لهجات بادية الجزيرة, ( الحلقة الثامنة )

Share

خلق :

بفتح الخاء وكسر اللام المخففة .. ثوب خلق : أى قديم . وحالة البادية فى الايام العجاف تجعل من هذه الصيغة صيغة حية الاستعمال ولا تتدثر مع غابر الآحقاب ، لان طبيعة اقليم الجزيرة العربية تتغير وتتبدل ، وكل الاعتماد فيها بعد الله تعالى على الامطار ، فتمر السنون الخصبة وما يتنعم البدوى حتى يكشف له الزمن الغطاء عن القحط والجدب ويقلب له ظهر المجن ، وتكمل الصورة حالة تدل عليها كلمة ( مرقوع ) فانها متقاربة مع الحال والزمان وهما لفظان عربيان لم تزل البادية تستعملهما حتى الآن قال الشاعر ابراهيم بن هبرمة :

عجبت أثيلة ما راتنى مخلقا

ثكلتك امك اى ذاك يروع

قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه

خلق وجيب قميصه مرقوع

هبط :

ذهب الرجل الى السوق .. البادية تقطن فى الشعاب والوهاد بعيدا عن الحركة

والاسواق .. واذا ما احتاج احد الى زاد أو ملبس .. ذهب الى السوق لشرائه وجميع ما يلزمه خلال اسبوع أو شهر .. ويسمون الاسبوع ( دورا ) واذا سأل احد : أين فلان ؟ .. يقولون له .. هبط السوق .. فيأتى بما يلزمه من ضروريات .. له ولجيرانه .. وأشد لهفا للانتظار هم الاطفال لانهم ينتظرون مفاجأة هدايا آبائهم لهم كالغترة الحمراء الجميلة أو ( الطاقية ) المزركشة .. وهذا الفعل قد ورد فى القرآن الكريم .. قال الله جل ذكره  ( .. اهبطوا مصرا فان لكم ما سألتم . . الآية ) سورة البقرة .

أنخ :

أنخ الراحلة .. أى أرحها من الوقوف وهى حالة وصفية لجلوسها بعد الوقوف .. ولا يقال للرجل .. جلس _ بتشديد اللام _ الراحلة لانها لا تنطبق على حالتها .. بل يقال أنخها .. فمن رأى فى البادية الابل وهى تستسلم لصاحبها ويحط الرحال يجدها تبرك على ركبتى يديها ثم تعود الى الخلف لتضع ركبتى رجليها ثم تعود على حالتها الطبعية الاولى لتستوى .. هذه الحالة هى المناخ ..

قال حاتم الطائى : _

وما انا بالساعى بفضل زمامها

لتشرب ماء الحوض قبل الركائب

وما انا بالطاوى حقيبة رحلها

لأبعثها خفا واترك صاحبى

اذا كنت ربا للقلوص فلا تدع

رفيقك يمشى خلفها غير راكب

انخها فاردفه فان حملتكما

فذاك وان كان العقاب فعاقب

الرديف :

كما ورد فى البيت الاخير من شعر حاتم الطائى .. فالرديف هو الراكب الثانى على الراحلة مع صاحبها . وما حديث معاذ بن جبل عنا ببعيد حيث قال رضى الله عنه : (( كنت رديفا لرسول الله (ص) .. الى آخر الحديث ))

طاوى :

جوعان من الجوع صفة لحال البطن اذا لم يكن به شىء .. من الطوى .. تقول اعراب الجزيرة .. أنا اليوم طاوى البطن .. ويعصبه بعض الاحيان بحبل يساعده على المشى والحركة .. تقع هذه الحالة بكثرة فى ربوع البادية وذلك لعدم توافر المعيشة باستمرار .. وتحل على المسافر على الابل اذا طالب المسافة وقل الزاد .. الدهور العجاف وما تجره على البدوى من الويلات والآلام ..

قال الحطيئة .. فى أبيات له مشهورة يصف حالة الكريم الفقير ..

وطاوى ثلاث عاصب البطن مرمل

ببيداء لم يعرف بها ساكن رسما

أخى جفوة فيه من الانس وحشة

يرى البؤس فيها من شراسته نعمى

وأفرد فى شعب عجوزا ازاءها

ثلاثة اشباح تخالهم بهما

حفاة عراة ما اغتذوا خبز ملة

ولا عرفوا للبر مذ خلقوا طعما

رأى شبحا وسط الظلام فراعه

فلما رأى ضيفا تشمر واهتما

فقال هيا رباه ضيف ولا قرى

بحقك لا تحرمه تا الليلة اللحما

ثم استمر فى وصف الحالة المؤلمة لهذا الفقير وما جرى بينه وبين ابنه حتى قيض الله له غزلانا ترتع فى الفلاة واردة الى غدير من الماء فانفذ اليها بسهمه . ولقد أجاد الحطيئة الوصف فى هذه الابيات :

فى هذه الابيات مفردات أخرى ك ( خبز ملة ) ( شعب ) ( بهما ) ونلفت نظر القارىء الى أن البادية تفضل خبز الملة على أى مأكول آخر .. والملة  . هى رملة نظيفة يحرق عليها بالنار حتى تتخلل جزئيات الرمل ثم يطرح بها عجينة خبز البر .. وتمللها هذه الملة بحرارتها ثم تخرج على أحسن ما يكون . والشعب : مفرد شعاب وهى المنحدرات فى الارض المخضرة .. اما البهم فهى صغار الغنم .. وقد ذكرها ابو منصور التعالبى فى كتابه (( فقه اللغة ))

الهمل :

الابل المتروكة بلا راع .. ويطلق هذا الاسم على كل ذى خمول ولا يرجى منه خير .. مشتقة من الترك ..

قال ابو اسماعيل الحسين بن على المشهور بالطغرائى فى لاميته المعروفة بلامية العجم :

ترجو البقاء بدار لا ثبات بها

فهل سمعت بظل غير متنقل

ويا خبيرا على الاسرار مطلعا

أصمت.ففى الصمت منجاة من الزلل

قد رشحوك لأمران فظنت له

فاربأ بنفسك ان ترعى مع الهمل

وبعض الاعراب .. يسمون أبناءهم بـــ هملان .. وهذا الاسم من الظواهر التى يتمسك بها اولئك الرحل .. ونظرتهم الى الاسماء تكاد تكون غريبة فهم يطلقون هذه الاسماء على ابنائهم ، ك : مريبض .. وكليب .. الخ .. ليتنفر منهم الموت ويكرههم (١) .. سمعت هذا من بعض الناس .. وهذا الاعتقاد خاطىء .. وقد عدلت مفاهيم ابناء الجزيرة فى هذا العهد الميمون .. العهد السعودى الذى بث العلم فى كل صقع وشعب .. وعرفت البادية حقيقة الوجود والايمان الصادق .. بل واتاحت الفرصة لمن انحرفوا فى هذه المسميات المشينة أن يعدلوا اسماءهم بما يليق وشخصية الانسان .. ولقد استنارت العقول وتفتقت الاذهان .. ادام الله علينا هذه النعمة . . ووفقنا لشكرها .

النهم :

الاكل بشغف ويسمونه بعض الاحيان .. الغلاث .. وهذه خاصة كريهة تبتعد عنها البادية بل وتمقت صاحبها .. وفى

عرف البادية ان كل نهم مغلوث (٢) لا يجلس مع الضيوف واهل الوجاهة .. وهذا أقل جزاء يلقاه هذا المبتلى ويكفى ان هذه الصفة قد وردت فى حكم شاعر العرب حسام الدين الواعظى المتوفى سنة ٩٩٠ ه. قال:

ولازم الصمت لا تنطق بفاحشة

واكرم الجار لا تهتك له حرما

واحذر من المزح كم فى المزح من خطر

كم من صديقين بعد المزح فاختصما

وصبر النفس وارشدها اذا جهلت

وان حضرت طعاما لا تكن نهما

البــــــــــــــــرض :

السنون العجاف التى تذيب الشحم وتبيد اللحم .. تجعل من البادية طبقة تمتاز بالصبر والتأنى فى الامور .. فاذا اجتاحت هذه الفترة البادية .. تجدهم ينسون انفسهم مقابل اكرام الضيف وعدم اشعاره بالضيق الذى هم فيه .. فاذا حل الضيف ليلا .. وهم لا يجدون المأكل الذى يسد به رمقه .. تسمع رب الاسرة يخاطب أحد ابنائه .. يا زيد برض الحلال .. أى

ابحث لنا عن لبن من الاغنام أو الابل نقدمه للضيف .. والبادية يتبرضون مواشيهم .. بحثا عن اللبن يجمعونه من مجموعة من المواشى .. اما لقلة .. أو لدهر حال بهم .. ولعل ما جاء فى البيت الاخير من أبيات ابى تمام يبين اصالة هذا اللفظ .. قال :

من ابن البيوت اصبح فى ثوب

من العيش ليس بالفضفاض

والفتى من تعرفته الليالى

فى الفيافى كالحية النضنـــــــاض

صلتان اعداؤه حيث كانوا

فى حديث من عزمه مستفاض

كل يوم له بصرف الليالى

فتكة مثل فتكة البراض .

ولعل سيادة الباحث الكبير مغذى المنهل الشيخ الانصارى يقرب الشرح ٠٠ ويبين ما قالته العرب عن هذه الحالة ٠٠ وان يتحف قراء منهله وعشاقه بتقريب الحالة بين البرض ٠٠ وبرضه ٠٠ المشهورة على ألسنة العامة ٠٠ التى تدل على الاضافة ٠٠

لان المعنى يتقارب للذهن بشحذ الهمم والزيادة فالبدوى يربض اغنامه ويستزيدها لبنا ويداعب اثداءها ٠٠ والآخر يستزيد المتكلم بالاضافة الى قوله السابق ٠٠ برضه ما نستغنى عن شذرة ذهبية من ريشة قلم أديبناالكبيرالشيخ أحمد الغزاوى أمد الله فى عمرهما ٠٠ ليدوم ظل دوحة العلم والادب وارفــــــــــا ٠٠

الحليلة :

هى الزوجة .. يقول العربى .. حليلة فلان هى فلانة ..

وقد وردت هذه الكلمة فى الابيات التى دارت بين الأحوص والفضل بن العباس .. ولطرافة الموضوع سأوردها هنا ليتمتع قراء المنهل بطرافة الشعر ..

ذكر الاصفهانى فى كتابه المشهور ( الاغانى ) قال : نسخت من كتاب ابن النطاح عن الهيثم بن عدى وقد اخبرنا به محمد بن العباس اليزيدى فى كتاب الجوايات ، قال حدثنا احمد بن الحارث عن المدائنى الا ان رواية ابن النطاح أتم واللفظ له قال :

مر الفضل اللهبى بالأحوص وهو ينشد وقد اجتمع الناس عليه فحسده فقال له : يا أحوص انك لشاعر ولكنك لا تعرف الغريب ولا تعرب .. قال : بلى والله انى لأبصر الناس بالغريب والاعراب فأسألك .. قال .. نعم قال :

ما ذات حبل يراها الناس كلهم

وسط الجحيم فلا تخفى على أحد

كل الحبال حبال الناس من شعر

وحبلها وسط اهل النار من مسد

فرد عليه الفضل بن العباس : _

ماذا أردت الى شتمى ومنقصتى

ماذا أردت الى حمالة الحطب

اذكرت بنت قروم سادة نجب

كانت حليلة شيخ ثاقب النسب

وأورد الاصفهانى رواية اخرى قال :

ماذا تحاول من شتمى ومنقصتى

ماذا تغير من حمالة الحطب

غراء سائلة فى المجد غرتها

كانت حليلة شيخ ثاقب النسب

انا وان رسول الله جاء بنا

شيخ عظيم شئون الرأس والنشب

الى أن قال :

وفى ثلاثة رهط انت رابعهم

توعدنى واسطا جرثومة العرب

فى اسرة من قريش هم دعائمها

تشفى دماؤهم للخبل والكلب

الجلة :

الجلة هى بعر الابل ويسمى الدمن .. هذا الاسم معروف ومشهور عند البادية وقد وردت أصالة هذا الاسم فى حديث ورد فى سنن ابى داود : ( حدثنا احمد بن ابى سريج الرازى ، أخبرنى عبدالله بن الجهم عن ابن عمر رضى الله عنهما قال : نهى رسول الله (ص) عن الجلالة فى الابل أن يركب عليها .. والجلالة من الابل هى التى تأكل العذرة .. والجلة .. البعر . وكره النبى (ص) ركوبها لانها اذا اجتلت أنتن ريحها اذا عرقت فتنتن راكبها .. )

ما أعظم الاسلام .. واقدس رسالته .. وأهذب وأنبل مبادئه ..

اشترك في نشرتنا البريدية