.. واستمرت الجارة الطيبة فى زيارة (( تماضر )) يوما بعد يوم وكلما وجدت فرصة لذلك وخاصة أنها وجدت فيها خلقا نبيلا يتناسب مع ما كانت تطلبه وفى احدى زياراتها دخلت على صديقتها (( تماضر )) ولكنها وجدتها واجمة مصفرة الوجه محمرة العينين.
واندهشت بثينة لهذا المنظر . لقد تركتها فى الصباح وكلها بشر وسعادة .
وعندما رأت تماضر صديقتها بثينة أجهشت فى البكاء ووضعت وجهها بين راحتيها وراحت تنعى حظها العاثر فى هذه الحياة . فما كان من الصديقة الطيبة والأخت الفاضلة الا ان أسرعت ورفعت رأسها فى حنان وأخرجت منديلها وجففت أدمع((تماضر)) ونادت الخادم لتأتى لها بماء لتسقى (( تماضر )) وبعد أن شربت واستراحت بعض الوقت سألتها (( بثينة )) بلطف : ماذا يبكيك يا صديقتى ؟ أقرأت قصة تأثرت بها أم وصلك خبر حتم عليك البكاء ؟ أم ماذا ؟ أخبرينى بربك . لقد تركتك وأنت تقرئين قصة (( معركة الحياة )) وهى قصة لطيفة جميلة وما أظن أنها ستؤثر عليك بصورة تجعلك فى مثل هذه الحالة . أصغت تماضر إلى أسئلة صديقتها وقلبها يضرب ضربات متوالية . ثم شخصت ببصرها الى
صديقتها لتعرف مدى انفعال صديقتها وموقفها مما رأت . ولكنها سرت عندما وجدت الانفعال الصادق والعاطفة الصادقة واللسان الذى يعبر عما يكنه قلب مخلص وفى . عندئذ أنسلت (( تماضر )) من حضن صديقتها وجلست جلسة مريحة والتفتت الى صديقتها وابتسمت بسمة متكلفة .
وأعادت (( بثينة )) الاسئلة من جديد وعندما وصلت الى اسم ((معركة الحياة)) شهقت (( تماضر )) شهقة عالية وقالت: نعم هى معركة الحياة . فاندهشت (( بثينة )) لذلك وقالت لها : ماذا ؟ معركة الحياة ؟! ماذا فيها ؟ نعم هى مؤثرة لأنها تعبر عن شقاء الانسان فى هذه الارض ليحقق أمله العذب وهو الحياة السعيدة . ووالت ((تماضر)) تنهداتها وقالت : صديقتى (( بثينة )) انك ستعجبين وتدهشين عندما أقول لك أن لى قصة تضاهى هذه القصة هى حياتى وسلوكى منذ ولادتى حتى هذه اللحظة . ولكن (( بثينة ))قاطعتها قائلة : نعم أنت صادقة فى قولك كل الصدق ولا شك أن حياتنا وسلوكنا عبارة عن قصة طويلة هى معركة كل فرد فى هذه الارض . فحدجتها (( تماضر )) بنظرة قاسية ثم قالت لها : لست هذا أقصد اننى أفهم هذا ولو وقف الامر عند هذا الحد لكنت أول محطمة لما يجب ان يقوم به الانسان
فى مجابهة الصعاب . ولكنها معركة أخرى . انها معركة الحظ . الآن أيتها الصديقة سأقص عليك كل أمرى لتقعى على مدى القوة العصبية التى أتمتع بها :
(( لا اشك فى أنك تعلمين أن أبى ذو ثراء واسع وأموال طائلة ورياش وقصور وحدائق وخدم . فى هذه البيئة ولدت وكنت الوحيدة بين والدتى وأبى ولا شك أن وحدتى بينهما جعلتهما يحيطانى بالعناية التامة ويهيئان لى كل أسباب الراحة والرفاهية . وهكذا تربيت مرفهة منعمة بالاضافة إلى المعلومات التى آخذها على مربية خاصة من معلمات المدينة . عشت فى هذه البيئة المحوطة بالسرور والابتهاج والمرح . ومشت بى الايام ومرت بى السنون تباعا .
وعندما بلغت سن الزواج توافد الخطاب يطلبون يدى من أبى ولكن أبى كان يرفض كل أولئك الخطاب لأنه كان يرى أن كل المتقدمين ليسوا أهلا لأن يصاهروه ويكونوا قرناء حياتى - التى كان يريد أن تكون سعيدة - ذلك لأسباب عدة وربما كان أهمها أنهم أقل منه حظوة ومالا وجاها وكنت أنا فى نفس الوقت أرى السعادة ليست بكثرة المال والجاه والسلطان ولكنها بالتئام الشمل والتئام العقلية بيني وبين قرينى ولكن الحياء كان يكمم هذه الآراء ويجعلنى احتفظ بها فى عقلى الباطن . وكنت أخرجها واتصفحها على السرير . كنت أحلم بالرجل المثقف المتعلم . كنت أحلم بمن يضيف إلى علمى علما والى حياتى نعيما أكثر هو ازدواج الروحين لتكونا
روحا واحدة يصعب انفصامها . حتى إذا ما طلع الفجر طويت هذه الافكار العذبة . وكنت فى نفس الوقت أضيق ذرعا بكتمان هذه الآراء وكنت أجد فى حنان والدتى ملجأ )) ..
وهنا توقفت عن الكلام وصمت برهة تستعيد فيها ذكريات الصبا والمراهقة ثم عادت تقول : (( نعم كنت أجد فى حنان والدتى ملجأ للتفريج عن نفسى وما يحمله عقلى من أفكار فكنت أخبرها بما يكنه ضميرى .
وكنت أطلب منها - فى حياء وخجل - نقل هذه الآراء والأفكار الى والدى على أنها هى صاحبتها . وكانت تطمئن خاطرى بكلمات عذبة رقيقة حنون .
لقد كنت أترصد الفرص لاجتماع أبى مع والدتى لأسترق السمع . كنت أستمع الى والدتى وهى تنقل اليه أفكارى فى صورة كلام عادى كمن يوجه أفكارا جديدة لتوها . وكان موقف أبى دائما هو الضحكة الصفراء والكلمة المعتادة (( انى لا أزوجها الا لابن عمها وليس لها سواه )) وتخرج والدتى من حجرة أبى وقد خابت مساعيها ولكنها تحاول أن تطمئنى وأن تنعش أملى ولم تكن تدرى أننى قد سمعت ما حدث . وأخيرا فوضت الامر الى القدر . القدر وحده هو الذى يتصرف فى هذا الكون وفى حياتى ونهايتى ولكن للأسف - وهنا تتهدت - كان الحظ فى كفة أبى .
ونفذ فكرته بزواجى من ابن عمى .
ذلك الذى لا يعرف فى دنياه الا الدرهم ولا هم له الا الربح والخسارة وترويج البضاعة . لقد كنت أيتها الصديقة فى حيرة كبرى . أية علاقة ستصل
بينى وبينه ؟ وأية روابط ستمزجنا؟لا صلة الا صلة القرابة أما غيرها فلا .
ومكنت أعقد الآمال على صلة القرابة وانها ربما ساعدت على وجود التفاهم والتواد والالتئام . ومضت الأيام الاولى من حياتنا الزوجية وأنا سعيدة نوعا ما . ولكنى كنت فى نفس الوقت انظر الى المستقبل وأتساءل : هل ستصفو هذه السعادة وتستمر ؟
نعم ستصفو وتستمر ما دام الاحترام الشخصى المجرد عن أى عاطفة قائما بيننا وان كان يظهر بمظهر العطف والحنان . وكنت اتقبل هذا المظهر بشئ من الحذر لأنى لا أريد أن أنخدع بالسراب . ومرت الأيام تلو الأيام وهو يغدو ويروح بالتجارة واخيرا رغب فى السفر الى بلاد أخرى بعد وفاة والده حيث وجد أن مكسبه هناك سيكون أضخم مما لو مكث فى هذه المدينة وراودنى على السفر وكنت أتمنع . نعم كنت أتمنع لأنى لا أرى من العقل أن أثق فى فرد أو على الأصح زوج كل همه المال . أما العاطفة أما الاستقرار والالتفات الى الحياة الزوجية فلا وبالرغم من كل هذا طاوعته على السفر آملة أن يكون سفرى معه دعامة من دعامات الصــ والالتئام وقدمنا الى هذه البلدة ولكن مما ينغص على حياتى أيتها الأخت أن زوجي كان ولا يزال ينظر الى المرأة كقطعة من متاع وطالما قامت بينى وبينه منازعات وكان يقابلنى كأسد هائج متوحش . وكنت أحتال حتى أهدئ من حماسه . وفى نفس الوقت كنت وما زلت أكتسب خبرة بطبائع أرباب المال مطبقة فى ذلك أدق طرق
علم النفس . كان كثيرا ما يتهددنى بالطلاق وكان يمنعه عن السير فى طريقه شئ واحد هو القرابة .
كل أفعاله وكل جفائه هذا وأنا صابرة وكنت أظهر أمام الناس بمظهر المرأة المنعمة المرفهة . وما ان تعارف بالناس فى هذه المدينة واختلط بهم حتى فتح عليه باب جديد وانفتح على باب . سلك مسلكا سافلا كنت وما زلت أنحل من جرائه حتى أصبحت كما ترين . لقد جره أصحاب السوء الى مائدة القمار لينفق عليهم من خيراته وليسلبوا ما يملكه فى هذه الغربة .
انه يخرج فى الصباح وجيوبه مملوءة بالنقود ويرجع فى الظهيرة - ان استطاع ان يقوم عن المائدة - وليس معه الا بضعة دراهم واذا ما دخل صاح من الباب : أى تماضر ها قد كسبت اليوم ٩٠ ريالا وأنظر اليه نظرة كلها حسرة وحزن . وعندها تثور ثائرته لأننى لم أشاركه فرحته فى كسبه وربما لطمنى على وجهى وهو يقول : ما أجمدك من امرأة ! وأهرب من أمامه وقلب يتفتت حسرة وألما . أما هو فيبقى مدة وقته وهو يحسب خسارته ومكسبه ويخرج فى المساء ولا يرجع الا آخر الليل ويرمى بنفسه على السرير حتى الصباح .
هكذا درج منذ قدومنا هذه المدينة أما أنا فكل همى أفرغه فى المطالعة فى كتب أتحسس من يشتريها لى من المكتبة أو من الباعة أو فى كتابة بعض ما يعن لى من فيض الخاطر ومن احساس الضمير وعذاب الحياة .
وانتهت نقود زوجى وباع ما كان قد اشتراه من عمائر وضياع ثم التفت
الى البيت الآن يبيع منه لا لناكل ولكن ليشبع رغبته )) ..
وصمتت (( تماضر )) لتسترد انفاسها ثم نظرت الى (( بثينة )) وقالت لها متسائلة : أليست هذه معركة صعبة من معارك الحياة ؟ وواستها ((بثينة)) ببعض الكلمات ولكن ((تماضر)) عاودتها الذكريات ذكريات العز والرفاهية فى صغرها . وراحت تبكى بكاء مرا .
وكان موقفا صعبا بالنسبة لبثينة فبينما كانت ترفع رأسها وتواسيها واذا بزوج تماضر يصرخ من أول الزقاق لتفتح له الباب فقد رجع اليوم كاسبا ولكنه قهقه قهقهة عالية عندما وجد امراته بين أحضان (( بثينة )) وأردف قائلا (( يالضعفك أيتها المرأة وياللخبال كلما دخلت أو خرجت وجدتك قارئة فى كتاب أو مطرقة أو باكية . أما مكسبى وخسارتى فلا تهمك فى قليل أو كثير يا للحمق !
وانتبهت (( تماضر )) على صوته يجلجل فى الدار وسمعت كلماته الأخيرة فحاولت الجلوس واسندتها (( بثينة )) ونظرت الى زوجها وقالت تخاطب (( بثينة )) : هذه هى حياتنا ((تقريع وقمار وسباب وشتم وفقر)) ولكن زوجها لم يعر هذا الكلام أى اهتمام وأدار ظهره وغادر الغرفة وهو يهدر بكلمات يخفى بعضها ويظهر بعضها ، أما (( بثينة )) فقد أحست أن زوجها لا بد أن يكون حضر هو الآخر الى الدار فهذا وقت الغداء واستأذنت من (( تماضر )) وكلها أسى وحسرة على فراق صديقتها فى مثل هذا الوقت المحزن ولكن (( تماضر )) قدرت ظروفها العائلية وسمحت لها بالخروج
واستمرت الأيام تلو الأيام وتماضر فى نكد وهم متواليين مما سبب لها الضعف الجسمانى ومن ثم جعلها فريسة لمرض فتاك أليم . ولم تستسلم تماضر للمرض فقد حاولت ان تقضى عليه ببعض الوصفات البلدية ولكن قوة المرض والعوامل التى أحاطت بها أرغمتها على الرضوخ للمرض وليس هناك من يشفق ويعطف عليها سوى (( بثينة )) التى سخرها الله لها .كانت تسهر معها الليل وتأتيها ببعض اللبن لتروى ظماها وتملأ بطنها . ولم تزدها طول المدة الا داء ...
كانت تنظر الى الغرفة المظلمة السوداء فيرجع بصرها خاسئا وفى محاجر عينيها عبرة تنحدر على خدها المصفر فتمسحها بيدها الصفراء الذابلة ذات العروق الخضراء . لقد أوهن المرض عظمها وظهر الشيب فى مفارق شعرها . ولكن ملامح الجمال ومظاهر الترف والنعيم ما زالت تظهر من وراء عينيها الذابلتين وخديها الملصقين بصدغيها .كانت كل أوقاتها تقضيها فى عذاب المرض وفى تأملات الحياة الماضية المليئة بالمسرات فى أول نشأتها والمليئة بالنكد والألم فى وقتها الحاضر . أما زوجها فأصبح لا يرى للبيت طريقا يذهب الى غرامه القديم فيحزن له صحاب السوء ويؤوونه الى جانبهم وربما تصدق عليه أحدهم بلعبة بسيطة . أما الاكل والشرب فمن فضلات المطاعم ان سمح له أربابها ومن سبل الشوارع . أما البيت فكان يرى فيه البؤس والشقاء وكلما ما مر عليه ولى هاربا وكأن أشباحا من الشياطين تجرى وراءه .
وظلت (( تماضر )) تعانى مرضها القاسى الممض الأليم ..
وفى صبيحة يوم من أيام التعس وجدت نفسها وقد ضاقت بهذا المكث الطويل ووجدت من الواجب عليها أن تبدل مجرى حياتها وأن تخلق جوا خليق بها أن تتمتع به هى وحدها ذات القوة العصبية الجبارة والارادة الماضية . ووجدت فى نفسها قوة ورغبة لأن تخرج . نعم لتخرج من هذه الحياة البائسة وتبنى المستقبل الذى يتراقص امام عينيها يدعوها فتهفو نفسها اليه . وتعكزت بعكاز بجانبها ووضعت رداءها على رأسها وخرجت تتسند على الجدر . ووقفت عند باب الدار . لقد كان الزقاق عليها غريبا فهى منذ ثلاثة أشهر أو أكثر لم تنظر اليه ولم تره . ووقفت واجمة تتفحص معالم الطريق وفى نفس الوقت تفكر فى ملجأ لها من هذا الجب الوخيم . ولم تر ملجأ سوى بيت صديقتها وحملتها قدماها الواهنتان وهى ترتجف حتى وصلت الى بيت ((بثينة)) ومن حسن حظها أن وجدت صديقتها عند الباب تعتزم القدوم اليها .
وقابلتها ((بثينة)) بوجه طلق وتعكزت تماضر على عاتقها حتى أوصلتها الى حجرة الاستقبال وباركت لها هذه الخطوة ثم أردفت قائلة : (( انها الخطوة الاولى ان شاء الله فى طريق الصحة والعافية )) ..
وهزت تماضر رأسها وابتسمت ابتسامة كلها شحوب فقد ظهرت فى ابتسامتها أسنانها حتى الأضراس وجحظت عيناها وانكمشت جلدة خدها فبدت فى منظر مخيف جدا .
وصمت فترة طويلة كانت تستمع فيها الى دعوات صديقتها قليلا وتسرح فى أفكارها الخاصة التى تراودها بعض الوقت . لقد كانت تظهر على وجهها علائم ذات مغزى . وكانت تلوح بيديها . أما جبينها فقد تفصد عرقا وكأنما كانت تستنزل وحيا أو تبنى مستقبلا . ثم انتفضت انتفاضة عصبية . ونظرت الى ((بثينة)) وابتسمت ابتسامتها المخيفة وطلبت منها كوبا من الماء . وذهبت (( بثينة )) لتاتي بالماء ولكنها كانت تفكر فى نفس الوقت عن السر الذى يكمن وراء هذه الابتسامة وعن الأسباب التى جعلت تماضر تقوم بهذه الأعمال الجنونية من تلويح واشارة وتكشير وابتسام ولكنها فضلت الصمت على مفاتحتها وشربت تماضر الماء وبادرت صديقتها قائلة : (( اننى ذاهبة )) وكانت هذه الكلمة ذات وقع أليم فى نفس (( بثينة )) فان فتاة فى مثل هذا الضعف والمرض من الصعب عليها مشيى هذه المسافة الطويلة الى بيتها.
وفهمت (( تماضر ما يدور بخلد (( بثينة )) من خلال تعبيرات وجهها وعندها قالت : (( نعم انى ذاهبة لادخل معركة جديدة وأرجو أن يكون لى النصر )) وكان موقف (( بثينة )) موقفا سلبيا فلم تستطع الوقوف أمام رغبات صديقتها فقد عرفت فيها الاصرار وعرفت فيها أيضا سداد الفكرة وقوة الرأى ولذا لم تعارضها وانما قامت ولبست عباءتها ووضعت رداء ((تماضر)) على ظهرها وأسندتها حتى أوصلتها الى دارها ومكثت عندها حتى بعد الظهيرة ثم استاذنت لتذهب الى زوجها
بعد أن سقتها ما جاءت به من اللبن. ورجعت بثينة عصر ذلك اليوم لتزور صديقتها ولكن مفاجأة كانت تنتظرها هناك فهى لم تجد (( تماضر )) وانما وجدت حقيبتها مفتوحة وخلقا مبعثرة لقد اندهشت لهذه المفاجأة وأحست أن الارض تدور بها لأنها فرطت فى صديقتها ولم تتمهل لتقف على ما كانت تعتزمه (( تماضر )) وجلست على السرير المتداعى فى الحجرة المظلمة وبدأت تستعيد كل كلمة نطقت بها (( تماضر )) أثناء مكثها فى بيتها فتذكرت فى الحال قولها : (( انى ذاهبة لأدخل معركة جديدة )) عندئذ فهمت أن خروجها الآن معناه بدء تنفيذ الفكرة وعندها خرجت مهرولة من البيت لالتردها عن فكرتها ولكن لتشاركها فى اخراجها وجرت هنا وهناك فى الشوارع والأسواق ولكنها للأسف لم تجدها وذهبت أخيرا الى دارها لتستريح فقد أنهكها التعب ولكنها خرجت فى الليل الى دار (( تماضر )) علها تجدها ولكنها يئست من وجودها وعادت وقلبها يتفطر أسى وحسرة على فراق صديقتها ومضى على فراقها وفقدها لصديقتها شهر كامل ولم تسمع عنها خبرا .
وفى احدى الأمسيات طرق ساعى البريد الباب واذا برسالة وفتحتها بسرعة واذا هى من تماضر : (( عزيزتى بثينة . . .
أرجو أن يصلك هذا الجواب وأنت قريرة العين منعمة البال . لا أشك أيتها الصديقة فى صدق شعورك نحوى ولذا أحس بان انفصالنا كان شديد الوقع فى نفسك لأن انفصالنا معناه انفصال روحين امتزجنا وكونتا
وحدة متلازمة تحس باحساس واحد ونشعر بشعور واحد . ولكنى وانا التى لم اتقبل يوما الضيم وأنا التى كثيرا ما حدثتك عن آمالى وشعورى قمت اليوم بمشروع جديد . هذا المشروع أعدك مشاركة لى فيه وان كنت لم تشاركى بالفعل فى انجازه ولكنى مع ذلك أستمد العزم والتصميم من روحك التى أتمثلها شاخصة توحى الى بالقوة والسير فى طريق قويم . لقد فقدتنى يا صديقتى فى تلك الأمسية وأنا أيضا فقدتك فقد خرجت بعد خروجك ببرهة لانفذ المشروع الذى بدأت رسم خطوطه فى حجرتى المظلمة السوداء وكملته فى دارك العامرة ..
صديقتى : بعد أن خرجت من حجرتى قمت وأخذت بعض ما أحتفظ به من كتب وأثواب قديمة وخاتما ذهبيا وذهبت بها الى السوق وساعدنى الحظ وبعثها بثلاثين ريالا وكان المرض فى ذلك الوقت يهزأوتار أعصابى هزات عنيفة ولكنى لم استجب لهذه الضربات والهزات وقبضت على الريالات وقلبى يرقص فرحا لأنى رأيت فى بيع هذه الأسمال والقصاصات والخاتم نصرا للمشروع الجديد وهرولت الى الطبيب وأخذت بعض المسكنات مقابل ٢٥ ريالا دفعتها اليه وتبقى معى بعدئذ خمسة ريالات دفعت ثلاثة منها فى ركوب القطار الى بلدى . ركبت القطار وكان يتناوبنى شعوران : شعور بالفرقة وشعور بالفرحة بلقاء الوطن ومدارج الصبا وحياة الصغر وكان يبدد هذين الشعورين شعور بالانتصار على قوى
الشر التى تريد ان تفتك وتطيح بى ولكنى مع ذلك كنت انتهيت من المستقبل والخلاصة أننى كنت قلقة الفكر مختلطة الأحاسيس والشعور . ووصلت الى المدينة وواجهت فى المحطة شيخا كهلا كان يقوم بترتيب شئونى عندما كنت فى بيت العز والرفاهية. لقد عرفته من ملامح مدفونة وراء التجاعيد الكثيفة وسلمت عليه واستغرب منى انه لا يعرفنى وعرفته بنفسي وأننى ابنة ذلك الثرى الذى كان يشتغل عنده . وعندها انخرط فى بكاء وشهيق ووقفت مبهوتة أمام هذا المنظر . واستجمعت قواى وسألته : ما بالك أيها الشيخ ؟فطلب منى الجلوس وجلست ثم رفع رأسه وقال ونبرات صوته ترتجف ودموعه تذرف : أرجو الله يا بنيتى أن تكونى خلفا صالحا لرجل طيب وأم صالحة فارقا الحياة منذ شهور وقلبهما معلق بك .. وبدأ يقص على أحوالهما بعد سفرى وكيف أن والدى ندم على فعلته وخاصة فى أيامه الأخيرة عندما وصله طرف من أخبار حياتى مع زوجى . وفى الحقيقة أيتها الأخت أن العاطفة تغلبت على وذرفت عيناى بعض دمعات ولكنى ضغطت على أعصابى ومسحت أدمعى . وأخذت الرجل وركبنا عربة أوصلتنا إلى الدار وطرقت الباب واذا بى أقابل بولولة وصياح من الجوارى والخدم بعد معرفتهم لى ولكنى ربطت جأشى أمام هذا الموقف أيضا وطلبت منهم السكوت . وبعدها حاولت أن أعرف الاموال التى تركها والدى وكلفت رجلا كان يثق فيه أبى ليقر لى بيانات
بما يملكه والدى من ثروة متبقية وفعلا قدم هذه البيانات الجامعة لألوف الريالات وجملة من العمارات والبساتين كما أننى فى نفس الوقت وضعت نفسى تحت رعاية طبيب نطاسى مشهور فى بلادنا وعولجت على يده والآن تم لى الشفاء والحمد لله .
ولكنى مع كل هذا لم أصل الى الغرض وكنت أرى من واجبى أن أقوم بواجب انسانى آخر هو انتشال زوجى من الهوة السحيقة التى رمته فيها عقليته الجامدة والتى رماه فيها غروره وطفرته وأرسلت فى طلب زوجى وجاء الى بيتى وكان لقاء عجيبا لقد كان موقفه موقف الخجل المتمسكن وكان موقفى موقف المرأة التى تحمل بين جنبيها قلبا جريئا ولكنه حنون أيضا . لقد رددت فى أذنه قولى :
(( لقد كنت من المشجعين الأوائل خوض هذه المعركة )) وعندها تمتم ببضع كلمات فهمت منها توبته من رعونته الوحشية ومن مسالكه الوبيلة ولكنى مع ذلك حاولت أن أزيل الفوارق التى خلقتها الظروف وخلقتها أنا نفسى لأقول له : ان المرأة ليست من سقط المتاع وأن المرأة اذا أرادت فعلت وأن لها أعصابا فولاذية قوية والآن أستطيع أن اقول وكلى فخر واعجاب أننى استطعت أن أثبت لك ما قلته فى أيام سابقة (( أننى أتمتع بقوة عصبية فائقة )) . والآن أرجو لك حياة سعيدة فى ظل زوجك العطوف .. والى القاء ..

