زعم الأقدمون أن اللؤلؤ ينعقد من المطر ،ومما ذكره محمد بن احمد البيروني (من القرن الخامس الهجرى والحادى عشرالميلادى) في كتابه ((الجماهر في معرفة الجواهر)) ان الجوهرى نصرا، ( وهو أحد الجوهريين عاش في القرن الرابع الهجرى والعاشر الميلادى) يتبع الرأى العامى القائل : ان اللؤلؤ يتولد من المطر ثم يربيه الصدف ، فانه كان كالريق للانسان يقلبه في فمه ويحليه ، ويستدل على ذلك بأنه كلما كان أكثر فى سنه وأعجل في وقته ، كان وجود اللؤلؤ فيها أغزر وريعه أوفر .
وفيلسوف العرب يعقوب بن اسحاق الكندى (من القرن الثالث الهجرى والتاسع الميلادى) يحكى هذا ايضا عن اصحاب التجارب . وقد ذكر الكندى مغاصات عديدة في بحر القلزم (البحر الاحمر) . ومن جملة ما ذكره جزيرة سقطرا احدى سواحل البحر المعروفة اليوم (بالخليج العربي) . وفي مغاص سرنديب انه يعطل اربع عشرة سنة ويغاص فيه اربع عشرة سنة ، ومتى وجد فيه البلبل الرطب (والمقصود فيه الذى لم يكمل) اعيد الى البحر ليستحكم .
يذكر ايضا احمد بن يوسف التيفاشي احد الجوهريين الذى عاش فى القاهرة في القرن السابع الهجرى ، الثالث عشر الميلادى ، في كتابه : ازهار الافكار في حوار الاحجار نقلا عن كتاب الاحجار لارسطوطاليس أن البحر المحيط في العالم هو في ظلمات قاتمة ملحق آخره أول البحر المسلوك وان الرياح تعصف هذا البحرالمحيط المسمى اوقيانوس . وفي اوقات فصل الشتاء يهيج هيجانا شديدا فيطلبه الصدف الذى يكون في الدر وقت ريح الشمال ، فاذا هاجمت الرياح الأمواج من ذلك البحر المحيط ، كان لأمواجه رشاش فتلتقم الصدف الكلسي من البحر الذى يسلكه الناس كما يلتقم الرحم النطفة من الذكر ، فينعقد الدر .
وينقل المؤلف عن المسعودى والجغرافي والمؤرخ العربي الذى عاش في القرن الرابع الهجرى) أنه اذا كان شهر نيسان نزل على البحر الذى فيه صدف الدر مطر غزير فيصعد ذلك الصدف ويفتح فاه لقطر المطر فان التقمه غاص به . وان ما اورده التيفاشي عن كتاب الاحجار لارسطوطاليس في الكتاب الذى نشره المستشرق الالماني يولويوس روسكا عن هذا الفيلسوف اليوناني
مع ترجمته الالمانية يتفق مع ذلك .
وفي الكتاب الذى نشره الأب انستاس مارى الكرملى عن نخب الدخائر في احوال الجواهر : (القاهرة ١٩٣٩) للأكفاني من القرن الثامن الهجرى والرابع عشر الميلادى، عن كيفية تولد الدر قوله : ((واختلفوا في تولده في هذا الصدف ، فمنهم من قال يتكون فيه كما يتكون البيض في الحيوان البياض - بتشديد الياء - . وذكر ذلك جميع المحققين . وقيل : بل يطلع على سطح البحر من شهر نيسان وينفتح الصدف ويتلقى المطر ، فينعقد حبا . . ذكره نصر الجوهرى وكثير من الناس)) .
ويعلق على ذلك الاكفاني بأنه لا تضاد بين القولين ، لجواز أن يكون اللؤلؤ يتكون في صدفة كتكون البيض، ويكون مطر نيسان له بمثابة النطفة . وقد تسرب هذا الاعتقاد كما جاء ذلك شعرا الى خيال الظل ، وذلك في اوائل هذا القرن :
تراه الوعد عند الحر دينا
وعند النذل مقبحة وذما
كفطر الغيث في الاصداف درا
وفي جوف الأفاعي صار سما (١)
وقد انتقل ميل هذا الاعتقاد الى الأدب الفارسي ، حيث اورد جلال الدين الرومي في المنوى (ترجمة عبدالوهاب عزام ) قوله : صدف البحر تأمل واسمع
لا يحوز الدر ما لم يقنع المقصود هنا القناعة بقطرة واحدة . هذا ما ذكره الأقدمون . والحقيقة ان الدر ينعقد من حول جسم غريب الى الصدف كحبة رمل مثلا وتجتمع حول هذه المادة الكلسية بصورة مدورة يمكن فصلها عن بقية الصدف . اما سبب هذا الاعتقاد المتواتر فلأنه في شهر نيسان تكثر الامطار فيزداد معها تيار مياه الانهار التي تصب في البحار فيتحرك قعر البحر فتدخل بذلك اجزاء غريبة كحبة الرمل في الصدف فيتكون بذلك اللؤلؤ(٢) .
على ضوء تكون اللؤلؤ في الصدف قام العالم النباتي السويدى الشهير لينه Linne من القرن الثامن عشر الميلادى لأول مرة بتربية اللؤلؤ ، ولم يكن لتجربته سوى قيمة علمية فقط ، وقام بعد ذلك بمدة طويلة ، البحاثة الياباني مكيموتو في عام ١٩١٣ بانشاء مزارع اللؤلؤ . ومنذ ذلك الزمن واليابانيون جادون في الطليعة في استحصال اللؤلؤ الصناعي . هذا ويمكن تحت المجهر التفريق بين اللؤلؤ المستنبت وبين اللؤلؤ الطبيعى . فالأول يكون ذا خطوط متوازية ، والثاني يكون ذا دوائر متحدة المركز (٣) .
كنت أود تقديم بعض المقترحات اثناء زيارتي للمملكة العربية السعودية في ربيع ١٣٩٠ ه. ومن جملة ذلك استنبات الدر الذى يدر ثروة طائلة . ولما لم يتح لى الاقتراح فالى زيارة أخرى .

