قصة قصيرة، توبه

Share

( يا ايها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) قرآن كريم

ارتفع صوت المؤذن يكبر ويدعو الناس لصلاة الفجر وقد شمل البلدة السكون العجيب الذي يلف الكون آخر الليل وبدا النائمون يفيقون ويسارعون الى نداء ربهم . . وتململ عباس فى فراشه ورفع رأسه المتثاقل وحاول النهوض فخذلته قواه واستيقظت زوجته فراحت تساعده على النهوض دون جدوى . . كان منهوك الجسم مخدر الحواس مضطرب الاعصاب اثر

ليلة حمراء قضاها مع بعض الرفاق وجاءته زوجه بالماء البارد ترش به وجهه واطرافه ولكن الرجل كان محطما وارادت المرأة ان تتكلم وتثور ثم آثرت الصمت اذ لم تجد أية فائدة لانها ثارث اكثر من مائة مرة فلم تجد استجابة من زوجها فاقتنعت بالصبر والرضى بحياتها مؤثرة العيش مع أولادها الستة تدعو الله ليلها ونهارها ان يتوب على زوجها ويهديه فيعود الى سيرته الاول من الاستقامة والتقوى قبل ان تتحطم البقية الباقية من شبابه وتفني الصبابة اليسيرة من ماله . . فيضيع مستقبل اولاده ويصبحوا عالة على المجتمع وضحية اب مأفون مخدوع

ولد عباس فى بيت عز وترف وترا فنشأ مدللا منعما موفور السعادة لانه وحيد ابويه رزقا به بعد صبر وامل وانتظار ، وحرص ابوه على تنشأته افضل نشأة وتربيته احسن تربية ، فعلمه وخصه بكل عنايته وحنانه فلما يفع ارسله ليكمل تعليمه خارج القطر فعاد بعد ذلك فتى ملء العين والقلب علما وخلقا وفضلا . . عاد ليعمل فى متجر الاب الطيب النبيل فلما  تمرس

واستوى عوده وظهرت بوادر نشاطه سلمة المتجر ومنحه ثقته الكاملة واخلد الى الراحة لانه بلغ سن الشيخوخة ، وجاهد في ميدان الحياة ما وسعه الجهد والكفاح . . ومر عام وازدهرت اعمال المتجر بما اضافه الشاب اليه من مشروعات . . ورأى الوالد ان يكافئه فزوجه من اكرم اسر البلدة . . وعاش عباس مع زوجه سعيدا وتوجت سعادته بغلام وآخر . . وكان مثال الاستقامة وسمو الاخلاق فاصبح محبوبا من الجميع . .

مرت سبعة اعوام توفى بعدها والد عباس تاركا له جميع ثروته بعد ان اوصاه ان يستمر على خطته وان يكون الرجل كل الرجل وان يكون بارا بامه

وزوجه واولاده فقطع له العهد بذلك لكن الحياة لا تدوم على حال والدهر قلب من شأنه ان لا يترك السعيد آمنا والدنيا من طبعها التغيير والتبديل لانها دار شقاء وعناء . .

عامان بعد وفاة الوالد وعباس يمضي سيرته الاولى ثم حدث ما غير حياته وقلبها رأسا على عقب فقد دعاه بعض زملائه للنزهة وقضاء ليلة معهم خارج البلدة وما كان من طبعه ان يبرح الدار فاستشار امه فأذننت له ليروح عن نفسه من عناء العمل المرهق والجهد المتواصل . .

وسمر الرفاق وطربوا . . وجاء الى عباس ثلاثة من اصدقائه القدامى فاختلوا به وزينوا له ان يشرب معهم قال : ما اشرب . . قالوا : شئ جميل ينسيك متاعبك وهمومك وآلامك ويجعلك تشعر بالنشاط والقوة . . وما زالوا به يحسنون له الامر حتى شرب الكأس الاولى ثم اندفع بعدها يطلب اليهم ان يزيدوه وماكاد ينتصف الليل حتى امسى صاحبنا ثملا يترنح ويرقص ويصفقق . .

عاد عباس الى بيته في الصباح متعبا مكدود الجسم والفكر فنام حتى المساء واستيقظ وكان أول همه ان يبحث عن كأس فارسل يستدعي اصدقاءه وسرعان ما جاؤوه وهيؤوا في احدى غرف الدار خلوة لم يخرجوا منها الا مع انتصاف الليل يترنحون ويصخبون

ومرت تسعة اعوام ادمن خلالها صاحبنا الخمر فساءت صحته وتغيرت حاله واضطربت ثروته ثم اخذت تتدهور حتى تلاشت او كادت ، .

عجزت امه عن نصحه فتركت حاله للقدر حتى لاقت وجه ربها وهي تدعو له بالتوبة وعجز الخلق من صحبه عن رده فتركوه وعجزت زوجه معه فآثرت السكوت والرضى بحكم القدر

اصبح عباس ذلك الشاب المحبوب الطيب شابا منبوذا سئ الخلق . . . لكن هناك لحظات كان يفيق فيها الى نفسه فيثور على حاله ويقسم ان يتوب ثم لا يلبث ان ينسى التوبة وكل فضائل الحياة حين تثور به الرغبة الجامحة الى النشوة فيمضى مع قرناء السوء عابثا بكل سنن وقوانين الحياة

ولكن الله وهو رحيم اراد له الخير آخر الامر فقد اصبح يرى فى منامه والده تارة ووالدته تارة في صورة يتجلى فيها الغضب والالم فراح يلوم نفسه ويهزأ بارادته ان تستمر على وضع يمقته كل الناس . .

قالت زوجة عباس لزوجها : قم يارجل لقد خرج الناس من صلاة الفجر الا تريد ان تصليه ولو قضاء قال : بلى وهو يتوضأ فاذا المذياع بدار الجيران يرتفع منه صوت مقرىء حنون يرتل قوله تعالى ( يا أيها الذين امنوا لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) فنكص على عقبيه وقال لزوجه : ويحك أنا لا اعلم ما اقول . . قالت : الم يكن حسبك ؟ الا تتقى الله ؟ . . واصابت الرجل رعدة وسقط على الارض وهو يقول : توبة . . توبة لن انكص هذه المرة يارب . .

وقبل الله توبته ورد اليه الحياة ناضرة ناعمة في ظلال التقوى والايمان

اشترك في نشرتنا البريدية