قصة من صميم الحياة, يا رب !!

Share
قصة من صميم الحياة, يا رب !!

ولج يهبط المنحدر من جبل الفلق حتى انتهى الى بيت الشيخ البنانى ، فلمح الشيخ يتكفأ فى لحيته الوقور مستندا على عصاه الغليظة وسمعه يترنم . . " الهى اصبحت أشهدك واشهد ملائكتك بانك أنت الله " . . فكان لترنيمه صدى لمس شغاف فؤاده " الهي اصبحت اشهدك واشهد ملائكتك بانك انت الله "

ومضت به الجادة هينة إلى قرارة المرحي ( برحة القرارة ) فلاحت له خيوط الفجر تلمع فيما يحاذى جبل ابى قبيس وترسل اشعتها على سطوح المنازل المتزاحمة على اكتاف الروابى المحيطة بالقرارة وصافح اذنه صوت المؤذن يرسل ترتيله فى صوت شجى فندت عن صدره آهة مكتومة ( يارب )

كان نداء حارا أودعه كل آلامه ، وترك نفسه تسيل فى جرسه صاعدة الى مولاه فى تبتل ورجاء ( يارب )

كان شابا ضاقت به الحاجة . . . واصطلحت عليه اسباب الفقر وفاجأ المخاض زوجه المسكين . . فلم يجد فى بيته ما يوقد به ذبالة فترك زوجه لعناية امه العجوز وانتقل هاربا يشكو الى الله فى اهات صادرة من قلب كسير . .

واسلمه الطريق الى باب ( الدريبة ) بالمسجد فرأى خطواته تسبقه الى مزدحم الحجاج في بئر زمزم فما كاد يخطو الى بابه حتى لمس رجله شىء ثقيل ما كاد يتناوله حتى تبين فيه ( حافظة ) محشوة بأوراق النقد ، فامتدت بها يده الى جيبه فى حركة لاشعورية . .

ولم تمض ثوان حتى راعه صوت حاج يصرخ فى توجع باحثا عن حافظته ورآه يلطم خديه بكلتا يديه ، واخذت الشفقة سبيلها الى قلبه ورأى نفسه متقدما الى الحاج ليسلمه المحفظة .

تسلم الحاج محفظته فى لهفة الملتاع ثم نظر اليه فى عين شامتة وربت على كتفه فى استصغار ثم اداره الى الطريق كمن يدله على سبيله فيها دون ان يجزيه درهما او يكافئه بشكر . .

فدلف الى مصلاه فى المسجد بانكسار ثم عاد الى بيته يحمل على هامه نصف احزان الارض ، فما انتهى الى البيت حتى اشرف عليه من نافذته قريب له كان يعرف مدى غناه الواسع وعطفه الرقيق ثم دخل الى البيت فعلم ان قريبه هبط الساعة من سفر طويل وانه رأى ضيقهم فامدهم بما يفيض

عن حاجتهم اضعافا ، فندت عن صدره آهته المتكومة " يا رب "

واخذت شهور العام برقاب بعضها حتى انتدبه قريبه فى مهمة له تجارية الى بلاد الشرق الاوسط فمضى فيما انتدب له حتى خط رحله فى احدى الليالى في بلدة لا يعرف فيها أحدا . . وانه لفي طريقه الى احد الفنادق اذ صادفه مسجد فتذكر انه لم يؤد مكتوبة العشاء الاخيرة ، فتأبط حقيبته ومضى الى المسجد وكان قد غادره المصلون الا شخصين كانا يتناجيان فى همس الى جوار احد سواريه فخطا نحو القبلة وشرع يصلى . .

ويبدو ان خشوعه فى صلاته لفت انظار المتهامسين بجانب السارية اليه لانه ما كاد يسلم من صلاته حتى تقدم احدهما اليه فى تودد وبدأ يخاطبه فى صوت رقيق :

- هل حضرتكم غريب عن البلد ؟

- نعم . .

- ان نفسينا تفتحت لشخصكم أول ما رأيناكم ، وقد تجلت امامنا في صلاتكم روح الرجل الورع ، لهذا رأينا ان نفاتحكم فى أمر ذي بال ليس من السهل ان نفاتح به الا رجلا من الصالحين أمثالكم ، ماقولكم فى عروس نجليها لكم الليلة لتدخلوا عليها بكتاب شرعى حتى اذا اخذتم منها ما يأخذ الرجل من المرأة طلقتموها عند الصباح وغادرتم البلاد بعد ان ننقدكم جعلا يرضكم . . ؟ !

أدهشته المفاجأة وبدا على محياه عجزه عن فهم الغرض منها ، فاوضح الرجل الرقيق له فى صراحة ما خفي من الموضوع وقال :

ان صديقى هذا الذي تراه وقع عليه يمين بات من زوجه . . واننا نرجو حل الاشكال عندك فى عقد شرعى يتيح لك من المرأة ما يحللها فى نظرنا لزوجها الاول .

استبان الامر لصاحبنا وعلم انه سيؤجر للجالس بجوارهما فى استعارة مؤقتة فكبر عليه الامر ، ولكنه ما كاد يرفع رأسه ليعلن الرفض حتى حانت منه التفاتة الى الرجل الجالس عرف فيها صاحبه الحاج بالامس بطل المحفظة في بئر زمزم وتذكر عينه الشامتة وهو يربت على كتفه فى استصغار ويديره الى الطريق كمن يدله على سبيله فيها دون جزاء ولا شكر . .

تذكر هذا وايقن ان الرجل لم يعرفه ، فتذكر المأساة بجميع آلامها فعول على أن يعمل شيئا . .

وقبل ان تبزغ تباشير الصباح كان عملاؤه بالامس يستصرخونه لينجز الطلاق الذي وعد البارحة . . فخطا فى هدوء إلى صاحبه الحاج ثم نظر اليه فى عين شامتة وربت على كتفه فى استصغار ثم اداره الى الطريق كمن يدله على سبيله فيها . . وهو يضيف : انها زوجي يا صاح وليس من العقل ان تطلباني طلاق زوجي !!

اشترك في نشرتنا البريدية