هذا سؤال . وجهه الى صاحب مجلة المنهل ورئيس تحريرها الأستاذ الفاضل " عبد القدوس الأنصاري " وهو يريد ان يكون الجواب عليه مادة في مواد العدد الممتاز من مجلته ، بمناسبة انتهاء العام كعادته في كل عام .
واني لأشعر في قرارة نفسي شعور الواثق المطمئن ، بأن الأستاذ حين فكر في موضوع السؤال كان مخلصا كل الاخلاص ، ذلك لما ينطوي عليه موضوع السؤال من البواعث الاجتماعية الطريفة وما يمتزج به من عناصر الفلسفة الخلقية في تعيين المصير ثم هو حين اثرني به كان اشد اخلاصا واكثر وثوقا منى بالقدرة على الاجابة عليه ، لما يعرفه في - على الاقل - من الوقوف على احوال الموظفين وتطورهم في سلك الخدمة العامة ، بسبب الروابط الوشيجة التى تربطني واياهم كنتيجة لمزاولة اعمالهم وتحرى اطوارهم وتولى قضاياهم فى مختلف الازمنة والظروف ، وهو من هذه الناحية في اتجاهه نحوى جد مصيب .
بيد ان السؤال كما قدمت طريف كل الطرافة ، وهو الى جانب طرافته هذه بسيط كل البساطة ، ولكن في بساطته حرج وفي معناه دقة تبعث على الحيرة وتسلم الى التفكير العميق
وحقا فقد اثار فى نفسي كوامن الخواطر ودفعني الى التفكير ، لا لأن السؤال شائك ومعضل ، بل لأن الجواب عليه من الحيرة ما للسؤال الحائر في حدود دائرته المخصوصة ، . والخواطر حين تبتعثها يقظة فكرا وتثيرها عوامل وعي ، تتفاعل وتصطرع ، وفي تفاعلها واصطراعها ، تؤخذ النتيجة الأخيرة او ما يشبه تلك النتيجة - على الاقل -
وان تلك النتيجة أو الشبيهة بها ، ستجيء حائرة مثل حيرتى او محرجة كحرجى ، فتضل تارة ويخطئها الصواب او هي تخطئ الصواب ، او هي تتنكب الجادة وتسيء القصد ثم هي بين الخطأ والصواب في مفترق الطريق سواء ، تمثلهما براءة الطفل الغرير وطهره ، فهو قد يأتي من الأمور ما فيه معنى الاساءة لا حقيقتها ، وما فيه معنى الخير يلوح في صورة رشيقة مستملحه لمن ينظر اليها وكأنه يرى فيها شخصه ، وهو فيها وهم لا يستقر ، فاذا له ان يصدر عن فطرته فى اسلوبها لا يهدف لشأن بعينه ، وان هو استهدف شأنا فانما يعود بطبيعة تلك الفطرة فى نفسه . والحقيقة دائما مطلب صعب ، قد يجليها البحث ويسفر عن بعض الجوانب من غوامضها ، وهى وان تجلت في جزء من دائرة لابد ان يتم ذلك الجلاء فى حدود يدعمها فيه سند من الاسانيد القوية فيما تتجلى عنه وتشير اليه . على ان استكناه الحقائق وسبر اغوارها واستخلاص سدف الغيب المحجبة المستورة كمعنى على الاقل - لا يزيد عن كونه صورة من حلم واسع الاطار تتعدد فيه الصور في شكوك من الرؤى المتباينة .
والمستقبل كحقيقة مجهولة ؛ الحديث عنها حدس يصدق تارة ويخيب تارات ، أو بالعكس - وهنا المفارقة التى قد لا يرضى بها الاستاذ ، او بعبارة أخرى قد لا ترضيه . وما بالي اتردد وهذى كل حيلتى فيما يجري اليه الواقع جرا ، ويمليه على املاء واخيرا وبعد هذا التمهيد الذي بدأت احس بثقل وطأته على سمع القراء ، أقول :
إن الموظف كفرد من الجماعة الإنسانية التى تعيش فوق الأرض ، لا يخرج عن أنه كائن حي عليه تسخير قواه الجسمية أو العقلية على سواء في سبيل واجب مشترك بينه وبين بني نوعه ، وليس بالمستبعد بل من المقرر ؛ ان كل كائن منحته الفطرة ألوانا من النوازع النفسية تمثلها حوافز شخصية فى دنيا الأحياء .
والمستقبل الذي ينبغى على الموظف السعى لبنائه ليكون اللبنة الاولى فى أساس حياته المستقبلة ، يكاد كما أعتقد يتمثل في حالتين فقط :
١ - المستقبل الثرائى . ٢ - المستقبل الوظيفي
فالستقبل الثرائي كضرورة خامية أورغبة ملحة ، تقتضيها المطالب النفسية بالنسبة للموظفين مثلا قد لا يخرج عن حدود المادة [ ذهبا وفضة وممتلكات ثابتة وغير ثابتة كالأموال المنقولة وعروض التجارة والاكتساب ] وهذه ناحية وان كان من المعتقد انها ناحية ملفتة للنظر وقابلة للتعليق ، بيد ان في التعليق عليها كما أرى ما لا يرجى وراءه كبير جدوى .
والمستقبل الوظيفي كحقيقة عامة أو قاعدة ثابتة لا يصح الخروج عليها إلا فى حالات شاذة مقبولة لا يصح القياس عليها كذلك - وتلك القاعدة في مجملها لا تزيد عن بعد الصيت ونباهة الذكر وارتفاع المرتبة ، وفي النفوذ المقيد بالانظمة والتعاليم الخ .
وعلى هذا فمن اراد أن يكون ذا مستقبل منير وضئ ، من طبقة الموظفين الذين يعنيهم هذا بنوع خاص ، فعليه ان يكون متوفرا على العناصر الأساسية للنجاح وهى :
١ - ان يكون مثقفا ثقافة عامة ، ترشده الى طريق الخير وتهديه الى سواء السبيل .
٢ - ان يكون كيسا عاقلا يحسن تصريف الأمور وتدبير الشئون فيما يمت الى عمله بصلة من قريب أو بعيد .
٣ - ان يكون ذا خلق دمث ، بحيث يفتح صدره للناس ويقابلهم بما يحبون ، ويتحدث اليهم بما يفهمون ، في طلاقة لا تعرف العي ؛ ولباقة تمثلها المادة شدة لا تسا .
٤ - ان يكون ذا حيلة ماكرة لاخبث ولا اكراه - وليس من بأس ان يكون من بعض عناصر الحيلة والمكر ضرب من الكذب المقبول والخديعة النافقة
٥ - ان يكون التواضع من شيمه الاصيلة ، لاخنوع تمثله الذلة والمسكنة ولا كبر يمثله الصلف .
٦ - ان يكون فاهما لعمله متقنا له متميزا فيه ، لا تفوته شاردة ولا واردة الا أتى عليها وأخذ باحسنها فكرة وأسلوبا واتجاها .
وهذا ما يصح ان أسميه بـ [ المزايا الخلقية التى ينبغى توفرها فى الموظف الناجح ] وقد بقى بعد هذا كله عنصر هام ، من واجب الأمانة التحدث عنه فى شئ من الاقتضاب تلبية لرغبة صاحب المجلة الذي وضع لى حد للجواب بالنسبة لحجم المجلة وما فى وسعها ان تنقله للقراء الكرام . . ذلك العنصر الذي يكاد يكون من الأمور المسلم بها قطعا ، الا وهو الحظ . . وهو ما اسميه - بالحالة الشاذة في الحياة هو من غير ريب ولا تشكيك عامل من العوامل التى قد تسبق كل ما ذكرنا من صفات ومزايا يقودها راغمة الى حيث يسير ، ولذلك كثيرا ما نراه يهبط بذوى المواهب الممتازة والعقول الكبيرة ، والصفات البارزة ، دركات الى اسفل ، ويرتفع بالمسفين المهرجين الجوالين درجات الى أعلا ، . وهنا تقع المفارقة ويحدث النشاز الذي يجعل الانسان في حيرة يتخبط فلا هو يلوي الى امر ولا هو يجنح لهدى
ونصيحتى كمجرب ، أسوقها الى الشباب المثقف من الموظفين ، والى الذين أصيبوا بحمي الوظائف من امثالهم ، ان لا يستعجلوا المستقبل ، وان لا يفكروا فيه لأنه آت لا محالة ، وان عليهم ان يرسمموا الخطوط الأولية ويسيروا على النهج وان يكون شعارهم الصبر والاناة والاخلاص فى العمل يتقدم ذلك كله - تقوي الله سبحانه وتعالى فيما يهيؤن له
وأجدني وقد اطلت بعض الشئ ، قصرت في ايفاء الموضوع ما يستحقه من الدرس والاستقراء ، ولكنني مرغم على قفل البحث عند هذا الحد موشفيعي في ذلك ؛ حيرتي واضطرابي .

