قصيدة وواقع وشاعر

Share

الاستاذ السيد محمد السنوسى من  الاستاذ السيد محمد السنوسى من الشعراء الذائعي الصيت النابهي الذكر ولست هنا بسبيل الحديث عنه او الترجمة

له فهو والقراء فى غني عن ذلك ، ولكنني هنا بصدد الحديث عن قصيدة له . ساحاول  ان استعرضها وأقارنها بالواقع الذي اعرفه  شخصيا . وقد يتساءل القارىء لماذا  اخترت هذه القصيدة بالذات من بين  عشرات القصائد . التى حفل بها ديوانه " القلائد " فأقول انها القصيدة التى لها فى  نفسي اصداء خاصة وأنا لا اكتب الا عما  يتجاوب فى اعماق جنبات نفسى . يتفاعل  ويضطرم . فيتمخض عنه ما اكتب - على  قلته - لأننى هاو ، ولست بمحترف ، وان  كنت الآن شبه محترف . بحكم عملي اخيرا  فى بلاط صاحبة الجلالة " الصحافة " وفى  مجلة الجزيرة بالذات " سكرتيرا لتحريرها "  أقول سأعرض لهذه القصيدة وأقرن كل  بيت منها بواقعه ، وان كان فى اخضاع  الشعر للواقع المحض المجرد ما يفقده رواءه  وبهجته . والقصيدة هي . الجنوب الخصيب " هذه القصيدة قرأتها مرات قليلة فاستظهرتها  غيبا . ومطلعها

اهبت بهما فلبتني طرابا

قواف كالسلاف صفا وذابا  

واسترسل الشاعر فى هذا الروى والمعنى  الى ان قال

عصارة مهجة وجنى يراع

خصيب كالجنوب زكي وطابا

ولعل من تحصيل الحاصل وفضول  القول ان نتحدث عن خصب " الجنوب "  - مقاطعة جازان - حديثا ، والمخلاف السليماني قديما وأوديته ومعاميله   الزراعية المترامية الاطراف وتربته الرخوة  ومناخه الجميل وطبيعته الرائعة الجذابة  وموقعه " الاستراتيجي " الهام ، ونجي  الشعر :

ويا وطني وانت ولا اغالي

نجى الشعر شطآنا وغابا

قرات على شواطئك القوافى

محبرة تفيض بها عبابا

فأما الشواطئ فللقارئ الكريم ان  يعرف ان هناك جنوب مدينة جازان العامرة  الرابضة على شاطئ البحر الاحمر سلسلة  كثبان رعلية ناصعة البياض ناعمة الملمس  تنكسر عليها امواج البحر تردد صدى  حلو وانغاما عذابا "

تنام على جوانبه الروابي .

معطرة مخدرة كعابا

كعا -

وهذه الروابي المعطرة المحدرة هي منتدى الطبقة المترفة الشاعرة فى جازان تماما  كالعقيق فى المدينة المنورة بزمانه وهناك  بين الروابي القوز الشهير : " قوز الشويعر  يرتاده من ضمن من يرتاده عقب كل صلاة عصر . الشاعر السنوسى نفسه وسواه من

الشخصيات البارزة فى جازان ، وغالبا ما يكون وجودهم هنالك حين يكون الوقت  اصيلا تتهيأ فيه الشمس للوجوب او  الغروب ، وتنعكس أشعة " اخت يوشع على  صفحة البحر فيجتمع من منظرها كذلك ومن منظر البحر والشجر والروابي المعطرة  والهواء الطلق صورة شاعرية رائعة تتجلى  فيها الطبيعة كاروع ما يمكن ان يكون فى  سحرها وجاذبيتها . ثم كيف لا يكون  السنوسي شاعرا مع كل هذا ؟ ! ونعود الى  البحر والرواسي التى تغفو فوق ضفته :

وتغفو فوق ضفته الرواسي

نواهد عز خاطبها وغابا

- اما انها تغفو فلا اعرف ولكنني اعلم  ان هناك فوق الضفة الجبال الرواسي في  ثبات خالد بالرغم من اعتداء المواطنين عليها  للبناء بالحجر ، وأما انها نواهد عز خاطبها  غابا . فلله السنوسى أى شاعر هو ، و :

تضم صدورها اغلي الاماني

واحلاها واكرمها رغابا

عذارى  لم يفض لهن ختم

ولا كشف النقاب لها نقابا

أى ان هذه الرواسي الشامخة الخالدة " النواهد " تضم في صدورها اغلي واكرم  الأمانى ان تشهد نفسها يوما وقد غلفها  دخان المصانع يتصاعد الى عنان السماء  ليراها الشاعر تحقيقا لأمنيته

فهل لى ان اراك وقد تجلت

بك الاحلام رائعة عجابا

وقد شغلت مصانعك العطالى

وقد ملئت مزارعك العيابا

ولكن يبدو ان السنوسي قد اسرف كثيرا  فى هذه الاماني متأثرا بأسلوب الشعراء  ولكنها على اية حال :

مني ان تكن حقا تكن احسن المنى

والا فقد عشنا بها زمنا رغدا

وبعد ان يسمح الشاعر لنفسه بكل هذه  الاحلام والأماني دون الاستئذان من واقع  الامر ، يناجى بلاده او هو يخاطب الرواسي  . النواهد " :

رايتك والوفود عليك تترى

باجنحة تزف بها اصطخابا

حوائم كالطيور وردن نبعا

فاسرع سربها وجرى غلابا

تدافع بالقوادم والخوافي

وتقتحم الشوامخ والهضابا  

ترنق تارة وتسف اخرى

يكاد يمس جؤجؤها الترابا

يالله ! ان العزف على هذا الوتر  الرنان لا يجيده ادعياء التجديد   والا  فليقل لي انسان : هل سبق السنوسي  أى شاعر فى طول الدنيا والعرض الى هذه  المعاني بالذات والى هذه الخصوبة فى  الشاعرية . انها الشاعرية الحقة والخيال  المجنح والأسلوب السلس والاطلاع الواسع  هيأت لنا هذه المعانى فى حلة " سنوسية "  قشيبة وشنفت آذاننا بهذه الانغام المنسابة  فى ايقاع موسيقى محكم رنان

ونعود لذكرى الوفود :

وحق لها وقد وردت ورادت

ثرى خصبا واودية رحابا

إذا لمع البريق على سماها

جرى الوادى وسال بها شعايا

وان رعد السحاب على ذراها

سرى الحادي يهز بها الركابا

و كانى بالمواطن . الجازانى المزارع قد  وقف ينظر سرفا إلى   الجبال والرعد يعصف والمطر ينهمر ويصب فى الشعاب النى ستضافر بدورها وتصب فى مسيل  واحد هو الوادى ، فيندفع بسرعة جارفة

ارتفاع ماء السيول فى العالم .

وكأني بالمزارعين وقد وقفوا خارج القرى  يحملون " المساحى " ويتشممون رائحة  السيل : " امخيان ويصغون لخريره فاذا  ما تأكدوا من قدومه اندفعوا سراعا الى السد  " العقم " ) ١ ( العمومي يحمونه ما أمكن من  جبروت المسيل وطغيانه حتى اذا ما اخذ الماء في الاتجاه الذي ارادوه له تبعوه  وصرفوه كما شاءوا الى " المساقاة " من  ارض لارض فى مساحات شاسعة . ومتى  سقيت وحرثوها وبذروها بطرقهم البدائية   جدا " يغل الفصل اربعة نصابا " اى اربع  مرات

حقول خصبة وثرى غني

يغل الفصل  اربعة نصابا

يد لله خص بها بلادى  

فسبحان الذي اعطى وحابي

فكيف إذا اقيم السد حصنا

يصد الجدب عنها والخرابا

ولكن السد ايها الشاعر فى واد واحد  لا يكفى والأودية غيره كثيرة وكبيرة .  ونراك قد   اقتصدت فى الأمانى ، لست ادرى لماذا ؟ لعلك قد اقتنعت بان الامانى  الممعنة عرضة للوأد ، او انك ادركت ان   وزارة الزراعة تضيق ذرعا بأحلام الشعراء  وأمانيهم فخففت الوطأة " يا ضيعة المنى ؟ "

وبعد فهذا فهذا عرض وتحليل لقصيدة وطنية رائعة حاولت جهدى ان أوجز ، وأن ابرزها  فى الاطار اللائق فضعت بين ذلك ، وأرجو  ان اكون قد وفقت بجهد المقل والف  تحية للشاعر السلفى " ! ؟ " المجدد . تصحبها  ألف ) ٠٠٠ ( لادعياء التجديد الذين يقرعون  اسماعنا بالهذيان .

اشترك في نشرتنا البريدية