الارض، لقد كانت فتاة فارعة القامة فى السابعة والعشرين من العمر ترتدى بذلة رمادية على بلوزة بيضاء ناصعة، كستنائية الشعر زرقاء العينين ، وكانت لم تبلغ الثامنة عشرة من العمر
عندما أتت الى مكتب التخديم لأول مرة وان كانت حينئذ أملأ جسما مثلها فى ذلك كجميع أفراد عائلتها الذين يبدون ممتلئ الجسم فى مستهل العمر ثم يأخذون فى الهزال. وأصلحت ( هانى ) من وضع حقيبتها وتذكرت ان عليها أن تقوم ببعض الاعمال قبل ان تغلق المنزل ،وتسلم المفاتيح للسيد ( بروكر ) وكيل العقارات ولكن عليها أولا أن تؤمن لها عملا ، لقد كانت تشعر أنها فى حيرة .. ذلك لأن كل شئ مر بها كان بغتة وعلى غير توقع ، فهنالك أولا السيد ( هول ) فقد كانت (هانى) تعد مساء كل أحد قائمة بالملابس المتسخة فيأتى فى اليوم التالى ليأخذ الغسيل ثم يأتى به جاهزا مساء الاربعاء ، وقد دام هذا الترتيب مدة ثلاث سنوات ولم تكن ( هانى ) فى بادىء الامر متأثرة بالسيد هول وهو رجل نحيف فى الثلاثين من العمر تبدو فيه بعض الخشونة عند تناول الغسيل وقد كان يلبث بعض الوقت عندما يأتى به بينما تقوم ( هانى ) بأحصاء القطع المغسولة وابداء ما يعن لها من ملاحظات ، لقد كانت تشعر بميل نحو السيد هول بعد ان اكتشفت انه اذا اتضح لها نقص بعض القطع لا يفتأ يبحث عنها ويفتش حتى يجدها أو يأتى بقطع بدلها ، وقد كان ذلك دأبه فى الاستقامة وحسن المعاملة طوال مدة تعامله معنا ، أما اللبان فقد كان اسمه (( توم )) ومن لا يعرف عن توم واطفاله الثلاثة ؟ والفران ( جورج ) المعروف بادمانه للشراب ، كنت أعرف كل أولئك تماما
الا السيد (( هول )) ذلك فمع أنه معروف أنه رجل متزوج من الخاتم الذهبى العريض الذى يلبسه الا انه لم ينبس قط ببنت شفة عن حياته وأحواله الخاصة وقد استطاعت هانى بعد مشقة وطول اختبار ان تعرف أن هول رجل خجول بالغ الحياء ، وأول مرة تطورت فيها العلاقة المهنية بينها وبينه كانت فى أحد أمسيات الاربعاء القارسة من شهر يناير وقد خرج الاطفال من المنزل وخرجت السيدة كورتيل لزيارة احدى صديقاتها وكان كورتيل لا يزال مسافرا فى مهمة لشركة الزيت التى يعمل بها بمدينة شيكاغو ، وقد كان وجه ( هول ) مزرقا حينذاك عندما دخل بالغسيل وكانت ( هانى )تعمل طعاما شهيا تملأ رائحته الشذية أرجاء المنزل فلم تتمالك بعد أن دفعت له ما يستحق من الاجر أن قالت له : يبدو أن الدم قد جمد فى عروقك من البرد ! فقال هول : حقا اننى أكاد أهلك من البرد ، فقالت (( هانى )) : استرح قليلا لأعمل لك قهوة ساخنة تخفف عنك وطأة البرد القارس ، فتردد هول فى قبول الدعوة ولكن هانيىكانت قد بادرت فوضعت قطعة من الحلوى الشهية التى صنعتها أمامه على الطاولة وأتت اليه بكوب القهوة فلم يرفع هول بصره اليها ولكنه قال بعد فترة من الوقت : (( أشكر لك عطفك يا سيدتى )) وكان ذلك بدء ما بين هول وبينها من صداقة وقد اصبحت عادة فى السيد هول ان يتلكأ كلما أتى بالغسيل ليتناول بعض الحلوى والقهوة الساخنة طوال ايام
الشتاء ، أما فى الصيف فيتناول كأسا من عصير الليمون أو الشاى المثلج،وقد أطلت هانى ذات مرة سرا لتتأكد أن هول بالصالة ، فهتفت (( باجى )) الطفلة صارخة : هانى تحب . هانى تحب ! .. فضحكت السيدة كورتيل وهانى مليا من ذلك ، لقد اصبحت هانى جزءا من العائلة وستظل كذلك الى ما شاء الله ولكنها كانت لم تزل شابة فى مقتبل العمر تفكر أحيانا ككل فتاة فى أن يكون لها زوج مثل ( هول ) أو نحوه ، ومع أنها وهول كانا صديقين حميمين الا أن صداقتهما لم تتجاوز الاجتماع ببعضهما فى مطبخ آل كورتيل ولم يطلب ( هول ) قط من هانى أن تخرج معه للفسحة أو يغمز لها بشئ ما من ذلك القبيل ، وطالما فكرت هانى فى حياة السيد ( هول ) وأحواله ولكنها لم تفكر قط فى أن تسأله فقد تكون زوجه مريضة أو أنه لا يرغب فى الافضاء عن شئ من أحواله لأحد ، لقد كانت هانى تطيل التفكير فى ( هول ) حتى أصبح جزءا من حياتها وقد كان ذلك سبب تكدرها عندما أتى يوم الاثنين رجل غيره لأخذ الغسيل ، فلم تتمالك أن تسأله قائلة : أين السيد هول ؟لعله بخير ؟ فرد الرجل بقوله : (( لست أدرى فهذا أول يوم أباشر فيه العمل)) ونظر الى ( هانى ) نظرة متفحصة ثم خرج بالغسيل فاغلقت هانى الباب وراءه وشعرت فى نفسها بوحشة لا مزيد عليها .
حتى كان أحد أيام الاثنين من شهر مايو فرجعت السيدة كورتيل الى المنزل ومعها السيد كورتيل الذى
رجع من السفر بالقطار ذلك المساء ولم تلبث أن لاحظت هانى أن هنالك شيئا غير عادى ، فقد بدا السيد كورتيل عند تناول طعام الغداء فى هدوء غريب فى أحد الايام وتبين لها من نظرات السيدة كورتيل اليه انها كانت منزعجة ، ولم يبد أن الاطفال قد لاحظوا شيئا حتى انتهى الغداء ،فذهب كل واحد الى شأنه فذهبت (( باجى )) الى أحد الاندية للاشتراك فى عرض احدى المسرحيات ، وذهب (( دافى )) مع (( براد كاراديين )) الى الدور السفلى لعمل نموذج طائرة نفاثة من المعدات التى أحضراها ، أما (( جون )) فقد كان صغيرا لا يتجاوز الثامنة من العمر فلم تكد ( هانى ) تنتهى من غسل الاطباق حتى رأته يذهب رأسا الى فراشه ، وذهب السيد كورتيل الى الدور العلوى ولحقت به السيدة كورتيل على الأثر فكانت أصواتهما تصل الى هانى من آن لآخر فعرفت هانى أن بينهما شيئا من سوء التفاهم والخلاف . وقد رجعت (( باجى )) من النادى فى التاسعة والنصف وكانت هانى بغرفتها المجاورة للمطبخ وقد سمعت صوت (( باجى )) المرح الرنان وصوت زميلها (( تود بور ترز )) الصبيانى اللعوب ، وباب الثلاجة وهو يغلق بشدة مرتين وصعد ( دافى ) و ( براد ) فأخذت (( باجى )) تثرثر اليهما بما جرى فى النادى .
وبعد أن قامت هانى بعملية حسابية عقلية بسيطة عما صرف فى شراء اللبن والخضراوات ولوازم الطبخ ، رجعت الى الخطاب الذى كانت تحرره إلى اختها ( فاران ) على الساحل فقد كان لها ثلاث أخوات وأخوان
اثنان يعمل كل فى جهة ومع انها لم تجتمع بهم من سنوات الا انها لم تقصر فى مواصلتهما بالكتابة كلما أمكنها ذلك .. ولم تكد تنتهى من تحرير الخطاب حتى سمعت باب المطبخ يغلق وشعرت بدافى يصعد الدرج الى مخدعه وفى أثره (( باجى )) وسمعت طرقا على باب غرفتها ففتحت (هانى) الباب لـ ( باجى ) وهى بنت فائقة الجمال فى السادسة عشرة من العمر ذات شعر كستنائى جميل ، كوالدتها وعينين عسليتين ، كأبيها .فجلست على كرسى مهزاز وعيناها تشعان بالثورة والاضطراب ، فنظرت اليها هانى فى حنو وقالت : (( كيف كان العرض الذى شهدته ؟ )) فأجابت وقد احتقن وجهها بالضحك : تود .. تود يا هانى ، هل تعرفينه ؟ لقد كان عليه كما تعلمين أن يقبلنى .. ))
فقالت هانى : (( نعم وماذا حصل ؟ )) فقالت باجى : (( حسنا لقد تردد طويلا فى ذلك فجن جنون السيد تومكنز وصار يهتف به تود .. تود قبلها بحق السماء فاحمر وجه تود خجلا حتى صار كالجوخ فهمست له أنا بقولى: عد نفسك كأنك التقيت بى بالمطبخ فى مرة من المرات ، وأخذ باجى الضحك حتى دمعت عيناها ثم قالت : انتظرى وسترين المشهد بعينيك فيما بعد يا هانى ! ..
لقد كان يدور بخلدى حينئذ انه سيقبلنى فى عنف يحمل الناظر على طردنا سوية من النادى وتقدمت ( باجى ) من هانى واحتضنتها واستندت اليها تطل على الكتاب الذى حررته قائلة : (( الى من تكتبين يا هانى ؟
آه ! أختك فاران أحكى لها بالله عن تود ،ألا تعتقدين أنها مهزلة ستضحك منها كثيرا ؟ قالت ذلك وقفزت خارجة من الغرفة ، فطوت هانى الخطاب وختمته باسمة فى شئ من القلق والتشاؤم ..
ولم ينبس السيد كورتيل بشئ عند تناول طعام الافطار صباح اليوم التالى ، أما السيدة كورتيل فقد لحظت هانى أنها على الرغم من مرحها كان يبدو أنها قضت ليلتها تبكى ، وجاء السيد كورتيل الى المنزل مبكرا ذلك المساء فقال وهو يتناول طعام الغداء : سنعقد اجتماعا عائليا بغرفة الاستقبال بعد الانتهاء من الغداء مباشرة ، فاجتمعوا كلكم هناك حتى هانى . فاعتذرت باجى ودافى ، ولكن السيد كورتيل رد عليهما فى حزم : لقد قلت : كلكم يجب أن تكونوا هنالك ولن يستغرق الاجتماع وقتا طويلا ..
وجلس الكل ينتظر بغرفة الاستقبال عدا السيدة كورتيل فقد كانت ممسكة بابنها (( جونى ))باحدى يديها تمشط شعره باليد الاخرى ، فتنحنح السيد كورتيل وقال : (( لقد نقلتنى الشركة فجعلت مقر عملى فى فنزويلا وسنذهب جميعا لأننى سأكون القائم على مؤسساتها هنالك )) فقال دافى مستغربا : (( الى فنزويلا؟)) وتساءلت ( باجى )قائلة : (( هل علينا كلنا أن نذهب يا أبى ؟ ألا يمكن أن نبقى هنا كالمرة الاولى عندما كنت تشتغل بالبحرية ؟ )) فرد السيد كورتيل قائلا : (( كلا !! لا يمكن ذلك فلست ذاهبا الى هنالك لأقيم شهرا
أو سنة ولكنا سنقيم هنالك سبعة أعوام ، انها ترقية .. ترقية كبرى انها تعنى اننى سأكون عندما أرجع من هنالك للمركز الرئيسى هنا نائب الرئيس على الشركة كلها )) فقال دافى غير مصدق ما يسمع : سبع سنوات ؟! وعادت باجى فسألت والدها بقولها: (( بابا متى سيكون السفر من هنا ؟)) فرد بقوله : صباح الجمعة المقبل وسيكون سفرنا بالطائرة لذا فعليكم أن تأخذوا معكم الأشياء الضرورية فقط التى لاغنى عنها ، أما الأمتعة واللوازم الأخرى فستأتى على أثرنا بالباخرة )) فحمل دافى ونهضت باجى على قدميها هاتفة : الجمعة ؟ ولكن يا أبى هنالك تمثيلية على أن اشترك بها فى المدرسة وتوقفت وحولت نظراتها الى والدتها ثم الى هانى وتساءلت بقولها : (( وهانى ؟ ألا تذهب هانى معنا ؟ )) وقد كانت هانى تدرى ما سيقول السيد كورتيل قبل أن يجيب بقوله : (( كلا !! )) فهتفت باجى تقول : (( ألا يمكن أن أبقى أنا هنا مع هانى ؟ )) فهنالك التمثيلية وغيرها من الاشياء أننا سنبقى بالمنزل الى حين رجوعكم ؟! )) فقال السيد كورتيل فى هدوء : (( سبع سنوات انك ستكونين خلالها قد تخرجت من الجامعة وربما تفكرين فى الزواج وعلاوة على ذلك فنحن لا نرجع الى هذا المنزل اننا سننزل بمنزل اكبر منه بشيكاغو )) وهتف دافى وباجى معا قائلين : أبى ! وأخذت السيدة كورتيل فى البكاء ، مما جعل ابنها جونى يبكى أيضا ، فقال السيد كورتيل : ذلك ما أردت ان اقوله لكم
يا أولادى فاذهبوا الى شأنكم وخذوا معكم جونى لاننى اريد ان اتحدث الى والدتكم وهانى على انفراد ، ولما انفرد السيد كورتيل بهما التفت الى هانى وقال : (( لقد أعدت لى الشركة منزلا كمدير عام لها كامل التأثيث مع ما يلزم له من خدم كما تقضى سياسية الشركة )) وتوقف عن الكلام فقالت هانى : (( فهمت يا سيدى )) فقال السيد كورتيل : (( لقد تكلمت عنك فقيل لى انه لا لزوم لأخذك معنا ، فلا حيلة لى كما ترين ؟! )) فتنهدت السيدة كورتيل ، فتحول اليها السيد كورتيل وقال : كفى بالله عن البكاء والتنهدات ! ان من يراك كذلك يظن أننى قتلت لا أننى ترقيت ))ونظر الى هانى وقال : (( أما هانى فامرأة شابة رصينة )) وعادت السيدة كورنيل الى البكاء والانتحاب ، فقال السيد كورتيل يخاطب هانى : (( أنت وأنا هما الشخصان الواقعيان فى هذه العائلة يا هانى ! . . اننا نعرف أن كل حال لا بد ان تتغير ولا شئ يبقى على حاله فى الحياة . فسيكبر الاطفال وينسون وسيتزوجون ويتنقلون مثلنا وهز رأسه وواصل كلامه لهانى قائلا : (( ان ما سيحصل ليس بيدى ولكن هى الضرورة التى اقتضت ذلك)) قال ذلك وخرج من الغرفة مسرعا .
فنهضت السيدة كورتيل قائلة : آه يا هانى ، كم هو صعب على أن أذهب فى هذه الرحلة الطويلة وأنت وكل معارفى واصدقائى هنا فاحتضنت هانى السيدة كورتيل مواسية لها معبرة لها عن أسفها العميق لهذا الفراق المفاجئ )) ومما كان يؤلم هانى
ويحز فى صدرها عدم رؤية السيد ( هول ) لتجد فيه من يبث فى قلبها بعض الراحة والعزاء وهو الذى له فى قلبها حب وتقدير لا يقلان عما تكنه لآل كورتيل الأعزاء .. !!
وبقيت على اشياء كثيرة على أن أقوم بها فى وقت جد يسير لا يكاد يتسع لها فعلى أن أحزم الصناديق وأعد الحقائب التى ستصطحبها عائلة كورتيل معها فلم تتأخر السيدة كورتيل عن مساعدتى أما ( دافى ) و ( باجى ) فلم يتطوع احد منهما لمساعدتى فقد قضى دافى وقت فراغه كله مع ( براد ) بالدور السفلى من المنزل ، وبقيت ( باجى ) تتنقل فى المنزل من مكان لآخر قلقة النفس مشغولة البال بدروسها وألعابها المدرسية التى ستضطر بالسفر إلى تركها ، أما ( جونى ) فدائم العويل والبكاء لا يفهم شيئا مما يدور حوله، لقد جاء الغسال الجديد بالغسيل مساء الاربعاء يغنى ويصفر كعادته فأعلمته (( هانى )) أن العائلة ليست فى حاجة لخدماته لأنها ستسافر صباح الجمعة المقبل ..
لقد نامت العائلة فى ساعة مبكرة الليلة الماضية ، وقد أيقظت ( باجى ) هذا الصباح (( هانى )) من نومها ولما تبزغ الشمس بعد وقالت لها : (( تأكدى من تود أنه لا يقطع كتابته عنى ، واكتبى الى أنت يا هانى كلما سنحت لك الفرصة بذلك )) وقال ( دافى ) بعد أن تناول فطوره : (( أخبرى براد يا هانى أن فى امكانه أن يستولى وحده على المصنع الذى كنا نتولى العمل به معا فى المنزل
وأخبرينى بما يعمله اذا امكنك ،وان كنت فى شك من انه يستطيع وحده ان يقوم بعمل ما )) وقد سرد السيد كورتيل أوامره الاخيرة على مسامع هانى قائلا : لا تعجلى فقد كلمت السيد بروكر أن يؤجر المنزل أو يبيعه كما يريد بأثاثه أو بدون الأثاث ، وبالمناسبة فلك أنت مطلق الحرية فى أن تأخذى منه ما تريدين ، اختارى منه أى شئ يعجبك .. أى شئ ..
وفى الصباح المبكر من يوم الجمعة وقفت سيارة الاجرة الصغيرة أمام المنزل فبكت السيدة كورتيل وابنتها ( باجى ) كثيرا واعتنقتا ( هانى ) آسفتين لفراقها ، ثم ناول السيد كورتيل هانى خطاب التوصية وسارت بهم السيارة تنهب الارض نهبا ،ولم يعتم عمال شركة البواخر أن جاؤوا على الأثر فحملوا الصناديق والامتعة ثم جلست هانى فكتبت قائمة بكل ما عليها أن تعمله قبل ان تغلق المنزل وتسلم المفاتيح للسيد بروكر ثم ارتدت بذلتها الرمادية وذهبت الى مكتب التخديم ..
وأتت المديرة بعد غياب قصير فابتسمت لهانى وقالت : أنه خطاب توصية من نوع فريد لم يسبق لى أن قرأت خطابا مثله ، اننا سوف لا نتعب كثيرا فى تخديمك يا مس رينر )) وأشارت المديرة الى كرسى بجانبها فجلست به هانى ثم سحبت اضبارة وأخذت تقلبها قائلة : (( أظن ان هذه الاسرة تناسبك . انها عائلة مكونة من أربعة اشخاص فقط أما الطفلان فهما فى السابعة والثامنة من العمر)) فقالت هانى وقد احست بيديها
تضغط على حقيبتها فى حركة عصبية: (( كلا .. كلا يا سيدتى لا أريد أطفالا )) فقالت السيدة : (( غريب منك أن تقولى مثل هذا الكلام ، ولكن حسنا ، ما قولك فى هذا ؟ ان فى حى (( مابل سيركل )) عائلة من رجل وامرأته هما السيد منرنج وزوجه ولا أطفال لهما وكل ما عليك هو القيام بالطبخ والتنظيف اليسير حيث أن هنالك امرأة تتردد عليهما تقوم بالتنظيف الكامل للمنزل كل اسبوع )) ونظرت باسمة الى هانى فأجابتها بقولها (( حسنا بودى أن أخبرك ان لدى بعض اعمال قد تستغرق منى بعض الايام )) فقالت السيدة : لا بأس سوف اتصل بالسيدة منرنج بالتليفون وأشعرها أنك قادمة لمقابلتها ، وأظنك تعرفين أين يقع حى مابل سيركل ؟)) فقالت هانى : (( نعم أعرفه تماما ))
قالت ذلك ثم شكرت مديرة المكتب وخرجت الى الشارع فمرت طائرة من فوق رأسها ذكرتها بعائلة كورتيل فقالت فى نفسها لا بد أنهم الآن بنيويورك وفكرت فى الاطفال فقالت لابد أن ركوب الطائرة ونزولهم بمدينة جديدة قد انساهم كل شئ ووقفت تنتظر الأوتوبيس ليقلها الى حى مابل سيركل ، وهذا الحى عبارة عن منتزه فى بقعة تحف بها المزارع والمروج وتصطف البيوت الكبيرة على جانبيه وكانت دار آل منرنج بيضاء بأسقف من الآجر الأحمر ، وكان هنالك رجل يشتغل بغرس بعض الاشجار فصعدت هانى الى المنزل ودقت الجرس ففتحت لها الباب سيدة متقدمة فى السن قائلة : (( أهو أنت التى أخبرتنى
عنها مديرة مكتب التخديم ؟ )) فقالت هانى : (( نعم يا أمى )) .. واسمك هل هو هانى رينر ؟ فأجابت هانى : (( نعم هو كذلك )) فوقفت السيدة على جانب ودعتها للدخول ، وكان المنزل على عكس ما يبدو من الخارج كبيرا حسن التأثيث ارضه من خشب الماهوجنى الثمين وكان كل ما بالمنزل حسن الوضع والترتيب ، ولاحظت هانى رجلا كبيرا فى السن يرتدى معطفا سميكا على باب احدى الغرف وسمعته يتساءل بقوله : (( من القادم يا مارى ؟ فردت عليه زوجه منرنج بقولها : (( انها الفتاة التى حدثتنا عنها مديرة مكتب التخديم )) فتنحنح منرنج وأدار ظهره وتقدمتنى السيدة وهى تقول : تفضلى هنا يا هانى وقادتها الى غرفة صغيرة مفروشة على الطراز الفيكتورى القديم وقالت : (( تفضلى فاجلسى يا هانى لقد ذكرت لى مديرة المكتب أنك تحملين معك خطاب توصية من نوع خاص وأنك قضيت عشر سنوات فى خدمة احدى العائلات التى سافرت قريبا ؟ )) فقالت هانى : (( نعم يا سيدتى لقد سافرت اليوم الى جنوب أفريقية)) وحدجتها السيدة بنظرة فاحصة وقالت : (( فهمت . يبدو لى أنك فتاة نشيطة أحسن بكثير ممن شهدت أخيرا من الفتيات وأعتقد أنك لا تشربين ولا علاقة لك بأحد ؟ )) فقالت هانى : (( كلا يا سيدتى )) فقالت السيدة : (( حسنا وأخذت تنقر فى رشاقة بأصابعها المخضبة على ذراع الكرسى واستأنفت حديثها قائلة : العمل جد يسير عندنا . أظن أن مديرة المكتب
قد حدثتك عنه ونحن لا نستقبل ضيوفا الا فى النادر القليل ولا نعمل ولائم لأحد فأنا وزوجى فى حمية عن كثير من الأطعمة فلا نتناول غير افطار خفيف وعشاء يسير ويندر أن نتناول غداءنا بالمنزل لأننا نفضل أن نخرج بسيارتنا ونتناول غداءنا فى أى مكان نشاء فالسيد منرنج زوجى رجل متقاعد والخروج مما يخفف عنه وطأة الجلوس والعزلة ، وعندما نقرر أن يكون غداؤنا بالمنزل يكون ذلك جد بسيط وهو عبارة عن حساء وبعض الحلوى والخضراوات وليس هنالك كعك أو فطائر ولا مكسرات )) فلم ترد ( هانى ) عليها بشئ ، ثم انتصبت السيدة منرنج على قدميها فوقفت هانى كذلك فقالت السيدة منرنج :
(( سأمر بك على كافة غرف المنزل بما فى ذلك المطبخ وسأريك الغرفة التى ستكون خاصة بك على (( الجراج )) فهنا لك غرفة للجلوس وغرفة للنوم وحمام ، فأشارت اليها السيدة وهى تقودها بقولها : (( تعالى من هذا الطريق يا هانى )) وكان المطبخ كبيرا رحب الجنبات اكبر من غرفة جلوس آل كورتيل فقالت هانى : (( انه مطبخ جد ظريف يا سيدتى وترددت قليلا ثم قالت : لقد أخبرت مديرة مكتب التخديم انه لا يمكننى أن ابدأ مباشرة الخدمة فلدى بعض اشغال تتطلب بضعة أيام وسأفرغ منها واغلق المنزل ثم أباشر العمل بعد ذلك )) فهزت السيدة منرنج رأسها وقالت : ((أرجو أن تشعرينى بقدومك يوم الاثنين المقبل ويكفى لذلك ان تتصلى بمكتب التخديم ليقوم عنك بذلك ، وانى على
اعتقاد أننا سنجد فيك ما يسرنا )) وانتظرت هانى فى ركن مرور الاوتوبيس وهى تقول فى نفسها : (( حسنا جدا انه مكان جميل وعائلة كريمة )) ولكنها مع ذلك كانت لا تجد فى نفسها اطمئنانا للالتحاق بالخدمة ثم ركبت الاوتوبيس وقررت ان تذهب الى المنزل فتتناول قدحا من الشاى وكسرة من الخبز تمسك بها رمقها على ان تفكر مليا فى الأمر .
واستعرضت هانى حياتها لقد كانت قبل عشر سنوات فى وطنها أى فى عام ١٩٤٥ فحصلت على عمل لها فى كنوى بمصنع للمعادن وهى تبعد خمسة اميال من من منزلها وكانت الحرب العالمية الثانية إذ ذاك قائمة على قدم وساق وان كانت هنالك علامات تبشر أنها على نهايتها ، وكان يعمل معها بالمصنع عدد من النساء فى تجهيز القنابل واعدادها للمحاربين ، وقد غلب الملل عليهن جميعا ، أما هى فقد أقبلت مختارة متطوعة للعمل والمساعدة فقد كان أخواها ملتحقين بالخدمة العسكرية واخواتها الثلاث يشتغلن كممرضات فلم تمل وقد التحق معها بالمصنع فتاتان من معارفها فسافرن جميعا الى شيكاغو ومن هنالك التحقن بالمصنع فى كنوى ، ولكن الذى زهدها فى العمل هنالك الخشونة والشراسة البالغة التى تلقاها فيمن تتصل بهم، فكانت الاشهر الثلاثة التى اشتغلتها بالمصنع هى أطول أيام حياتها فقد حيرتها تلك المدينة الكبيرة وأزعجها السلوك الشائن ممن التقت بهم من الرجال فأصبح كل ما يشغلها هو أن تلتحق بخدمة احدى العائلات
والعيشة فى هدوء وسلام . فكان ان رأت فى أول يوم حلت به بمدينة ( بى سايد ) مكتب التخديم فاتصلت به وكانت تتمنى ان تحصل على عمل سريع لان ما معها من النقود لا يكاد يكفيها وكانت عادة استئجار الخادمات لا تزال فاشية بتلك المدينة رغم أن بنات الأسر الكبيرة كن يتعلمن الطبخ والقيام على شؤون المنزل ليقمن بأنفسهن بشؤون أزواجهن اذا تزوجن ويعنين بأطفالهن وتربيتهن .. وقد استقبلت هانى بالمكتب حينذاك امرأة كبيرة فى السن فأعطتها بعد أن سألتها بعض الأسئلة ، بطاقة بعنوان وقالت : (( اذهبى الى هذا العنوان واتخذى من هذه الاسرة مبدأ لحياة الخدمة ، فلا استطيع ان اساعدك بأكثر من هذا ، فليس لدينا من المعرفة عنك ما يجعلنا نزودك بتوصيات أو تقريظ ما ، وكان العنوان : المسز كورتيل شارع رقم ١٤١ .
وكان منزلا لا بأس به لا يحتاج الى أكثر من طلاء بسيط ليكون جميلا بحق وتمتاز غرفه أن كل واحدة منها مستقلة تماما عن الاخرى ، وعندما قرعت هانى الجرس استقبلتها السيدة كورتيل على عتبته وكانت اذ ذاك فى السادسة والعشرين من العمر شقراء زرقاء العينين تحمل على كتفها طفلا
فى الثانية من العمر وتمنع طفلة فى الخامسة من العمر من الخروج الى الشارع ، فقالت هانى : ((لقد بعثنى اليك مكتب التخديم يا مسز كورتيل)) فردت عليها السيدة فى تضجر بقولها (( تفضلى )) وكان أثاث المنزل جديدا ولكن كل ما بالمنزل فى حاجة كبرى للتنظيم والعناية ، وأخذ الطفل الصغير فى البكاء ، والطفلة الاخرى تلعب وتلهو بالحقيبة ، فصرخت السيدة فى ابنتها (( باجى )) أن تدعها وأعربت لى عن أسفها لذلك وكانت الحقيبة قد سقطت من يدها على الأرض فقالت هانى : (( لا بأس يا سيدتى فليس بها ما يخشى أن يؤذى )) فقالت السيدة كورتيل : (( أوه ! أعذرينى ياعزيزتى فنحن دائما مع هؤلاء الاطفال فى حيص بيص ولا أظن أنك تستطيعين أن تعيشى معنا ، ان زوجى رئيس المهندسين بالاسطول وقد كتب هو الى مكتب التخديم عن حاجتنا اليك )) فقالت هانى : (( هل استحم الاطفال وتناولوا عشاءهم يا سيدتى ؟ ))
فرمقتها السيدة فى خجل وقالت : (( كلا ! )) فقالت هانى : (( دعينى اذن أقوم بذلك وسيمكننى بعد أن يناموا ان أذهب فأحضر حقيبة ملابسى فتخبريننى حينئذ بكل ما تريدين منى عمله )) فقالت السيدة : (( هل تعتقدين
انك تستطيعين ذلك ؟ )) فأجابت هانى (( لا تكن لك فكرة سأبذل كل ما فى وسعى لارضائك . ))
وهكذا كان .. فأتت (( هانى )) والتحقت باسرة آل كورتيل واصبحت كأحد أفرادها وقد كانت لها غرفة خاصة بها مستقلة تماما عن غيرها من الغرف ، وكانت السيدة كورتيل من السيدات اللاتى لا يستغنين عن التوجيه فكانت هانى لها خير مرشدة ومعينة ، ولم يمض طويل وقت حتى انتظمت شؤون المنزل وقد تعلق بها الاطفال من أول الامر فلم تشعر السيدة كورتيل بأية غيرة منها وأن نفسها صبيانية فى بعض تصرفاتها فلما كان صباح اليوم الثانى تولت هانى أمر تنظيف الاطفال فبينما كانت السيدة تتهيأ للخروج ، وقد أحست هانى بنفسها فى ثوبها الابيض الفضفاض ان حجمها قد ازداد ، وقد انتعشت السيدة وصرحت فيما بعد بقولها : (( حقا يا هانى ان هذا خير يوم مر فى حياتنا .. ))
وبعد نحو عام من التحاق هانى بالخدمة حضر السيد كورتيل من السفر وعاد للعمل بشركة مورتون للزيت ..
وخرجت السيدة كورتيل لاصلاح شعرها ولم تكد حتى دق جرس الباب ففتحت هانى وكانت معها (( باجى )) و (( دافى )) فرأت رجلا نحيفا طويل القامة خالط الشيب
شعره يرتدى بذلة من الخاكى كأحد رجال البحرية قال لها : (( أنت هى هانى ؟ )) ونظر الى أولاده وقد هتف كل لدى رؤيته : (( بابا . . بابا )) وفرحت باجى كثيرا فقد كانت ابنته المدللة ، فعانق الرجل أولاده وقبلهم قائلا : ما شاء الله لقد كبرتم خلال هذه المدة !! )) وسمع صوت سيارة عند باب المنزل كانت تقل السيدة كارتيل فانفجرت باكية لدى رؤية زوجها فلم تقع عينى على اجمل منها وهى كذلك وقالت : كنت عازمة على أن أرتدى ثيابى الخاصة بالحفلات ابتهاجا بهذا اللقاء السعيد وتعانقا فى عاطفة فأخذت هانى الاطفال معها الى الدور العلوى من المنزل وعندما طلع السيد كورتيل وزوجه وجدا هانى بغرفة السيدة كورتيل تعدلها حقيبتها فلما أبصرتها مقبلة سألتها متأكدة : (( لقد قلت أنك ستخرجين لمدة يوم أو يومين أليس كذلك يا سيدتى ؟ أما الأطفال فسيكونون على ما يرام فلا تشغلى بالك بهم ..
وغاب السيد وزوجه عن المنزل مدة اسبوع فى نزهة قصيرة وعندما رجعوا كان كل شئ بالمنزل على ما يرام ،
وعندما ولد جونى صحبت هانى السيدة كورتيل الى المستشفى تاركتين الاطفال فى رعاية السيد كورتيل وقد قالت السيدة : (( إذا اتضح ان المولود بنت فسأسميها هانى باسمك )) .
ومرت الأيام تباعا والسنوات
الواحدة أثر الأخرى فمات والد هانى وكان ذلك بعد مجىء السيد كورتيل من السفر فاتصلت هانى تليفونيا بأسرتها عندما سمعت بوفاة أبيها ولكن اثنتين من أخواتها كانتا هناك فأخبرتاها أنه لا لزوم لمجيئها ، أما والدتها فقد سافرت مع أختها فاران الى الساحل ولم تمض عليها هنالك أشهر ثلاثة حتى توفيت ولحقت بوالدها وقد كان ذلك فى الوقت الذى كانت فيه هانى مع السيدة كورتيل بالمستشفى فأثرت هذه الحوادث فى هانى واخذها الهزال ، وقد قال السيد كورتيل ذات مساء وهو يحل منطقته من وسطه مندهشا:
(( لا أدرى ما الذى حدث فى الأمر ، لقد لحظت اننا آخذون جميعا فى البدانة والسمن من طبخ هانى الا هى نفسها - ونظر اليها - فلم تزد شيئا ، ثم قال لها : (( ألا تعلمين لقد اصبحت فتاة جميلة رشيقة جدا ! ))
ونظرت السيدة كورتيل اليها وقالت: (( ولكن هانى رشيقة جيملة على الدوام يا جون ... ))
كان المساء قد أقبل وبدت الانوار تتألق فى المنازل بشارع شابل عندما رجعت هانى ولم يبق الا المنزل رقم ١٤١ مظلما فصعدت فى سرعة وفتحت المنزل وجلست فى صمت وعيناها مفعمتان بالدموع من غير بكاء ، لقد
شعرت بالوحشة والعزلة المرعبة لسفر عائلة كورتيل ، ومضى وقت غير قصير وهى صامتة لا تتحرك ثم قامت الى الانوار فأضاءتها وذهبت الى المطبخ لتعمل لنفسها قدحا من الشاى ولتتناول شيئا من الحلوى التى صنعتها يوم الأربعاء الماضى، وبقيت هنالك اشياء عليها أن تعملها ولكنها ما كانت تشعر فى نفسها بالرغبة فى العمل ففضلت ان تتمادى فى انجاز اعمالها لتظل مدة أطول بالمنزل اذا امكنها ذلك فلا يبقى عليها بعد ذلك الا أن تغلق المنزل وتجد لها عملا لا بمنزل عديم الحياة كمنزل آل منرنج وليس بمكان به اثنان او اكثر من الاطفال فيكفى ما قاست منهم طوال مدة خدمتها الماضية ، وساءلت هانى نفسها وهى جالسة أمام الطاولة بالمطبخ فى البلوزة البيضاء المشبوكة بالبروش الذى اهدته اليها السيدة كورتيل والثوب الرمادى الذى ارتدته فى خروجها فتساءلت ترى ماذا تبدأ به من الاعمال وغرقت فى التفكير حتى انتبهت اخيرا على حركة بالباب وسمعت صوتا كان مألوفا لديها فلم تتحرك وسرعان ما رأت أمامها ولدا طويل القامة فى قلنسوة سوداء كان هو ( تود بورثر ) فسألها بقوله :
(( لقد سافروا اليس كذلك ؟ )) وأخذ يتطلع بعينيه فى الابواب والغرف كأنه يتوقع أن يرى أحدا من العائلة، فقالت له هانى : (( انهم الآن فى
نيويورك )) ونظرت اليه فلاحظت الالم الذى ارتسم على وجهه ، فرد عليها بقوله : (( أعرف ذلك ، وأتى الى الطاولة ونظر الى هانى وقال : (( مما يعزينى بعض الشئ اننى سالتحق قريبا بالجامعة والتقى بزملاء جدد من الفتيان والفتيات فيزول عنى ما اشعر به من الوحشة !! )) وكان يكاد يبكى من التأثر ، وتحرك الباب مرة أخرى ودخل (( براد )) وهو طفل فى الثانية عشرة من عمره يكاد يتوارى وجهه وراء شعره الاحمر المتهدل الأثيث فقال لهانى : (( لقد دفعت الى دافى نصف تكاليف الأدوات والجهود فى صنع نموذج الطائرة النفاثة وقد قال لى دافى انه سيخبرك شيئا عن ذلك ))
فقالت هانى : (( نعم لقد قال دافى انه يمكنك أن تأخذها جميعا فى أى وقت شئت )) فقال : (( ليس لدى مكان آخذها اليه وعلاوة على ذلك فكيف يتسنى لشخص واحد ان يقوم وحده بالعمل ؟ )) فقال تود : (( أنا مستعد لأن أساعدك )) ونظر الى هانى فقالت له : (( هذا جميل منك يا تود أنزلا وأمضيا فى عملكما وسأعد لكما إذا فرغتما بعض اللبن والحلوى ، ولم يلبثا أن انهمكا فى العمل تتعالى أصواتهما اليها وسمعت جرس الباب يدق ففتحت الباب واذا بها امام السيد (( هول )) فغمرها الفرح فقالت له : (( لقد قال الرجل الذى كان يقوم عنك
بأخذ الملابس انك سافرت !! )) فقال : (( لا أظن الرجل سيظل فى تعامله معكم فقد قيل لى عن ذلك ! )) فقالت هانى : (( نعم فلقد سافرت الاسرة الى فنزويلا وستظل هنالك سبع سنوات)) ثم تنحت له وطلبت اليه أن يتفضل وقادته الى غرفة الاستقبال ونظرت اليه فى الضوء المتلالئ فى ارتياح ..
لقد كان يرتدى بذلة زرقاء ، وكان طويل القامة اسود الشعر أزرق العينين ، فسألها هول : (( وأنت هل ستلحقين بهم ؟ )) فقالت هانى : (( كلا! وأخبرته بكل شئ عن أحوالها وعما تشعر به من وحشة لسفر العائلة !!))
فأصغى ( هول ) اليها فى انتباه ثم قال : (( أعرف عن ذلك ولكنى لست آسف له فما يسرنى أن تبقى هنا ))
وتنهد طويلا ثم قال : (( أننى لم أخرج من الشركة بعد يا هانى فقد تأسس فرعان لها فأصبحت ثلاثة أقسام لا قسما واحدا وقد عينت مساعدا للمدير العام )) فقالت : (( هذا مما يسرنى ، ولكن اخبرنى كيف حال زوجك فقد سمعت أنها مريضة ؟ ))
فقال : (( لقد توفيت بعد ستة اشهر من زواجنا )) وصمت قليلا ثم قال : (( لقد توفيت ولم يمض على زواجنا وقت طويل ولم يجد أحدنا فرصة للتعرف بالآخر !! )) فنظرت هانى الى السيد هول وانفرجت شفتاها الحمراوان بقوله : (( هذا قضاء الله !!
ولا راد لقضائه )) فقال : (( مما يعزينى بعض الشئ اننى اصبحت رجلا ، واننى أجد فيك خير سلوى فلم تغيبى عن خاطرى لحظة ، وكنت أراك سعيدة فى عملك ، وأرى نفسى دونك وأحوالى ليست على ما يرام ، أما الآن فأنا فى سعة من الرزق والحمد لله ولى رغبة فى شراء منزل وقرب وجهه منها قائلا : (( ما رأيك أنت فى ذلك ؟ )) فنظرت اليه بعينيها الزرقاوين وقالت : (( لقد فكرت أنا كثيرا فى ذلك ولكننى لست من الفتيات اللاتى يجرين وراء الرجال لقد كنت سعيدة بهذا المنزل ، وكل فتاة تتمنى أن يكون لها كما تعلم منزل خاص بها ! )) فأمسك السيد هول بيدها فى لطف وقال : ((سأشترى لك أنا هذا المنزل وأسجله باسمك كصداق لك ولبثا مليا ينظر أحدهما فى الآخر حتى قال هول : (( هانى ))
فانتبهت كأنما كانت فى حلم على صوت اسمها وقالت : (( ان اسمى الحقيقي هو آن ولكن (( باجى )) ابنة السيدة كورتيل كانت تدعونى بهذا الاسم )) فقال : (( أنت هانى وانا اسمى (( شارلز هول )) وسمعا صوت اطفال فقال هول من هؤلاء ؟ فقالت هانى :
(( هذا تود بورترز وبراد كارادين يعملان بالمصنع الذى اشترك فى شرائه كل من دافى وبراد بورترز )) قالت ذلك ونهضت قائلة : (( لقد وعدتهما ببعض اللبن والحلوى )) .
وأخذ يشرح تود لبراد فى المطبخ نظريته فيما يقومان به من عمل بعد
أن حيا السيد هول فجاءت اليهما هانى باللبن والحلوى وقالت لهما : (( سأعد لكما فى الغد مثل ذلك اذا جئتما )) فقالا : (( يسرنا ذلك فقد يستغرق العمل منا يومين على الاقل)) ووضعت هانى القهوة على الموقد حينما كان السيد هول يتحدث مع الغلامين وهما يأكلان ثم خرج الغلامان شاكرين على أن يعودا فى الغد ..
وفى الهدوء المخيم على المطبخ صبت هانى القهوة للسيد شارلز هول ثم جلست الى الطاولة وأخذت ترمقه فى شغف فقال هول : (( اننى أحبك يا هانى وأرغب فى الاقتران بك فماذا ترين ؟ )) فنهضت هانى اليه وطوقته بذراعيها قائلة : (( وأنا أحبك ياشارلز واعتقد أننى شعرت بذلك من وقت غير يسير ، وأخذت تفكر وهى ترد قبلته بنفس الحرارة : (( سبع سنوات فقط وترجع عائلة كورتيل وسيكون دافى وباجى قد تخرجا من المدرسة ليلتحقا بالجامعة قبل هذه المدة بكثير، وسيأتيان لزيارتنا والعيش معنا ولا شك أما السيد كورتيل وزوجه وجونى فعندما يرجعون سيكون لنا ابنة فى الخامسة مثل (( باجى )) عندما التحقت بالعائلة لأول مرة وابن فى الثانية أو الثالثة من العمر كدافى فى هذا المنزل الذى كان يعج بالحياة والحب والذى سيظل كذلك الى ما شاء الله .
