الفكرة العربية
الفكرة العربية وليدة ثلاثة عوامل رئيسية : " استبداد الاتراك العثمانيين " و " ضغط الاستعمار الاوربي " ثم " الثقافة العصرية "
والفكرة العربية فى وضعها الحديث ترمي الى مطلب وحيد هو ان تفوز جميع الشعوب العربية باستقلالها الناجز ؛ وان يتكون من حكومات هذه الشعوب إتحاد عام شعاره توحيد الاهداف التقدمية فى السياسة والثقافة والاقتصاد ، وتنسيق الخطط العملية للوصول الى هذه الاهداف ، مع احتفاظ كل حكومة منها بكيانها الذاتى ، وطابعها المحلى الخاص .
وليس شك فى انها الاهداف القومية العليا لكل امة تشعر بوجودها ... وليس شك فى انه كلما ازداد الوعى السياسى والاجتماعي فى الذهنية العربية ، - ازداد الأمل فى سرعة تحقيق هذه الاهداف !
الفكرة العربية يالها من مطمح نبيل ، ويالها من انشودة عذبة الالحان ، انها فكرة واجبة التنفيذ ، انها فكرة يلزم ان تكون دستوراً لكل عربي ، لأن اتجاهاتها انما هى اتجاهات انسانية ، حبيبة الى كل النفوس الأبية الحرة ، والأمة التى يحس افرادها إحساساً عميقاً بالكرامة ، وبالقيمة الذاتية ، ويعملون فى الحياة تبعا لما يوحيه اليهم هذا الاحساس ، لاشك انها امة لن تموت باذن الله ، ولن يكتب لها أى إخفاق فى تحقيق مطالبها واهدافها ..
علم المنطق
علم المنطق ، هذا العلم الدخيل على الثقافة الاسلامية ، لعل صدق تعريف قرأته عنه ، هو ما وصفه به علامة الأسلام " تقي الدين بن تيمية " حيث قال :
" ان جميع عقلاء بني آدم حرروا علومهم بدون المنطق اليونانى ، ولأن المنطق في نفسه بعضه حق ، وبعضه باطل ، والحق الذى فيه ، كثير منه أو أ كثره لا يحتاج اليه ، والقدر الذي يجتاج منه فاكثر الفطر السليمة تستقل به ، والبليد لا ينيف به . . والذكي لا يحتاج اليه ... "
رحم الله ابن تيمية لقد كان عالماً ممتازاً ، ومفكراً مصلحاً شجاعاً من طراز نادر فحارب ويحدى خصوم الاسلام فى عصره على اختلاف انواعهم ونزعاتهم ، وكان في كل ما كتب وناظر وكافح منطقياً قوى البرهان ، منطقياً بالفطرة السليمة اكثر من كل هؤلاء السادة هؤلاء الذين يبالغون أكثر من اللازم فى تضخيم اهمية لمنطق المنقول ، منطق الجدل والسفسطة والنظريات العقيمة ، واللف والدوران ، وتحصيل الحاصل
ابن تيمية
ما أجمل وأجدى لو ان كل طالب مسلم ، وكل عالم وكل مثقف وكل أديب ، يحاول أن يتخذ لنفسه من سيرة ابن تيمية الحافلة بكل معانى البطولة الفكرية ، والفطنة النفسية والتضحية بالذات ، موضوع دراسة ذات اهتمام خاص . . بعد سيرة الرسول الاعظم صلوات الله عليه ، وبعد سير الخلفاء الراشدين ، والايمة السابقين ، اعتقد ان هذه الدراسة يكون لها اعظم تأثير فى السمو النفسي - ان حياة هذا العلامة الكبير جديرة بأن يتفهمها المسلمون ، ويستوعبوا دقائقها كل استيعاب ، وعلى الأخص فى هذا العصر المضطرب ، هذا العصر الذي طغت فيه الثقافات الأجنبية كل الطغيان ، واصبح الشك والالحاد ، فى مقدمة ما يخشاه المفكرون على ضعفاء العقول ، ضعفاء الايمان ، ضعفاء الأخلاق
ثلاثة رواد
نهضة الأدب والوعي السياسى ، ويقظة الفكر والشعور فى الشرق الحديث ؛ ويرجع الفضل الأول ووجودها الملحوظة إلى ثلاثة رجال أحرار بل ثلاث رواد وهما " جمال الدين الافغاني" و " محمد عبده " ثم " عبدالرحمن الكو كبي " . صاحب كتابي أم القرى وطمائع الاستبداد
الأول كان أول من بشر بالحرية السياسية للشعوب الأسلامية ، وكان أول من نادى بوجوب الوحدة التامة لهذه الشعوب ، وأول من بث فكرة العزة والكرامة فى النفوس بعد ان اطاحتهما نكبة بغداد على يد هولا كو . . ثم ماذا ؟ ثم كان أيضاً أول من دعي الى الاصلاح الاجتماعي الشامل ، فى الوقت الذي كان فيه هذا الشرق من اقصاه الى اقصاه في سبات عميق ، هذا الرائد العظيم لم يكتب له ان يجيء إلا فى عصر غريب ، عصر كله تدهور وخمول ، ولهذا صادفت حركته وقتها المناسب ، ولكنها من الناحية الاخرى لم يقدر لها ان تنتشر انتشارها المطلوب فى حينها لحداثتها ، ثم لاصطدامها بضروب من التيارات ، وانواع من الاضطهاد ، يضاف الى ذلك شيوع الجهل والامية والخرافات فى ديار الاسلام اكثر بكثير مما هى شائعة اليوم .
ان افكار جمال الدين - شأنها شأن كل شئ صالح فى هذا الوجود - كإن لها ما وراءها . . انها بريطريقة تدريجية اخذت فيما بعد تثمر تمارها اليانعات وكان هذا بفضل تلاميذه العديدين فى مصر وفى غير مصر ؛ وبسبب انتشار التعليم ، وتطور الحياة ، وتنبه أفكار الشباب الاسلامي فى أكثر الاقطار .
كانت الصيحة الأفغانية بمثابة العصا السحرية ، انها هزت من اركان هذا الشرق ، انها ايقظت ونبهب واستفزت . وهي وان ابطأت فى نتاجها العملية بعض الابطاء فلم يكن هذا امراً ذا بال ، لان الطفرة - كما قالوا - محال ، ولابد من التدرج والأنتقال فى جميع الاحوال
أما الرائد الثاني ، فقد كان التلميذ الأول لجمال الدين ، سار على سننه ، ومشى على خطاه ، وكان لآرائه الجريئة فى الاصلاح - بالنسبة الي العصر الذي عاش فيه - سواء فى مصر والعالم الاسلامى جميعه ، نعم كان لآرائه التى تحدى بها الجمهور من التأثير القوى العنيف ، ما ايقظ - ولاريب - من بعض النفوس ، وحرر من بعض الافكار ، وغير من بعض الأساليب .
لم يكن الاستاذ الأمام - باعتباره عالماً من افذاذ علماء الدين - لم يكن رائداً للأصلاح الديني وكفى . بل كان - رحمه الله - أكثر من ذلك ... كان أعلا همة و أكثر آمالا ، وابعد مطامح . كان الى جانب دعوته الموفقة
لأصلاح العقيدة ، والرجوع الى ما كان عليه السلف الصالحون ، كان رائداً عبقرياً سباقاً فى عدة ميادين... كان قائد حليما من خيرة القادة ، قائداً فى الادب والفكر ، قائداً فى السياسة والصحافة ، قائداً فى الدين والاجتماع .
والأستاذ محمد عبده - بشهادة مؤرخي الادب الحديث - يعتبر بحق ، باعث هذه النهضة الادبية العصرية ومجدد اساليبها الفكرية والفنية ومحي طريقة ابن خلدون المرسلة فى الكتابة والتأليف بعد اندمج الناس طريقة الحريري وامثاله من أدباء الزخرف اللفظى والسجع المتكلف والتصنع المرذول .
وأما الرائد الثالث " عبد الرحمن الكوا كبي " فقد كان هو الآخر من الطلائع الاولى بين الداعين الى الاصلاح ، واذا ذكر هذا الرائد الكبير ذكر معه كتاباه العظيمان : " ام القرى " و " طبائع الاستبداد " وكان هذا الكتاب الأخير ثورة على الاستبداد فى امتع ما عرف من الأساليب ، وكان ظهوره فى العصر الحميدى الشهير ، كنتيجة لابد منها ، بعد أن شاهد الاتراك والعرب على السواء ماشاهدوه من الاهوال ، وغرائب الاحوال ، لذلك سرعان ما انتشر الكتاب انتشاره الهائل فى جميع الاقطار ، وأصبح الى اليوم وسيبقى الى مابعد اليوم - رغماً عن تغير تلك الظروف ، وارتفاع ذلك الكابوس وانقشاع غياهب ذلك الاستبداد - فى طليعة الكتب النادرة التى تعتز بها لغة الضاد ، وتباهى بها لغات الامم الاخرى عن جدارة واستحقاق !
الافغانى ومحمد عبده والكواكبى ، هؤلاء هم رواد الشرق الاسلامي في نهضته الفكرية الحاضرة ، هؤلاء هم " عمداء " مدرسة الاصلاح الحديث ؛ وكل من جاء بعدهم من رجالات الفكر والاصلاح ، وزعماء السياسة والادب فانما على ضوء مدرستهم هذه يسيرون ، وبروحها وأسلوبها وأفكارها الرشيدة يعملون ويسيرون...!

