لم اكن اعرف الظهران من قبل كما كان كثيرون غيرى يجهلونه وأخيرا زرته فعرفته كما زاره الكثيرون وشاهدوه وقرات عنه كما قرأ الكثيرون وكتبوا وقد
لقد كان الظهران مكانا مجهولا قاحلا مهجورا بل كان مسبعة موحشة يعتبر المرور به للفرد مغامرة من المغامرات واذا به يصبح مكانا معلوما مشهورا فى الداخل والخارج مأهولا بعدد كبير من مختلف الأجناس .
قدر لى زيارة الظهران مرتين كانت الاولى فى عام ١٧٦٣ ه حينما كنت سكرتيرا اللهيئة الملكية التى انتدبت الى تلك المقاطعة برآسة نورى السعداوى بك وعضوية كل من الاساتذة عبد الله السعد وعبد الوهاب آشي وعبدالله بن عدوان
فرأيت البون شاسعا والفرق عظيما عند ماشاهدته فى زيارتى الثانية وكانت فى شهر شوال ١٣٦٨ه حينما سافرت اليه متشرفا بمعية سعادة وكيل وزارة المالية المساعد الشيخ سليمان الحمد فى رحلة معالي وزير المالية المصرية حسين بك فهمى ولقد شاهدت مدى التطور العظيم الذي وصل اليه الظهران . او على الاصح مدى التطور العظيم الذي وصلت اليه شركة الزيت العربية الاميركية . فى اعمال حفريات آبار الزيت وزيادة انتاجه ومعامل التكرير . والانشاءات العامة ، وتحسين المستوي الصناعي العام فى تلك المقاطعة .
فمنذ خمسة عشر عاما أى فى عام ١٩٣٣ م تقدمت شركة كالفورنيا للبترول الى حكومتنا السنية طالبة امتياز التنقيب عن البترول ، وبدأت الشركة عملها فعملت وعملت . وعملت . فى جهاد متواضل وأعمال شاقة مدى خمس سنوات كاملة
دون وصول الى نتيجة ايجابية مشجعة حتى كادت ان تحكم بالفشل لهذا المشروع وكاد رجال الشركة ان بجمعوا اوراقهم ويعودوا حاكمين على هذا المشروع بالاخفاق بعد ان قاموا بحفر ست آبار كانت نتائجها غير مبشرة بوجود بترول فى هذه المنطقة يستحق مثل ذلك العناء الشديد وكانت هذه الافكار السود تسيطر عليهم فى الوقت الذى كانت الحفريات مستمرة فى البئر رقم ( ٧ ) وإذا بحافرها يصيح : الزيت . الزيت . الزيت . واذا البئر رقم ( ٧ ) تبدد تلك الافكار السود وتزيل ذلك اليأس الذي كاد ان يوقف ذلك المشروع العظيم نهائيا أو الى أجل غير معروف . واذا بها تثبت ان هذه المنطقة تحتوى على بحر بل بحار من زيت البترول . كان ذلك فى شهر مارس ١٩٣٨ م ، وهنا بدا تاريخ جديد نتيجة ذلك الاكتشاف العظيم . وقد ظل يتجدد عاما فعاما . وفي كل عام تكتشف بئر وآبار جديدة المزيت . وقد بلغ عدد آبار الزيت خمسا وتسعين بئرا مستمرة فى الزيادة وهي كالآتي :
٣٨ ابار الدمام ، و ٤٥ ابار بقيق ، و ٢ آبار أبي حدرية ، و ٣ آبارعين دار ، و ١ بئر الفاضلى ، و ٥ آبار القطيف ، و ١ بئر حرض .
اما الانتاج فانه يزداد باستمرار . فنسبة الزيادة فى انتاج عام ١٩٤٨ على عام ١٩٤٧ قد وصلت الى حوالى ٥٩ / ويبلغ معدل الانتاج اليومى ( ٦١١٧٢ ) طنا اخذا فى الزيادة باطراد . وان وجود هذا البترول يتدفق بغزارة فى هذه المنطقة قد دعا الى ضرورة انشاء كثير من المنشأت الضخمة . كان اهمها معامل التكرير ( فى رأس تغررة ) التى زيدت طاقة الانتاج فيها خلال عام ١٩٤٨ فبلغ معدل انتاج الزيت الخام ( ٢٣١٨٦ ) برميلا فى اليوم . وبلغ عدد العمال الذين يعملون لدى شركة لزيت العربية الاميركية ماينوف على عشرين آلف عامل قد اصبح الكثير منهم صناعا عام مهرة يعملون فى التنقيب عن البترول وفي معامل تكريره واختباراته وقد شاهدت الكثير منهم فى معمل الاختيارات الزيتية والتحليل وهم امام آلاتهم الدقيقة يعملون عمل الخبير ويعطون نتائج صحيحة مما ادهشني جدا وسرنى كثيرا . وبهذا اصبحت المملكة العربية السعودية تعد
الآن من اكبر الاقطار انتاجا للزيت فى العالم . ولقد اتسعت اعمال الشركة وتشعبت مما جعلها تقوم بتاسيس ثلاث مناطق ذات طابع منفصل هي ( منطقة الظهران ) ( منطقة رأس تنورة ) ( منطقة بقيق ) .
. . وفي الظهران انشئ أخيرا مستشفى كبير مجهز بأحدث الاجهزة واحسنها . كما انشئت عيادة فى بقيق ويقوم بأداء الخدمات الصحية العامة التى اجرتها الشركة ( ٢٦ ) طبيبا و ( ٩٧ ) ممرضا . وبلغ مجموع موظفى المستشفيات الآخرين ( ٢٧٦ ) موظفا يتألفون من حجاب ورجال الأسعاف والفنيين .
أما النقليات العامة فقد اتسعت اتساعا عظيما فى النقل البحرى والبرى والجوى واصبحت البواخر الكبيرة من حاملات الريت بصورة مستمرة ترسو دائما فى ميناء رأس تنورة حتى لقد بلغ مجموع البواخر من قافلات الزيت التى وصلت الى الميناء فى رأس تنورة خلال عام ١٩٤٨ ما يقارب الف باخرة . كما اتسع النقل البرى بالسيارات بكافة ابواعها من ثقيلة وخفيفة . ويوجد فى الظهران ما ينوف على الفى سيارة من جميع الانواع . انشئت ظنا ورش خاصة للاصلاح متسعة جدا تضم كلما يحتاج اليه من الات للرفع والسبك والثقب والصب ، وفي الظهران مطار عالمى كبيرتم تسليمه الى حكومتنا السنية خلال هذا العام ، وهو مجهز بأعظم الاجهزة مما يستلزمه كل مطار عالمي . كمطار الظهران . أما شركة الزيت فانها تستعمل وعددها ما يزيد على عشرين طائرة في اعمالها الخاصة . حتى لقد بلغ عدد الرحلات الخاصة بأعمال الشركة خلال عام ١٩٤٨ م ما يزيد على الفين رحلة . وقد تم ربط باكمالها بشبكة بأسلاك التلفونات الاوتوماتيكية .
وجملة القول ان الظهران قد اصبح كل عام . ان لم كل على شهر يدخل فى حياة جديدة تدوير ملموس فى حياته الاقتصادية ، والبيئية والصحية ، والعلمية ، والعمرانية .
