كلام .. فى اللغة

Share

ما اكثر ما تطالعنا به الصحف الادبية فى هذه الآونة ، من كلام حول اللغة العربية الفصحى ، واصحاب هذا الكلام مجادلون , ثائرون متفلسفون .. ! يجادلون بدون خلاف ! ويثورون ثورة ليس لها سوى صوت الرحى ..

هذه اللغة العربية الفصحى ، هى أصل جدالهم ، وهى مدعاة ثورتهم ، وهى أيضا مدار فلسفتهم ونظرياتهم (( التطورية ))

ويزعمون أنهم يعملون على تطور لغتنا هذه تطورا يتناسب وهذا العصر ويزعمون انهم داعون جادون فى سبيل تيسير الكتابة تيسيرا لا يقلق بال النشء ، ولا ينفره من تلقيه دروسها المعقدة النحو المملة الشرح ، العسيرة الافهام ، وعلى رأس قائمة هذه الفئة (( التطورية )) الدكتور طه حسين

فمنذ شهور (( طبلت وزمرت )) احدى الصحف المصرية وأعلنت بخط كبير بارز فى أعلى صفحاتها الاولى عن (( اختراع )) طه حسين فى اللغة ، ثم نشرت له فى عدد لاحق مقالا على النهج الذى خيل له انه انما بلغ به درجات السمو نحو تبسيط الكتابة والقراءة ، أو تطور اللغة العربية .. فكتب (( مصطفا )) بدل (( مصطفى )) و(( علا )) بدل (( على )) وهكذا ، كما حاول من قبله (( يوسف السباعى )) أن يسمم أفكار النشء ، فكتب (( أكلو ))

بدل (( أكلوا )) و(( تفضلو )) بدل (( تفضلوا )) وطالب بجر (( فاطمة )) وما اليها ، وكأن ذلك من الصعب جدا تفهمه على النشء ، بل وكأن المشكلة هى مشكلة فتح ((يوسف)) أو (( كسره)) أو كأنها فى حذف ألف كما مر .

ان الجدل حول اللغة العربية ليس جديدا ، بل لقد نادى به كثيرون فى أوائل هذا القرن ، ولكنهم لم يفلحوا اذ لم يجدوا لفلسفاتهم آذانا صاغية فذهب كلامهم وجدلهم مع الريح ،

واليوم ، يعود هذا الجدل وهذه الفلسفات ، ويتزعم ذلك الدكتور طه حسين ، ولا اظن الدافع غير سبب واحد هو أن الدكتور طه ، أغلب الظن أنه قد أفلس أدبيا ، فطفق يبحث عن مجال آخر يدعم به مركزه - كعميد للادب العربى - فعثر على (( لغتنا )) الآمنة المطمئنة ، فأراد أن يثير حولها الشكوك والمنازعات ، لعله فى ذلك يضمن استمرار وجوده أو على الاصح استمرار شعور قارئى العربية بوجوده وعبقريته .. ولو على حساب اللغة .

نحن نعرف جيدا من هو طه حسين أو لقد عرفنا هو ، الى تلك الايام الغابرة التى كان يسعى فيها نحو التهام اللغة العربية ، والتشبع من نحوها (( المعقد )) القاسى ! .. نحن نعرف كل هذا ، ونعرف اكثر من هذا .. نعرف كيف ان هذه اللغة التى يحاربها اليوم انما هى العمود الفقرى بالنسبة

لذلك (( الصبى )) الذى ما اكثر ما تردد الى الازهر الشريف ، فقط لتلقى دروس لغة اهلته لان يصبح اليوم عميدا للادب الذى يكتب بها ، وان كانت محاربة طه حسين للغة واضحة بشكل غير مباشر ، الا أننا ندرك تمام الادراك ان ما يدعو اليه انما هو محاولة بدائية لهدم كيان هذه اللغة ، وربما مع الزمن ، سيدعو - كما دعا رجال تركيا من قبله - الى ابدال الحرف العربى بحرف آخر .. اللاتينى مثلا .. تمشيا مع (( التطور )) .

يقول طه حسين فى محاضرته التى القيت فى شهر اكتوبر الماضى فى مؤتمر المجامع العلمية العربية الذى عقد فى مدينة دمشق ما نصه حرفيا :

(( إذا استقصينا أمر اللغة العربية فى الاقطار العربية الاخرى ، فسنرى أن أكثر الذين يقرأون ويكتبون لا يستطيعون أن يقيموا ألسنتهم بهذه اللغة الفصحى ، وسنرى شرا من هذا سنرى كثيرا من الشباب فى غير قطر من الاقطار العربية يفكرون ويعلنون ان هذه اللغة أصبحت عاجزة عن أن تساير الحياة الحديثة ، ويفكرون ويعلنون أن هذه اللغة أصبحت عاجزة عن أن تعرب عن ذات النفوس فى هذا العصر الحديث ، ويفكرون ويعلنون أن هذه اللغة أصبحت لا تصلح لتكون لغة الكتابة ولغة الأدب فى بعض البيئات ، وما أكثر الذين اخذوا ينحرفون عن هذه اللغة الى اللغة العامية التى يتحدثها الناس فى الشوارع ، وفى القرى ، وفى أعماق الريف ، يكتبون بهذه اللغة ، ويرون الكتابة بها أيسر وأطوع لهم ، واقدر

على تصوير عواطفهم وأهوائهم وميولهم وما يجول فى رؤوسهم من الخواطر والمعانى ، من اللغة العربية الفصحى

وهم يعللون ذلك بأسباب كثيرة ، أهمها أنهم لا يستطيعون أن يتعلموا اللغة العربية ، لانها عسيرة ولانها مملة ، ولان التلميذ اذا ذهب الى المدرسة واستمع الى دروس الاستاذ فى اللغة العربية ، فى النحو والصرف أو فى البيان ، لم يستفد من استاذه الا شيئا واحدا وهو النفور من الاستاذ والنفور من اللغة العربية ، والانصراف الى أى شئ آخر يلهيه ويريحه من هذا العناء الثقيل ))

ثم يمضى فيقول :

(( ولكن التلاميذ فى المدارس لا يبغضون شيئا كما يبغضون دروس اللغة العربية )) ..

لقد كنت واحدا من مجموعة هؤلاء الطلاب ، طلاب اللغة العربية ولكنى لا أذكر أننى نفرت من الاستاذ ، أو نفرت من اللغة ، التى هى لغتى ، بل على النقيض من ذلك تماما ، ولست وحدى .. لقد كان معى زملاء كثيرون واعرف زملاء كثيرين آخرين ، وسمعت عن أكثر منهم ، وقرأت لكثير من كتاب معاصرين ، كانوا ينتقلون معى من فصل الى آخر فى أيام الدراسة ، ولكن كل هؤلاء فى نظر الدكتور طه حسين هم (( الشذوذ )) الذى ينبت القاعدة ، أو الاستثناء الذى يحقق القاعدة . كل هؤلاء شذود حتى محمد حسين هيكل والرافعى ، واحمد حسن الزيات وعباس العقاد ، وحتى طه حسين نفسه ومن هو على شاكلة هؤلاء أو دونهم

ثم ليس صحيحا ما يزعمه الدكتور طه من (( فلسفة )) التطور والتيسير بالنسبة لهذا العصر الحديث، وبالنسبة لشباب (( القرن العشرين )) اذ أن التطور لم ينحصر فى هذا القرن ، فمثلا لقد كان القرن التاسع عشر عصر تطور بالنسبة لما سلفه ، وكذلك القرن الثامن عشر كان عصر تطور بالنسبة للقرن السابع عشر ، وهكذا حتى العصر الحجرى .. ! فلماذا اذن لم تتطور لغتنا طيلة هذه القرون التى عاشتها ؟ .. ألم يكن القائمون على الادب أو اللغة بصورة خاصة مفكرين ومبدعين ؟ ألم يكونوا أعمق فى تفكيرهم وأوسع فى آفاقهم من أدبائنا اليوم ، ومن القائمين على هذا الادب وعلى هذه اللغة ؟ ثم لنفرض أن انسانا وافق الدكتور طه حسين فى رأيه على تطور اللغة ، بتطور القرن العشرين ، الذى نحن فيه ، والذى يحتاج بنوه الى سرعة الادراك ، وتبسيط كل شئ فى القواعد والنظريات ، لنفرض ذلك .. ثم لننظر الى أبعد من ذلك ، الى القرن الحادى والعشرين مثلا ، ثم ألا نعتقد ونؤكد أن الذين سيعاصرون ذلك القرن ، سيفكرون ويعلنون ، وسيطلبون تطورا للغتهم يتمشى وتطور عصرهم ، وسيبررون ذلك بأن سالفيهم معاصرى القرن العشرين ( المظلم ) قد طوروا لغتهم بتطور حياتهم ؟

أما أنا فأؤكد ان ذلك سيحدث ، لو حدث أى تلاعب أو تبديل أو تغيير ( باسم التطور ) فى لغتنا الحالية .. مهما يكن هذا التلاعب وهذا التبديل أو التغيير ! . . ولو حدث - لا قدر الله - فان من المحتوم أن يأتى ذلك

اليوم الذى لا تصبح فيه على وجه الارض لغة تعرف بالعربية ! ذلك لانه فى كل قرن وعصر سيحدو المعاصرون حدو سالفيهم المعاصرين ، وهكذا ..

ثم لابد ساعتها من ايجاد جماعة من (( المترجمين )) تنحصر مهمتهم فى (( ترجمة )) الآثار العربية ، الى لغة عربية أخرى (( مودرن )) وبذلك نضيع وتضيع معنا آثار الجدود وتراث الاولين ومجد قوم خلدت مؤلفاتهم القومية العربية ، وسيحتاج كل مسلم يومها الى دليل مترجم يلقنه آيات القرآن المجيد ، دستور وجودنا ، وقوام لغتنا

ولابد من القول ، أن مشكلة المشاكل عند الدكتور العميد ، تتجلى واضحة ، حيث يعرض فى محاضرته تلك فيقول أنه تذاكر يوما مع صديقه الاستاذ ابراهيم مصطفى حول اعراب الآية الكريمة : (( ولا على الذين اذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون )) كيف يكون اعراب هذه الآية ؟ ولان هناك - إذا ما أتوك لتحملهم - قلت - ثم تولوا ، فعلان ، - واذا - محتاجة إلى جواب .. أين يكون الجواب بين هذين الفعلين ، بين - قلت لا أجد - أو بين - تولوا - !؟

ثم يقول :   (( كيف تطلبون من هذه الكثرة من الاطفال الصغار فى هذه السن المبكرة ان يفهموا الكتب التى تعطى اليهم بالمدارس ؟! ))

ولست أدرى لماذا خص الدكتور طه

حسين ، الاطفال الصغار فى معرض محاضرته عن تفسير هذه الآية ! وهل أن هذه الآية هى مما يعطى للتلاميذ الاطفال الصغار ؟ ثم وليس مستوى الكتابة العربية فى شئ من مستوى لغة القرآن الكريم ، وليس حتى فى لغة طه حسين أو لغة سواه من (( الفطاحل )) ما يشبه التركيب فى هذه الآية ، أو ما يجعل اعرابها عسيرا من ناحية عدم تمييز جواب - إذا - من أحد فعلين فيها ، وليس فى كتب الأدب التى تدرس فى المعاهد اليوم لغة وصلت حدا من الحيرة فى الاعراب إلى ما يصفه الدكتور العميد ، لان الكتب التى تعطى للتلاميذ ليست الا من كتابات أناس ليسوا أكثر فهما فى لغتنا من الدكتور طه نفسه ، وما دام هو ذاته لم يستطع أن يقف على جواب - إذا فى تلك الآية الكريمة ، فليس من المعقول ، أن يؤلف مثلها ، اذ لا يمكن له أو لانسان كتابة شئ لا يدركه ، وما دام كذلك فمن اين نتجت المشكلة ؟ وهل سيكون فى مؤلفاتهم غير جواب واحد لـ - اذا - وما دام الجواب واحدا ، اذن فقد عرف ببساطة ، وحسمت المشكلة واذن فقد دار بحث الدكتور طه حسين كما تدور الرحى ، ليس الا .. !

لقد أثبتت لغتنا العربية الفصحى أنها قادرة على مسايرة أى تطور وفى أى عصر ، واثبتت كذلك أنها أخلد من سواها من اللغات ، وانها لغة حية حية أجل ، ولم لا ، لم لا يرتفع صوتنا مؤكدا ذلك ؟ ألا يكفى أنها عاشت كل هذه القرون لتكون حية ، ثم ألا يكفى

أن يتكلمها ويكتبها نحو مائة مليون عربى لتكون حية ، ثم بالله من لى يرشدنى إلى السبيل الذى - بنظر الدكتور طه حسين - تصبح فيه حية كما يروم ؟

ثم نحن لا نستطيع ان نؤيد الدكتور طه ، على زعمه أن اللغة اللاتينية قد تطورت ، بل العكس هو الاصح .. والاقرب للمنطق والمعقول ، فلم لا نقول ان اللغة اللاتينية قد اندحرت ، وحلت محلها هذه اللغات الجديدة المختلفة ؟ ..

واما عزوف التلاميذ عن تلقى دروس اللغة العربية فى مدارسهم فانى ارجح أن ذلك راجع لشغفهم بتلقى دروس لغة هم يجهلونها ، ويقبلون عليها طمعا فى معرفة جديدة واستفادة يتوخون من ورائها أن أن تؤهلهم لشغل وظيفة فى شركة ما يكسبون منها ما يقيهم وعيالهم غدر أيام سوداء ..

وانى لاقول ، فأجزم ، أنه خير للحكومات العربية أن يكون التعليم الابتدائى فى مدارسها مقتصرا على الدروس العربية ، وذلك لتمكين الطالب من لغته أولا ، وفى التعليم الثانوى تجاز الدروس فى اللغات الاجنبية الاخرى ، وبذلك نضمن عدم ضياع هذه الثروة ، التى لا تعدلها فى الارض ثروة ..

نزيل السعودية

اشترك في نشرتنا البريدية