الكلمة القيمة الرائعة التى القاها الشيخ هاشم دفتردار المدني في احتفال ليلة القدر الذي اقيم فى بيروت فى المسجد العمري الكبير فى ليلة ٢٧ من شهر رمضان ١٣٨٩ ه
قال الله عز وجل :
"ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا ، فى كتاب الله ، يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم " ٩-٣٦
أى كتب الله في لوح مقاديره ، منذ الخلق الاول للعوالم :
- أن يكون شوط دورة الأرض ، حول الشمس اثنى عشر شهرا . وهذا هو العام .
- وأن يكون شوط دورتها حول نفسها ، أربعا وعشرين ساعة . وهذا هو اليوم بليله ونهاره . . واليوم القمرى يبدأ من غروب الشمس . .
وكتب الله أن يكون : لكل عام ، ولكل شهر ، ولكل يوم ، بل ولكل ساعة فما دونها فيوضات رحمة وغفران ونعم يتفضل الله بها على من يشاء من عباده . .
وما كتب الله من شئ في علمه الازلي أن يكون الا كان على اكمل وجه وأدق صنع وأحسنه : بأعيانه وأزمانه وخصائصه . .
صورة
وما أظهر الله من نعم غير محصورة يسبغها على عباده ، لم تكن بشئ بالنسبة لما أخفى . .
وفي ذلك يقول الله عز وجل
" وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها "
ويقول : " وما تعلم نفس ما اخفي لهم من قرة أعين جزءا بما كانوا يعملون " .
ولا أبعد من جهل القائلين بامكان الاحصاء . .
هذه ليلة القدر ، وها نحن أولاء نجتمع للاحتفال بها في هذا المسجد العمري ، فهل استطاع العلماء أن يحصوا ما يفيضه الله فيها من اشراف النعم ؟ بل هل إستطاعوا احصاء ما دون ليلة القدر افاضة نعم : كليلة الجمعة ، وليلتى العيدين ، وليالي ذي الحجة العشر – وهلم جرا .. حتى يكون ذلك في استطاعتهم ؟
ومنذ خلق الله السموات والأرض . وليلة القدر :
١ - تعتز بها الاعوام وتنضر وتسمو وتسعد
٢ - وتفاض فيها الخيرات إفاضة زاكية لا يقدر قدرها سوى مفيضها جل وعز . وهي زينة عجب ، ملائكة السماء تملأ دنيانا مواكب مواكب من مغرب الشمس حتى مطلع الفجر ، مشعشعة كل أرجائها . ومسلمة على أهلها ، ومباركة صيامهم وقيامهم وضراعاتهم .
وما أجل ما تزخر به معالمها : بشائر الهواتف ، وحسان الامانى ونفحات العربى ورضوان من الله أكبر
ومن أجل ذلك كانت أرال أسرار وأقداس آيات ، وأكوان معجزات وسحائب بركات بغير حساب .
ولم لا ؟ !
والله شرفها بانفتاق الحجب عن غيوب كلامه الازلى المنزل ، جلالا ونورا ، ولو لمحة طرف ، أو ومضة برق .
وبجلال كلامه نطق خاتم رسل الله : بأسرار الروح والعلم والحكمة والايمان والشرع والخلود . . وهو الامي الامين . ذلك ، هو القرآن المجيد الذى لا يأتيه الباطل ، من بين يديه ، ولا من خلفه . تنزيل من حكيم حميد .
ولو أنزلت آياته على شامخ الاطواد لخشعت وتصدعت ودكت من سطوة الالوهية اذ هو روح الارواح ، وسر الاسرار وقوة القوى ، وقدس الاقداس ، وحقيقة الحقائق ، ومعجزة المعجزات ، ومنار أنصار الحرية والعلم والحق والعدل والايمان والسلام والانسانية والحضارة الخيرة الصاعدة .
ولو تألبت عليه كائنات الظلام بأسرها : أبالستها ومردتها وعتاتها ، وتحدوا كلمة واحدة من كلماته ، لطاروا شعاعا وهووا رمادا .
وهل كانت هذه الليلة : ١ - ليلة القدر العظيم ٢ - وليلة الاحسان الكبير ٣ - وليلة الغفران الواسع ..
لولا ان الله اختارها لتكون مظهرا لكلامه الازلى الكريم .
ومن أجل ذلك جعلها الله مباركة من أول يوم أقام فيه خلق السموات والأرض ، وجعل الملائكة الكرام يغشونها بزيناتهم وتألق أنوارها وجعلها ليلة فصل الامور التى يجريها على الخلق ، وفق علمه الازلى الشامل .
وفي ذلك يقول :
( انا أنزلناه فى ليلة مباركة ، انا كنا منذرين ، فيها يفرق كل أمر حكيم ، أمرا من عندنا انا كنا مرسلين ) .
اذن فهذه الليلة ما كانت لها كل هذه المكانة من دون ليالي العام . . الا من أجل نزول القرآن المجيد فيها . .
والآن يجب أن نرفع راية القرآن ونقول :
ونحن في عزة العلم ، ونصرة الحق ، ومنطلق الفكر ، ونور القلب :
القرآن المجيد هو منحة المنح الالهية ودعامة الاصلاحات الصاعدة لكل حضارة انسانية عليا ، ومنارة منارات الايمان العلمي اليقينى ، ومعول المعاول الهادمة لأساطير الغابات ، وخرافات الاجيال ، وترهات الكهان ، وأباطيل التقاليد .
وانه مفتاح معارف الوجود بشطريه : المادي والروحي ، وأصل أصول الشرائع المثالية العادلة . وحقيقة حقائق الوحى السماوى ومعجزة معجزاته الكبرى وسر أسراره العلمية الواقعية .
بل قل انه نفحة نفحات الله في هذا الوجود .
وان شئت المزيد فاتل قول الله تعالى :
" شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس ، وبينات من الهدى والفرقان "
ثم أضف اليها هذه السورة المباركة :
" انا أنزلناه في ليلة القدر "
" وما أدراك ما ليلة القدر . .
" ليلة القدر خير من ألف شهر . .
" تنزل الملائكة والروح فيها باذن ربهم من كل أمر "
سلام هي حتى مطلع الفجر
وما دامت ليلة القدر تزدهر بأضواء الملأ الاعلى ، واشراق حقائقه بما يستنفد مداد الكتبة .
وما دامت خيرا من شهور ألف زاخرة بكريم الصالحات ، وصلة الارحام ، ومواساة البائسين ، واستجابة الادعية ، ونيل المطالب . فان آيات الوحي المنزلة فى هذه الليلة ، تلمسنا كل ذلك ، إذا نحن وجهنا حرية رسوخ العلم اليقينى لكشف حقائقها ، وقصرنا امكاناتنا ومواهبنا ، وحوافز نزعاتنا من اجل عرضها على الناس ، واذا نحن طرحنا تحت أقدامنا نزواتنا الصبيانية ، وأساطير تقاليدنا بكل ما تملك انسانيتنا من عزيمة وحماسة وشوكة .
واذا كانت الاقلام العبقرية العالمة تعجز عن الاحاطة بكل أسرار ليلة القدر . . فهل تستطيع الاحاطة بكل أسرار كلام الله الازلى المكنون ؟ .
هذا بعيد جدا . . ومثل هذه الاحاطة لم تعط حتى لأقلام اللوح المحفوظ .
ولن يحصى المخلوقون كنه صفات خالقهم العظيم جل جلاله .
أني يحصون وهو الذي يقول في محكم آياته . .
" يعلم ما بين أيديهم ، وما خلفهم ولا يحيطون به علما " !
واني كلما أنعمت نظري في مزايا الاشهر لقيت مزايا شهر رمضان أوفرها وأكرمها وأخلدها .
وكلما أنعمت نظري في مزايا ليالي شهر رمضان ألقيت ليلة القدر أحفلها وأعظمها وأروعها . .
وكلما انعمت نظري في مزايا ليلة القدر ، وجدت القرآن المجيد أروعها وأسناها وأخلدها ، وانها لولاه لما كانت ليلة القدر ، ولا كانت لها هذه الحفاوات والمواكب في عوالم الانس والجن والملائكة .
وهل نحن حين تقيم هذا الاحتفال الكبير في العشر الاواخر من رمضان الا من أجل قدر ليلة القدر . وهل قدر ليلة القدر
سوى القرآن المجيد . اذ هو عبادة الانسانية العالمة لخالقها بحقائق الروح والعلم والحق والنور . أما الحركات الرتيبة الخالية من حقائق كلام الله عز وجل . فهى تؤخر ، ولا تقدم ولا تقرب من الله زلفى .
ومهما يكن فالعبرة بما تنطوى عليه القلوب فى الباطن ، لا بما يبدو على الجوارح فى الظاهر .
ونهاية القول :
ان هذا الاحتفال دعوة مخلصة الى التمسك بآيات الله المنزلة فى هذه الليلة المباركة ، وحث عالمي صاعد لأولى الفكر العلماء الراسخين على دراسته دراسة علمية حرة ، لا جهل فيها ولا بغي ولا زيادة ولا نقصان .
واقدام بأسل ، للانتصار بالتضحية والبذل من أجل تمكين القرآن المجيد من الأرض .
وهتاف عالمي مجلجل للانضواء تحت لوائه ، لانه لواء رب العالمين .
