فى حديث من احاديث " الأوعية والغلال " كنت اذعته من قبل بما يزيد عن شهرين كنت تحدثت عن هذا السيل الجارف من الكتب المترجمة الى اللغة العربية عن اسرائيل . نقدا ومدحا . وتعليقا وشرحا . وانصب حديثي ذياك على أربعة من هذه الكتب ترجمت كلها في المدة الاخيرة الى اللغة العربية وكان آخرها كتاب
( هذه هي الصهيونية ) وقد ايدت في حديثي ذلك ما اشعر به من قلق فكرى وعدم اطمئنان الى دقة ما يعرض علينا من وراء شاشة هذه المؤلفات . ودعوت دعوة صريحة سافرة إلى تفليتها وتحليلها على ضوء مصلحة العرب لا اسرائيل واعادتها الى عناصرها الحقة . فان نسيجها خليط براق
مضطرب . ومصطنع . ولا يستبعد ان يكون فنا جديدا وطرازا حديثا من الوان الدعاية المستترة والسافرة كيما تدخل على ادمغتنا من طريق مباشر بعد ان كانت تدخل اليها من طريق . غير مباشر .
وقد دعوت جهارا بأن تفحص هذه المؤلفات فحصا دقيقا من قبل خبرائنا اللامعين . حتى لا تؤخذ بها على غرة
وان نغربل مافيها من صحيح وزيف . وأغلوطات . ودعايات . وتشويهات للحقائق او اقرار لها . حتى نستفيد من كل عنصر من هذه العناصر على حدة . خشية من ان يطرق ابوابنا وفى عقر ديارنا شئ من سموم الدعاية الصهيونية المتقنة الماكرة .
فتأخذ سيلها إلى تخديرنا تجاه الحقائق اذ تجعل لنا النور ظلاما والظلام نورا واذ تحيل الاسود أبيض والابيض اسود فاذا جاء أوان الجد عميت علينا الطرق وخبطنا خبط عشواء في ليلة ظلماء . فكان لها بذلك ما تريده اسرائيل منا . من بلبلة تفكير . واضطراب
خطط . والتواء مقاصد واذ ذاك لاقدر الله تضرب ضربتها القاضية وتقبل على الفرصة الانتهازية نتيجة استغفالنا . عن الفحص الدقيق وعدم تمييزنا للصدق من الكذب . والخطا من الصواب .
ومما قلته في حديث الكتب : " ان علينا ان نأخذ بتحفظ وحذر جميع ما يترجم وينشر لنا عن الصهيونية . فلا ناخذ جميع ما ينشر عنها على انه قضايا مسلمة وواقع ملموس . فان الصهيونية كالاخبوط . واليهود
اشد الناس عداوة لنا . واشدهم مكرا ونفاقا وخداعا . ولهذا كله اصبح لزاما علينا ان ندقق فيما يكتبونه لنا عن انفسهم . وفيما يكتبه انصارهم وخصومهم على السواء . فلعل فيما يكتبونه حقائق مدسوسة بين السطور
ولعل خليطا من الحقائق الهمامة يوردونها مقلوبة لنا . عن شؤونهم وشجونهم ودويلتهم ومقدماتها ونتائجها . ولعل زيفا معكوسا أو غير معكوس . يقدم الينا على اطباق هذه الكتب لنضل الطريق القويم ولنمضى في متاهة عمياء الى الابد) .
وبعد فهذا ما كنت تحدثت به عن هذه البضاعة الجديدة الواردة الينامن الكتب تحدثت بذلك في أواخر شهر شعبان الماضي . ويأبى الله الا ان يكشف من صدق ما تفرسته فقد صدر أخيرا عدد رمضان ٧٣ ه من مجلة الاديب اللبنانية . وفيه كلمة تحليلية لكتاب ( هذه هي الصهيونية ) ولا بأس من ان نورد بعض فقرات من تلك الكلمة القيمة هنا . قال الكاتب لافض فوه بعد أن كشف عن عدة مغالط في الكتاب :
( ويذكر المؤلف على لسان المرحوم شكرى ابي غانم . تصريحا مدسسوسا عليه وهو انه قال في ١٣ فبراير ١٩١٩ م بوصفه رئيسا للوفد السورى . انه يوافق على الهجرة اليهودية الى فلسطين وان يقيم اليهود فيها حكما ذاتيا على
صورة اتحاد فدرالى مع سوريا ) وانا أقول هنا تعليقا لا شك ان هذا الدس على احد رجالات العروبة الذاهبين هو من الوان الدعاية العميقة الخبيئة فى البلاد العربية ففيها تشكيك لنا بالموقف الحق الذى وقفه العرب اجمع من عدم اقرار اسرائيل على تكوين دويلتهم فى أعز جزء عربي وبقلب بلاد العرب
وبعد فاني لا ازال عند رأيي الذي جاهرت به فى حديثي عن الكتب الصهيونية وكل ما ينشر عنها مدحا او قدحا . ويتمثل ذلك الرأى فى ضرورة تأليف لجان واعية من مثقفى العروبة في كل قطر من اقطارهم
مهمتها البحث فى هذه الكتب وفحصها وتدقيقها ونشر زائفها على العالم . فاما الحقائق الكامنة فيها فتخبأ لصالح العرب الى الوقت المناسب عندما يجيء وقت الانتقام والأخذ بالثار . . فليس كالعلم باسرار العدو ومواطن قوته وضعفه
عاملا على تقويض أوتاده ان فى السلم أو فى الحرب ولذلك طالما عنيت الدول قديما وحديثا بدوائر الاستخبارات ورجالها . ولنا في حديث ( نعيم ) الصحابي الجليل الذي خذل الله بوساطته الاحزاب حينما ازمع المشركون والبهود القضاء على الاسلام بالمدينة اكبر دليل وأعظم برهان . .
