قصة العدد، الأسرة السعيدة

Share

كانت مدينة مارويل الصغيرة مزدحمة على غير عادتها فقد انتشرت في شوارعها الهادئة المقفرة الا من العدد القليل من المارة ، اسر المدينة عن بكرة أبيها ، الاطفال في كامل زينتهم وملابسهم الجديدة . . الآباء والامهات في افخر ملابسهم . . الجدات فى حليهن الفضية البراقة وملابسهن البيضاء الناصعة . .

كانت شمس مايو الدافئة تتألق في سمائها الصافية الخالية من السحب والغيوم مما اكسب صبيحة ذلك اليوم من ايام الربيع جوا مفعما بالغبطة والمرح فكانت تتجلى على جميع الوجوه تلك الفرحة الغامرة التى تتميز بها ايام الاعياد الزاهرة . . وسرعان ما راحت العيون ترمق في اكبار سيدة عجوزا اخذت تتحدث الى البواب بعد ان هبطت من مركبتها ، وكانت ترتدى ثيابا انيقة . تتجلى على محياها الطيبة ، ولم يلبث اسمها ان تردد على الافواه من جماعة لاخرى فى همس : مدام فرسينى . . مدام فرسينى

كانت السيدة فرسينى هذه قرينة وشريكة السيد فرسينى صاحب مصنع الورق العظيم الذي اكس تلك البقعة النائية من المدينة سمعة حسنة وشهرة مدوية ذلك الى جانب ما يضم المصنع من مئات الايدى العاملة التى كانت الاسرة الكبيرة نلتف حول رئيسها

لا كمجرد عمال مأجورين ، وكان هنالك الكثير من الرؤساء الاقوياء يحسدون فرسينى على مكانته ويعملون على الاضرار به ولكن سرعان ما كانت تلك المحاولات الدنيئة تبوء بالفشل امام قوة السيد فرسينى ورباطة جاشه ، هو وشريكه بلمونت وطيبة السيدة فرسيني المتناهية . .

لم يسترع انتباه السيدة فرسينى حينذاك بين تلك الجموع غير صديقتها الصغيرة اليزابث بلمونت التى تبلغ من العمر احد عشر عاما . وقد غطت وجهها إلى منصفه .

لقد غيرت السنون من السيدة بلمونت بعض الشئ فبدت عليها علامة الكبر . . . وجه هزيل معروق وجبين منغضن ينطق ما عليه من خطوط عما يبذل من جهود ، وما يضطلع به من اعمال جسام . . اما السيدة ٨٩٩

" المرض هو العدو الوحيد الذي يستطيع كن انسان ان يصده عنه بأبسط الاحتياطات والتدابير " .

هافلوك أليس

بلمونت فلم يكن يبدو عليها اي تغيير حيث كانت لا تزال تحتفظ بجمالها واشراقة محياها وجاذبيتها . .

كانت السيد بلمونت وقرينته ينصتان الى السيدة فرسينى الى ابنتهما ، فى تأثر ولو تمعن احد فى وجه السيد بلمونت حينئذ لرأى دمعة كبيرة تنحدر فى بطء من عينه وتخضل لحيته الكثيفة السمراء . .

وكان الصباح ما زال في باكورته . . طقس جميل معتدل وسماء زرقاء صافية : والطيور تغرد على اغصان الاشجار اغاريد الصباح الباسمة والنسيم العليل يلثم ازهار الربيع العطرة ويملؤ الجو بأريجها الفواح فتغرق النفوس في نشوة من الغبطة والنشاط ، فلم يسع اليزابث الا ان تلقي خمارها على كتفيها وهي تسير كالفراشة الهائمة

ذهب السيد بلمونت واسرته في منتصف النهار إلى قصر السيد فرسينى حيث تناولوا طعام الغداء ثم قاموا في عصر ذلك اليوم بزيارة الاهل والاقارب حيث تناولوا ، هناك طعام العشاء ثم عادوا اخيرا الى المنزل . . وبذلك انقضى أول يوم من ايام العيد المشرق السعيد في فرحة غامرة وشعور دافق بالرضا والاطمئنان . .

كان السيد بلمونت وقرينته يعيشان فى منزل مكون من دورين في اهدأ شوارع مدينة مارويل ، حسن الموقع ، طليت ابوابه وشبابيكه بالطلاء الاخضر الانيق ، كما ازدانت شرفاته الخشبية بعرائش الزهور المختلفة الالوان تحيط به حديقة صغيرة زاهية يانعة على مدار السنة تنم عن ذوق حسن وعناية طيبة ، وكان من يمر من هناك

ويستمع الى ضحكات جان البريئة وشقيقته اليزابيث وهى تترنم بأغانيها الجميلة لا يشك فيما يسود تلك العائلة من جو مرح وسعادة وارفة ، وهذا ما كان فمنذ بدأت اليزابيث تشعر بوجودها وتدرك ما حولها وهي في العام الرابع من عمرها حتى ذلك الوقت لم تشهد ما يحزنها او يعكر خاطرها فقد وجدت في ابيها وامها اصدق معاني الرقة واللطف كما وجدت في شقيقها جان الصغير مثال الولد المهذب المطيع ، كما لم يسبق لها ان رأت احدا من العائلة يصاب باي مرض خطير مما يصاب به الاطفال كالسعال الديكى ، والدفتريا والحصبة وكان بلمونت يشغل منصبا حسنا بمصنع فرسينى للورق يمكنه من توفير كامل ما يلزم العائلة من وسائل الراحة ورغد العيش ، فلم يسبق لاليزابيث ايضا ، ان رأت والدتها تشكو قط من الحاجة الى المال كما تلاحظ كثيرا فى غيرها من الامهات .

امضي السيد بلمونت في المصنع نحو عشرين عاما ، دخله وهو فى السادسة والعشرين من العمر وظل به حتى تلك السن مثالا للموظف المخلص النشيط ، فاستحوذ بامانته وذكانه واخلاصه على اعجاب وتقدير رؤسائه ، فكان مركزه يتحسن على الدوام ، وكان يشغل وظيفة مدير ادارة فى المصنع فلم يلبث ان اصبح المسؤول الاول فى المصنع على كاهله تقع جميع الامور والمهام التى تختص بالعمل والإدارة والعمال لتقدم السيد فرسيني في السن ، كما كان توعك صحته يضطره كثيرا لان يأخذ بين الفينة والاخرى فرصة للراحة فكان يذهب فى شتاء كل عام الى احدى المشاتى الدافئة او الى حمامات فيشى الصحية فى الصيف للعلاج والاستشفاء .

كان السيد بلمونت يقوم بجميع الاعباء والمهام في المصنع بنشاطه المعهود ومهارته الفائقة . فكان محبوبا من جميع من يعملون معه . فلم تكن تسمع اليزابيث عن ابيها غير الفاظ الثناء والاطراء من كل انسان ، مما كانت والدتها مرموقة ، محبوبة  من جميع السيدات ومثلا عالية لربة البيت المدبرة الوقور .

تلك المجموعة الممتازة من الافراد هي ما كان يضمه ذلك المنزل ذو الأبواب والنوافذ الخضراء . ولكن وا اسفاه لا شئ يبقى على حال وما يمر من ايام السرور ولحظات الحبور كثيرا ما تعقبه ايام من البؤس والحزن . . !!

ذلك ما حدث لاليزابيث المسكينة بالذات فقد رجعت ذات يوم من المدرسة في ساعة مبكرة عن العادة وهي تمسك بيد شقيقها جان ، جد مكتئبة تمتلئ عيناها ، بالدموع ، تسير فى خطوات سريعة ، فسألتها والدتها فى دهية وقلق لدى رؤيتها بقولها :

- خير ان شاء الله . . ما الذي جاء بكما فى هذه الساعة ؟

- طلبت الينا المعلمة ان نرجع الى البيت ، لعلك تذكرين يا اماه جاك مارتيل الصغير ابن اخت المعلمة الذي لزم الفراش منذ ايام لمرض الم به ؟ !

- بلى ثم ماذا ؟

- حسنا لقد توفى جاك مارتيل الصغير هذا الصباح بعد . . لقد نسيت المرض الذي اصيب به . . ها لقد تذكرت . . بالدفتريا .

فسألتها والدتها وقد بدا على وجهها الاصفرار :

- بالدفتريا . . هل انت متأكدة مما تقولين ؟ !

- متاكدة جدا فقد سمعت في مرورى بطريق المعبد السيدة برتراند تتحدث بذلك فهل هذا المرض خطير إلى هذه الدرجة يا  ؟

- بلى يا عزيزتي انه مرض جد خطير اجاركم الله منه يا اطفالي الاعزاء . . قالت السيدة بلمونت ذلك وحدقت في قلق في وجه جان الصغير قائلة :

- الا تحس يا بني بأي الم في حلقك ؟ فرد عليها جان وهو يسعل :

- كلا . . يا أماه . . .

- حسنا هل تشعر باي صعوبة فى البلع او تجد في حلقك عسرا من اى نوع ؟

- كلا . . يا أماه . . فوجهت الخطاب الى ابنتها اليزابيث قائلة :

_ وانت يا اليزابيث ؟

- وانا ايضا يا اماه . . هل تخشين ان نكون قد اصابتنا العدوى ؟

- ان الانسان يخاف دائما الامراض المعدية  ، لذلك فانني ارجو من كل منكما ان

يخبرني حال شعوره باقل صعوبة فى البلع او اى اكلان في الزور لان المعروف عن الدفتريا انه مرض خبيث يصيب الانسان في اي لحظة والآن هيا بنا الى الداخل فقد بدأت السماء تمطر والهواء البارد يلفح وجوهنا حتى لا نصاب بالبرد .

ذهبت اليزابيث هى وشقيقها جان الى

دعا حضرة صاحب السمو الملكي لاسر محمد بن عبد العزيز الى اجتماع يضم جميع اسرة آل سعود عقد بقصر سموه بعليشه بالرياض ومن الأثنين الواقع في ٢٧ ذي القعدة ١٣٨٤ الموافق ٢٩ مارس ١٩٥٠

وقد استهل سمو الامير محمد بن عبد العزيز الاجتماع بكلمة  اورد فيها الهدف الذي يرمى نية وراء هذا الاجتماع وهو نظر في أمر ولاية العهد والبت به ، لانتقاده بانه ضرورة حتمية نفسها استمرار الحكم وارساؤه اسس ثابتة الاركان قوية دعائم بعد ان تمتعت البلاد بنعمة استقرار وسارت بخطوات واسعة نحو التقدم والازدهار . قد اشاد سموه بالجهود الجبارة بذلها ويبذلها صاحب جلالة الملك فيصل المعظم فى ثم شأن الاسلام وخدمة هذا بلد والسياسة الرشيدة التى نهجها لمصلحته . ودعا سموه لانه المجتمعين للالتفاف حول ليك المفدى وشد ازره ومساعدته تنفيذ برامجه الاصلاحية امية للسير بالبلاد نحو قمة به وذرى العزة والكراهة ، اوضح سموه موقفه من ولاية فقال : انه ارسل لجلالة به الملك فيصل المعظم كتابا ابا على كتابه بانه يؤثر الابتعاد المناصب والالقاب وانه يفضل بل في الميادين الاخرى التى تكون اكثر فائدة ونفعا . وانه دي يعمل بكل اخلاص تحت جلالته ويوح من ارشاداته وجه كلامه اخوانه قائلا جميعا خدام لهذا الشعب بل الذى التف حول قيادته احلك الظروف التى مرت بها " وادقها ، فمن واجبنا ان جميع جهودنا وطاقاتنا  . وخدمة الشعب لا تعنى يع على كراسى الحكم فهناك ؟

مجالات واسعة لتحقيق هذا الهدف هي في نظري اكثر نفعا واجدى فائدة . وقد عاهد الله بانه سيتعاون تعاونا صادقا مع من يختاره جلالة الملك كولي للعهد .

ومن ثم تليت الكتب المتبادلة بين جلالة الملك فيصل واخيه سمو الاخير محمد بن عبد العزيز وبعدها تليت رسالة من جلالة الملك المعظم موجهة الى المجتمعين تتضمن اختياره لصاحب السمو الملكى الامير خالد بن عبد العزيز وليا للعهد ، فبايعه الحاضرون فردا فردا ، وتقدم سمو الامير خالد فالقي كلمة شكر فيها جلالة الملك المعظم على الثقة الغالية التى أولاه اياها . كما شكر اخوانه الذين بايعوه وسأل المولى سبحانه وتعالى ان يكون عند حسن ظن الجميع ، وثقتهم به ، وتوجه الى اخوانه وعلى رأسهم عمه سمو الامير عبد الله بن عبد الرحمن وشقيقه الامير محمد بن عبد العزيز بنداء يطلب فيه منهم ان يعينوه على حمل الرسالة واداء الامانة مستمدا من الله العون والتوفيق .

وفيما يلى نص الرسالتين المتبادلتين بين حضرة صاحب الجلالة الملك فيصل المعظم وحضرة صاحب السمو الملكي الامير محمد بن عبد العزيز :

من فيصل بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية الى جناب الاخ الكريم محمد بن عبد العزيز حفظه الله . السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد . - فانني أرى من المصلحة اختيار ولى للعهد لانه عنصر اساسي من عناصر استمرار الحكم ورسوخه في هذه البلاد التى بدأت تنعم بالطمانينة والاستقرار وتتطلع الحياة افضل بعد ان عصفت بها تيارات مختلفة من داخلية وخارجية . وانني اذ اطلب من سموكم اخباري بوجهة نظري في هذا الموضوع انتهز هذه الفرصة لاشيد بالجهود العظيمة التى بذلها سموكم ومساهمتكم الفعالة في سبيل اقرار الوضع

وتجنيب البلاد الفتن والكوارث وبانتظار مرئياتكم ارجو لسموكم دوام الصحة والتوفيق .

الرد

من محمد بن عبد العزيز الى جناب جلالة الاخ الملك فيصل بن عبد العزيز حقك الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد . فقد تلقيت كتاب جلالتكم رقم ٢/٥٦ تاريخ ٨٤/٩/٢٢ - الذي تطلبون فيه ابداء وجهة نظري في امر ولاية العهد والذي يرى جلالتكم انه عنصر اساسي من عناصر استمرار الحكم ورسوخه فى هذه البلاد التى بدأت تنعم بالطمأنية والاستقرار وتتطلع لحياة الفضل بعد ان عصفت بها تيارات مختلفة من داخلية وخارجية واني لاشكر جلالتكم من الاعماق على ما احتواه كتابكم من شعور قبيل وتقدير بالغ للجهود التى بذلتها والمساهمه الفعالة التى اسهمت بها في سبيل الله الوضع وتجنيب البلاد الفتن والكوارث وان كنت اعتقد ان ما قمت به ما هو الا واجب نحو امتي وبلادى . هذا واني اناظر جلالتكم الرأي بانه لا بد من اختيار ولى للعهد لان ذلك عنصر عام لاستمرار الحكم على أسس ثابتة الاركان قوية الدعائم ارجو ان يسمح لي جلالتكم ان ابين وجهة نظري فيما يتعلق بشخصى بكل صراحة وهي ان مبادئ العمل لخدمة الشعب ليست وقفا على المناصب والالقاب وهناك مجالات واسعة ومتعددة تمكن كل فرد من أفراد شعبنا العزيز من تأدية واجبه فى خدمة بلاده . انني وان كنت المرشح الاول المنصب ولاية العهد الا انني افضل ان يكون جنديا مخلصا يعمل تحت لوائكم وبوحى من ارشاداتكم بعيدا عن مظاهر الرتب والالقاب يشد ازركم ويوحد الصفوف المواصلة العمل في ظل قيادتكم الرشيدة التى لمس الجميع آثارها في الداخل والخارج واذا جاز فى ان ارشح أحدا لشغل منصب ولاية العهد فانني أرى فى  اخي الامير خالد بن عبد العزيز من الصفات ما يجعله اهلا لذلك راجيا من الله ان يلهمكم التوفيق والسداد ويحفظ جلالتكم من كل سوء مولاى .

الصالون لتغيير ملابسهما ثم لحقا بأمهما فى غرفة الطعام . . .

كان ذلك في شهر يوليه ومع ذلك فقد كان الجو يميل الى البرودة والسماء ملبدة بالغيوم والمطر اخذ يهطل بشدة . .

اخذ كل من الطفلين مكانهما الى جانب الطاولة وقد بدا جان على غير عادته ، فكان قليل الكلام ولم يلبث ان قال :

ألم توقد ، النار يا اماه . . انني اشعر ببرد شديد . . .

فنظرت اليه امه في حزن ، وامسكت يده فوجدتها باردة كالثلج فاخذته الى النافذة وقالت لاليزابيث وهي تزيح الستائر عنها :

- احضرى لى ملعقة طعام . . هيا اسرعى

جاءتها اليازبيث بالملعقة فطلبت الى جان ان يفتح فمه بقدر ما يستطيع ففعل وهنا ادخلت السيدة بلمونت الملعقة فى فمه وضغطت على لسانه لتتمكن من رؤية حلقه ثم قالت في شئ من الاطمئنان :

- لا يوجد شئ غير عادى - لحسن الحظ -

ثم واصلت حديثها فقالت له :

- خير لك ان تذهب الى فراشك يا بني ما دعمت تشعر بالبرد وسوف اضع زجاجتين من الماء الساخن عند قدميك ليزول ما نشعر به من البرد . . هيا معى يا بني . .

ارتمي جان الصغير في فراشه فلم يستقر به اكثر من خمس دقائق حتى اخذ جسمه

يهتز ويرتعش من رأسه لاخمص قدميه فحاولت والدنه فى ذعر ان تخفف عنه بكل الوسائل ولكن على غير جدوى ، وكانت

اليزابيث نساعدها فى ذلك فى تأثر بالغ فطلبت اليها والدتها اخيرا ان تذهب وتدعو والدها بسرعة من المصنع . . .

ثم نظرت الى طفلها فرأت وجهه يزداد حمرة واحتقانا فهتفت فى هلع . . لطفك ورحمتك يا الله . . اسرعي . . اسرعي يا بنيتي . . قالت ذلك وانحنت عليه والصقت اذنها بصدره تستمع الى دقات قلبه فرأته يعلو ويهبط ، وكان جان حينئذ كالنائم لا يحس بشئ مما حوله . .

كان أول ما قامت به اليزابيث عند مغادرتها المنزل ان ذهبت الى المدموازيل ميشوند جارتهم فقرعت الجرس . وكانت سيدة فاضلة من خيرة السيدات في ذلك الحي تسكن مع اخيها البروفيسور ميشوند الى جوار منزل آل بلمونت ، تربط بينهما علاقة وطيدة من الصداقة والجوار .

كانت المدموازيل اوديل تحب اليزابيث واخاها جان كثيرا وتفرط في تدليلهما وتقضى الساعات الطوال بمنزل آل بلمونت من وقت لآخر كما كان السيد سيزار رجلا لطيف المعشر محبوبا من جميع آل بلمونت لاحاديثه اللطيفة وقصصه الماتعة .

وقد رفض السيد سيزار ان يتزوج خشية ان يضطره ذلك الى الافتراق عن اخته مدموازيل اوديل كما رفضت هى بدورها قبول من تقدم لطلب يدها لما تتمتع به من جمال جذاب وثروة ضخمة لتقصر جهودها على رعاية اخيها والعناية به .

كان السيد سيزار قد تلقي بعض الدراسات في الطب عندما كان يحضر لشهادة الماجسنير فى باريس افاد منها فى مساعدة

الجيران والاصدقاء وكل من يطلب نصحه من الناس وقد تم على يده شفاء عدد منهم مما اتاح له شهرة مناسبة ، مما جعل اليزابيث تصل به قبل ان تذهب الى والدها .

وقد اصابت اليزابيت فى عملها ذلك كل الصواب لانها لم تكد تسرح له حقيقة الامر حتى هرمت المدموازيل اوديل الى اخيها وربتت على ظهره بيدها وكان منهمكا فى فحص بعض النباتات بالمجهر ( الميكروسكوب ) وقالت له :

- ان جان الصغير مريض جدا يا عزيزى سيزار . . .

فالفت اليها اخوها فجأة ورد قائلا :

- اذا تقولين . . جان مريض . . يا للارنب الصغير المسكين . . يجب ان نذهب حالا لنرى ما به ، لا تنسى ان تأخذ معك بكرة اللصقات وقنينة الانير يا اوديل . هيا اسرعى بدون اضاعة للوقت . لا داعي مطلقا لارتداء ملابس اخرى .

توجه سيزار وشقيقته الى منزل آل بلمونت وسارت اليزابيث في طريقها الى والدها بالمصنع . ولم تمض اكثر من خمس دقائق حتى وصلت اليه وما ان علم بالامر حتى القى ما فى يده على المكتب وبدون ان يزيد حرفا وقال لابنته :

- اذهبى يا عزيزتي بسرعة الى الطبيب واطلب اليه ان يحضر في الحال الى المنزل . . الحقى بوالدتك باسرع ما يمكن . . ولا ندعيها تنتظر وحدها طويلا بالمنزل .

فقالت اليزابيث :

- انها ليست وحدها يا ابتاه فقد مررت

فى طريقي الى هنا بالمدموازيل اوديل وف توجهت هى وشقيقها امامي الى المنزل .

- حسنا فعلت . . يا لك من بنت طيبة . . هيا اسرعي اذن للطبيب ولا تتأخرى .

قال ذلك وطبع على جبينها قبلة تفيض بالحنان والحب . ثم التفت الى بعض من حوله دون الموظفين وطلب اليه ان يشعر السيد فرسيني إذا سأل عنه انه ذهب فى امر مهم الى المنزل ، ثم انطلق مسرعا الى بيته مشغول البال يتساءل فى نفسه عماذا يا ترى قد حدث لجان الصغير .

وصل السيد سيزار وشقيقته الى المنزل فى الوقت المناسب فقاما باجراء الاسعاف اللازم للطفل ، ولم يطل بهما المقام حتى وصل السيد بلمونت فوجد ابنه مستغرقا فى نوم هادىء وكأنما احس جان اخيرا بحضور والده ففتح عينيه فترة من الوقت فرأى والده الى جانبه فارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة ثم عاد فاغمض عينيه ومضى  فى النوم من جديد .

لم يجد الطبيب عند وصوله بعد فحص الطفل جيدا غير ارتفاع بسيط في درجة الحرارة ولم يكن هنالك اى مرض خطير - لحسن الحظ - وبعد ان كتب له العلاج اللازم نصح ان يلزم الفراش لمدة ثلاثة ايام على الاقل وان يكثر من شرب السوائل

وان يمتنع عن الذهاب الى المدرسة لمدة ثلاثة ايام على الاقل .

بدد قرار الطبيب ما كان من قلق واعاد الراح ، والاطمئنان إلى القلوب ، خصوصا والدته التي كانت لا تشك في اصابته

بعدوى مرض الدفتريا الذى اودى بحياة شقيق المدرسة المسكين .

عادت الحياة الطبيعية الى جو الاسرة ، والسعادة والغبطة ترفرف عليها من جديد ورجع الاب الى المصنع يستأنف عمله فيه بنشاطه وهمته المعهودة كما عاد السيد سيزار وشقيقته او مدموازيل اوديل الى بيتهما يوالى فحوصه العلمية . وانقضت الايام الثلاثة بسلام وعادت اليزابيث هى وشقيقها جان الى المدرسة بعد انتهاء العطلة . . .

بعد ان اتاح ذات الحادث الطفيف فى سماء الاسرة السعيدة الوادعة فرصة للتفكير في المرض والعدوى والاصابة به وما يشيع في النفوس من حزن واسي ، واخذ التدابير ومراعاة القواعد الصحية للسلامة والوقاية منه كانما يتمثلون فى ذلك بقول الفيلسوف الشهير هافلوك أليس : المرض هو العدو الوحيد الذى تستطيع ان تصده عنك بأبسط الاحتياطات والتدابير " .

اشترك في نشرتنا البريدية