قصة العدد، الزواج السعيد، الأنكليزية_بقلم تحرير المجلة

Share

هبطت ( آنا ) من الباص المزدحم القائم بركن الشارع تحمل حقيبتها الثقيلة من يد لاخرى ثم اخذت طريقها الى الحارة المقابلة الظليلة

كان ذلك فى يوم عاصف من ايام شهر مارس وقد انتشرت شظايا الثلوج المتساقطه على جانبى ذلك الشارع الضيق ، فقد كان الشتاء ما زال باقيا وتباشير الربيع لا ينتظر ظهورها قبل مضي اكثر من شهر فهمهمت آنا سومرز فى سرها قائلة : (( رباه ما هذا البرد القارس ؟! )) ولم يكد يلوح لها المنزل الذي عاشت فيه طويلا منذ طفولتها الى ما قبل شهرين فقط حتى توافدت الى ذهنها الذكريات فوضعت الحقيبة التى تحملها على الارض وفركت خديها بيديها الباردتين الممخدرتين واحست بجسمها يرتعش والدموع تخضب وجنتيها فراحت تردد المرة الأخرى قائلة : رباه . . رباه ! رحمتك من هذا القنق الذي يملا صدرى ، ثم التقطت حقيبتها من الارض وجسدها يرتعش من البرد وسارت باقصى ما يمكنها من السرعة صوب ذلك المنزل القائم واشجار البلوط الجاثمة فى آخر الشارع وكان الطريق حينئذ مقفرا من المارة لا تخشى ان تقابل او ترى به احدا من الناس ، ولكنها شعرت مع ذلك بالوحدة والوحشة وهبت الرياح الباردة فجأة فلفحت وجهها واسدلت خصلات شعري الكستنائى على جبينها فاخذت تزيحه عن عينيها بيدها الاخرى خشية ان تسقط فى

حفرة او مستنقع ماء على غير هدى فى ذلك الطريق الطينى الوعر ، وقد فتحت الريح معطفها على مصراعيه فاحست بقشعريرة البرد فى جسدها النحيل . . واخيرا وصلت الى المنزل فلم تر به ضوءا ولكنها لم تكد تفتح الباب الامامي حتى أحست بالحرارة والدفء يقابلها من الغرفة التى على رأس الممر اغلقت الباب خلفها في هدوء بدون ان تحدث صوتا واتجهت في حذر نحو الضوء ثم وقفت على رؤوس أصابعها امام غرفة الاستقبال من غير ان يشعر بها احد . ولم تكد ترى والدها حتى وضعت حقيبتها على الارض .

كان والدها ( جروفر ) رجلا ضخم الجثة طويلة القامة يزن نحو خمسين والمائتى كيلو غرام ، وكان يرتدى كامل ملابسه حينئذجالسا يستفي أمام النار وهو يطالع صحيفة ذلك اليوم .

كان جروفر ما زال فى الخمسين من عمره أو هو فوق ذلك بقليل ولكنه بعد الثلاثين عند التى قضاها فى العمل الشاق بمنجرة كبيرور اصبح يبدو اكبر من عمره بكثير

وكانت امها حالسة الى جانب الطاولة الكبيرة المستديرة تنشر وتطبق فى صمت الملابس التى غسلتها وكوتها خلال النهار . ومع انها كانت تصغر أباها بعدة سنوات فقد كان

الشيب يجلل رأسها تقريبا وكان جسمها بادى الضعف والهزال كآخر عهدها به .

رفع جروفر رأسه فى بطء ونظر اليها مليا بدون ان ينبس ببنت شفة حتى رآها تجرى فى فزع عبر الغرفة وتركع على ركبتيها امام والدتها فهتف بها والدها فى صوت مرتفع يقول :

- آنا ماذا تصنعين هنا ؟ ! قال ذلك ونهض من مقعده متمهلا تاركا الصحيفة تسقط من يده على الارض وتقدم نحوها فى خطوات ثقيلة قائلا :

- انظرى الى . . اجيبينى ما معنى مجيئك هذا ولم يمض على زواجك اكثر من شهرين اثنين ؟ ! .

فهزت آنا رأسها واغمضت عينيها كأنما تكره ان تنظر اليه ، والتصقت بأمها وهى تحاول ان تخفى دموعها فاحست بنفسها وهى تلتصق بها كأنما عادت طفلة صغيرة مرة اخرى لا تجد من تلجأ اليه عندما يفزعها شئ غير والدتها . فقال جروفر غاضبا :

لماذا لا تردين على سؤالى ؟ ! . . اريد ان اعرف ماذا اتى بك الى هنا ؟ ! فارتجفت آنا لصوته وسمعت والدتها تقول اثر ذلك :

- ماذا حدث يا عزيزني لا تبكى هكذا . . اطمئنى فسيتم كل شئ على ما تريدين فقط عليك ان تخبرينا ما دعاك للمجئ الينا فى هذا الوقت ؟ فقد لتنا وهي تتعلق بوالدتها منتحبة لا استطيع . . لا استطيع . .

فردت عليها والدتها فى صوت رقيق بقولها : - كلا يا عزيزتى ان بامكانك ذلك بدون شك فانت تعلمين كم نحبك فاخبرينا بجلية الامر لنتمكن من مساعدتك .

وبدل ان تجيب آن على ذلك زادت من

التصاقها بوالدتها . فاحست بيد والدها تمسك بها وتهزها فى عنف وهو يقول :

- هيا تكلمي . . هل قطعت صلتك بزوجك فانس . . هل هذا هو سبب مجيئك ؟ فهزت آنا رأسها فى بطء . .

ومرت فترة من الصمت ثم سمعت والدتها تقول له فى لطف :

- لا بد - ان هنالك سببا يا جروفر والا لما  أتت الى هنا . . لا تسئ اليها او تغلظ عليها هكذا ، وهى على هذه الحال من الحيرة والقلق دعها وشأنها الآن فسوف تخبرني بما تريد اذا ارتاحت قليلا . .

فقال جرووفر في صوت قوي رنان : - لا بد ان يكون لذلك سبب معقول . . واى سبب هذا يا ترى يدعو لان تترك امرأة زوجها وقد تزوجته فى طواعية منها واختيار . . اننى لن احفل بكل ما تأتي به من اعذار فليس من حق المرأة ان تعيش مع زوجها شهرين ثم تدعه وتهرب هكذا . . انني لا اتوقع ان يحدث ذلك الا من فتاة ساقطة لا من ابنة لى ، لا بد ان ترجع لزوجها فان سومرز الذى ترتبط به وفى هذا الوقت بالذات .

فردت عليه أمها قائلة : - كلا يا جروفر ليس الآن وهي فى هذه الحال . . لن ندعها ترجع ، اتركني لها لأعنى بها بعض الوقت .

حبست آنا انفاسها وهى تسمع خطوات واندها الثقيلة وهو يذرع الغرفة جيئه وذهابا فيهتز البيت تحت اقدامه ثم رد على أمها بقوله :

- لا تعجبني هذه الطريقة التي تعاملينها بها يا هستر . . اسمعي اريد الا تقومى الى جانبها فى امر كهذا ، لاننى لن ادعها تهرب من فانس وتتركه سواء كان ذلك بعد

شهرين او بعد عشرين عاما على قرانهما , فمن الأفضل عندى ان تصبح ساقطة محترفة على أن تكون ناشزا هاجرة لزوجها . .

فردت والدتها تقول : - مهلا فقد يكون مجيئها الينا لمجرد رؤيتنا وزيارتنا ، وليس ذلك من غرابة فى شئ ممن هن فى مثل سنها فهى لا تزال طفلة وستعود بعد بضعة ايام الى زوجها . . فصرخت آنا وهي تنظر اليهما قائلة: - كلا . . لا اريد ان اعود اليه ابدا . . ابدا . . !

فأمسك جرووفر بكتفها فى عنف وقال : - ما هو الداعى لذلك ؟ تكلمى ! وصرخ وهو يهزها قائلا : - هيا اجيبى على سؤالي واذا لم تجيبى وتعديني انك سوف ترجعين اليه فساقطع صلتى بك . .  فردت عليه قائلة : - لا استطيع ان اقول . . لا استطيع ان اقول . . - اننى اعرف كيف اجعلك تتكلمين . . - كلا . . ارجوك . . - إذا استعملت معك السوط فانك لن تترددى فى اخبارى سريعا بما اريد . . فقالت زوجه : - كلا يا جروفر . . لا داعي البتة لشئ من هذا . . - انها لن تقلع عن عنادها وتمردها ما لم استعمل السوط لتأديبها . . - كلا يا جروفر . . اتركها لى . . اتركها إلى . .

فرفع جروف يده عن كتفها وقال وهو يجلس فى مقعده : - حسنا اصغى الى ما اقول . . لك ان بقى بالمنزل هذه الليلة فقط لان والدتك تريد ذلك على أن تعودى غدا الى زوجك

فانس والا فابحثي لك عين غير هذا واقيمى فيه . . أفهمت ؟ ليس لك ان تبقى هنا اكثر من ذلك . . انك الآن في الرابعة والعشرين من العمر وامرأة متزوجة فإذا ما اردت ان تبقى هكذا ، وتعيشى مع زوجك فافعلى والا فاختارى لنفسك مكانا منزويا بأحد الاحياء وعيشي به كاحدى الساقطات مدى حياتك فقد قلت لك عندما اقترنت بفانس وحذرتك من ان يلعب الشيطان بعقلك فتهربين منه وتأتين الى هنا وما زلت على قولى ، فهذه هي اختك تزوجت منذ خمس سنوات ولها ثلاثة اطفال ومع ذلك فانني لا اذكر انها جاءت لزيارتنا اكثر من مرتين خلال تلك المدة ، بينما لم يمض عليك انت اكثر من شهرين اثنين حتى عدت الينا . قولى ما الذي دعاك الآن إلى أن تأتي الى هنا وكان المتوقع ان تبقى فى بيتك وانت حامل منه ؟ ام انك تجهلين الطريقة التى تتحبب بها المرأة الى زوجها ؟

فقالت له زوجه متوسلة : - ارجوك ان تمسك يا جرووفر عن الاساءة اليها بهذا الشكل وهى جد منزعجة . . دعها وشأنها فسأتحدث اليها انا عندما تستريح ، فلا يجدى العنف معها فى شئ وليس يوجد فى العالم كله امرأة شريفة مهذبة ترضى أن تترك زوجها ومنزلها لتعيش عالة على الآخرين . .

نفردت الام بابنتها واخذت تستطلع منها حقيقة الامر فسألتها قائلة : - كفى بكاء يا عزيزتي واخبريني . . هل تشاجرت انت وزوجك ؟ - كلا لم نتشاجر ولكن الحياة معه أصبحت مستحيلة بهذا الشكل . . مستحيلة . - لماذا . . ما حملك على هذا القول وقد ذكرت انكما لم تتشاجرا ولم يحدث بينكما شئ من هذا القبيل ؟

- نعم ولكن فانس الآن غيره بالامس ، لقد خبرته من قبل شابا لطيفا ، صادقا فى حبه لى ، اما الآن فقد اصبح فظا غليظ الطبع يقضى الليل فى السكر والعربدة ولا يعود الى المنزل الا مخمورا متوتر الاعصاب يثور لاتفه الاسباب ويغلى ويهتاج لأيسر الامور ولا يزيده تلطفى فى القول الا ثورة وعنادا وانت تعرفين يا أماه ان الحياة معه على هذا الشكل أصبحت لا تطاق . . - حقا يا ابنتى ولكن هذا لا يبرر فى نظرى ان تتركى بيتك وتغادرى زوجك ولم يمض على زواجه اكثر من شهرين . . - اذن فانت توافقين يا اماه على ان ابقى معه هدفا لغضبه وسوء معامته التى لا تقف عند حد ؟ .

- ارى ان تكفى عن معاتبته ومحاسبته على تغيبه ، وان تبتعدى عن كل ما يثيره ويسبب صخبه ، وسيأتي اليوم الذى يدرك فيه سوء تصرفه فيرعوى عن غيه ويكف عن المضى فى الطريق الشائن الذي يسير عليه الآن . . هل كان يدرى زوجك انك قد اتيت الى هنا ؟ - كلا . . لقد تركته نائما مخمورا فى فراشه ولا ينتظر ان يفيق قبل عدة ساعات - حسنا ما زال امامك وقت كاف اذن للجلوس والتحدث معنا بعد الغياب الطويل لتعودى الى بيتك من غير ان يشعر بخروجك - لا ينتظر أن يصل القطار قبل ساعتين وهى تكفى على ما اعتقد لان ناكل ونشرب ونتحدث كما نشاء وساعود اكراما لك الى المنزل وليفعل الله بى ما يشاء .

- لقد اصبحنا نعيش بعدك يا ابنتى فى شبه عزلة عن الناس نقضى طوال اليوم فى المنزل ولا نخرج للنزهة او زيارة احد الا فى النادر القليل . لقد اصبحنا نعيش فى وحشة لم نعهدها من قبل . .

- ووالدى أما زال يعاوده المرض الذى يشكو منه ؟ - نعم انه يعاوده كثيرا وفي شدة بالغة حتى اصبحت حياته مهددة فى كل لحظة . . ادعى له يا ابنتى فهو ابوك على كل حال ولا يريد لك الا الخير والسعادة . .

- ولكن اسمحي لى يا اماه . . فلا تعجبني الطريقة التى يتبعها والدى فى عدم الاهتمام والعناية بصحته واستشارة الاطباء المختصين فى علاج هذا المرض الذي يشكو منه . .

- الواقع انه لم يقصر يا ابنتى في استشارة الاطباء ولكنهم نصحوا له بالتزام الهدوء والابتعاد عن كل ما يثير الاعصاب ، وهو يتعاطى الآن عددا غير قليل من الادوية والعقاقير الطبية . .

وكانتا منهمكتين فى الحديث عندما دق فجأة جرس الباب فهرعت الفتاة إلى الباب لترى من الطارق فاذا هى امام زوجها فانس وجها لوجه .

- فانس . . أهذا أنت . . ؟ - نعم وماذا فى ذلك ، لقد تفقدتك فى المنزل فلم اجدك فلم اشك في انك قد ذهبت لزيارة والديك . .

- آنا . . من هذا الطارق ؟ - انه زوجي فانس يا اماه ، جاء ليأخذنى معه الى المنزل بعدما عرف بسليقته اننى اتيت لزيارتكم . .

- اهلا فانس . . كيف الحال ؟ - على ما يرام يا عمتى . . كيف الاحوال اما زال عمى مريضا . . كيف حاله الآن ؟ - نعم ولكن هيا بنا جميعا اليه . فسنجده فى فراشه ، فقد نصح له الاطباء بالتزام الراحة والهدوء . . انه سيفرح بدون شك لقدومك ويرتاح الى لقائك . . - هيا بنا . .

اشترك في نشرتنا البريدية