كيف اكتشفنا للمرة الثانية, اللص الجريئ المتنكر، عزتلي جلاب

Share
[ اشار الاستاذ أحمد عبد الغفور عطار في كتابه " سقر الجزيرة " الى ان سعادة الاميرا لاى على بك جميل مدير الامن العام " لا ينسى المجرمين مهما تنكروا ومهما مضت عليهم السنون " وها هو سعادته يميط لنا اللثام - في هذا المقال الممتع - الذى كتبه خصيصي لهذا العدد عن حادث اكتشافه للص مغامر برأس مصابة لصوص ، اخفت السنون معالم شخصيته وزادها تنكره الفني اختفاءا ، وقد استطاعت ذاكرة سعادته الألمعية أن تتعرف شخصية هذا اللص برغم كل ذلك ]

المحرر

الحقيقة التى لامراء فيها أن الطبيعة البشرية قد تتغلب احيانا على الانسان فينسى او يسهو ، وجل من لا ينسى ، وسبحان من لا يخفى عليه شئ فى الارض ولافي السماء ، ولا يخفى عليه خائنة الأعين ويعلم ما في الصدور ومع ذلك فان الحوادث الهامة قد تترك " صورا مكبرة " فى اذهان من تلقي عليهم مهام الامور فينطبع اثرها فى الواح ذا كرتهم ويبقى شبحها ماثلا لعيونهم بشكل واضح أمدا مديدا .

واني لأشكر الاستاذ الجليل صاحب " المنهل الأغر ، أن أتاح لى التحدث عن " قصة حقيقية " وقعت مع لص شهير ضمن الحوادث التي تمر بي في تاريخ " الأمن " وأعماله .

عزتلي جلاب : اسم لص خطير في الخامسة والثلاثين من عمره اعتاد مزاولة الاجرام في بلاده وفي الحجاز فهو رئيس عصابة من جماعة الغجر المشهورين فى مصر . . قدم للحجاز فى عام ١٣٤٩ ه وكان معه بضعة أشقياء من عصابته

ومن أفراد قبيلته وقد حاولوا معه ان يقوموا بأعمال السطو والنشل ، لأقلاق راحة الحجاج في بيت الله الحرام ، وقد تعقبتهم عين إدارة الامن العام الساهرة وهم لا يعلمون ، وما زالت تتبع احوالهم وتجد فى اكتشاف سرقاتهم والقاء القبض عليهم متلبسين بالجريمة ، وقد وفقني الله ذاك فالقيت عليهم القبض وكان عددهم يزيد عن اربعة عشر شخصا كان منهم أبوه الحاج جلاب وزوجته سنية ، وكنت في ذلك الظرف أشغل " رئاسة المنطقة الأولى " - مأمورية قسم بوليس الصفا ، ولقد عطفت عليهم حكومة صاحب الجلالة فاكرمت مثواهم وحججتهم على نفقتها واتموا مناسكهم تحت رعايتها ومن ثم اعيدوا الى ثغر جدة واقلتهم الباخرة فى طريقهم الى ميناء السويس ، ولم يتمكن احد منهم من القيام بعمل يخل بنظام الأمن أو يعكر صفوه في هذه البلاد .

مضي على هذا الحادث خمسة عشر عاما ونيف عام وقد كبر فى اثنائها الحاج عزتلى جلاب وتغيرت ملامحه تغيرا هائلا وارتفعت قامته وتضخم جسمه وأصبح يعتقد اعتقادا جازما انه إذ عاد الى الحجاز فى موسم من مواسم الحج فلن يكتشفه احد ، ففي تغير ملامحه وفي زحمة الحج ميدان واسع لاختفاء شخصيته القديمة فى شخصيته الحاضرة المجهولة ، وهكذا عقد العزم على القدوم إلى الحجاز للمرة الثانية ، ودفع الرسوم التى يدفعها كل حاج ، وقدم الى الحجاز فى عام ١٣٦٥ ه ودخل مكة محرما ملبيا ، مخفيا شخصيته عن رجال الأمن ، ولقد اتقن " مكياج " التخفي ، وسرعان ما وقف تحت استار الكعبة المشرفة وفى ثياب العبادة الرائفة يرفع يده الى السماء تارة ، ويدخلها تارة اخرى فى جيوب عباد الله الطائفين الآمنين المطمئنين ، ويحتك بالملتزم طورا واطوار بالطائفين والركع السجود ، وتقف قريبا منه زوجه المتمرنة على اعمال اللصوصية والنشل تساعده على اخفاء ما يسرق وما ينشل من نقود واشياء

ولقد اطلع عليه رجال الأمن العام السريون فدلوا عليه وضبط وهو متلبس بالجريمة ، فقد تمكن قبيل تلك اللحظة الفاصلة وبمرآى من رجال الأمن السريين الساهرين أن يسرق نقودا متنوعة من متنوع الطائفين ، فى زحمة الطواف ، وفي ساعة ارتفاع الأرواح عن أوضار الدنيا وسموها الى الملكوت

الأعلى في طهر وابتهال لقد استغل المجرم هذا الموقف الديني الرائع لمصلحته المضرة ؛ فسلب المسلمين الطائفين بالبيت العتيق انواعا من النقد الهندى والسورى والمصرى الى مصاغ وهدايا وتحف سلب كل ذلك من اصحابه وهم تحت استار الكعبة يطلبون من الله العفو والغفران ...

بعد مضي خمسة عشر عاما يقف الحاج عزتلى جلاب أمامى للمرة الثانية متلبسا بجريمته ، وما كادت عيناي تريانه وانا على مكتب " إدارة الأمن العام " وحولي نفر من رجال الأمن وضباط الشرطة حتى عرفته وارتسمت صورته الأولى بجانب صورته الحالية في ذاكرتي فاذا الصورتان فى حقيقة أمرها شئ واحد ، وهنا تذكرت اسمه وما شعرت الا وانا واخاطبه وقد مددت اليه يدى مصافحا : -

- أهلا بالحاج عزتلى جلاب . كيف الصحة وكيف صحة أبيك الحاج جلاب ؟ لقد ذهل من هذا التساؤل المفاجئ ، وحاول بكل ما لديه من دهاء أن ينكر كونه الحاج عزتلى جلاب ! ولكنى تذكرت ايضا انه مرسوم في لوح المجرمين ؛ فاستدعيت به فاذا معالم الوجه تكاد تكون مطموسة لطول الزمن . واستدعيت بالسجل العام للمجرمين واذا باسمه وصورته ، واذا الشخص هو الشخص وهاقلت له بحزم :-

- تفضل يا حاج عزتلى من هو ذا ؟ وعندها خارت قواه وغارت عيناه واصفر وجهه وجلا ، وظهرت عليه امارات الارتباك والفضيحة ، فاعترف بالحقيقة وصاحت زوجه تقول : انهم تائبون الى الله ولن يعودوا الى هنا ابدا . وهنا اندهش الحاضرون من رجال الأمن وغيرهم . وكان حادثا قصصيا غريبا وبعد انتهاء التحقيق اعترفا بكل ما سرقاه وبكل ما اختلساه واحضرا جميع ذلك ، وقام رجال الأمن بعدئذ بالتحري عن بقية أفراد العصابة فلم يجدوا غير شخص ثالث رافقهم بالباخرة حين مقدمهم الى الحجاز ، وقد حجز الثلاثة الأفراد ورابعهم صغيرهم الذي لم يبلغ الحلم وادوا المناسك للمرة الثانية مرفهين واعيدوا ثانية إلى جدة ، واركبوا الباخرة التى اقلتهم من حيث حجوا الى حيث قدموا .

اشترك في نشرتنا البريدية