محنة الادب فى بلاد العرب، اذيع هذا الحديث بليلة ١٣٧٣/٨/٢٧ ه

Share

محنة الادب فى بلاد العرب محنة واقعية ملموسة . فان الادب الحديث قد كان شيئا مرغوبا فيه انتاجا ونشرا ومطالعة وشراءا ومداولة . . ثم رأينا هذا الادب ينصرف عنه المجموع انصرافا شاملا يشمل الشباب والكهول والمثقفين وانصاف المثقفين ، وصار الادب آلة دعاية ومطية شهرة للادعياء وحاولت الصحافة ان ترفع اعلاما جديدة من الادباء . هم فى واقعهم اشباح جوفاء وتماثيل جامدة هامدة . ثم . . ثم انهرت

سمعتهم لانها لا تقوم على اساس من ادب صحيح . . وقد ادرك الدكتور طه حسين حدوث هذه المحنة للادب فنشر مقالات عنها ضافية . والدكتور وصاف بارع وصاحب بيان ساحر وقد صاغ اكثر اسباب المحنة الادبية الحديثة فى بيانه الساحر الطريف . وجاء الاستاذ ابو الوفاء المراغي فوضع النقط على الحروف في مقال له جامع ممتع مانع نشرته مجلة الازهر الغراء في عددها لشهر رجب ٧٣ ه قال الاستاذ :

( لا شك أن الأدب في محنة . ولا شك ان الادباء كذلك في محنة .

ويعني بالادب ذلك الانتاج الفنى الرصين الذي يعبر عن حوالج النفوس ولوعات القلوب وغرائب الحوادث ومبتدعات الفن والحضارة فى ثوب انيق . واسلوب رشيق . وتشبيه دقيق . واستعارة رائعة . وخيال مقبول . ولا يعنى به ذلك الانتاج المبتذل الرخيص . المهلهل النسج الذي وضعت عباراته فى غير انسجام )

وادخل الاستاذ الاديب الناقد في سلة هذا اللون من الادب المهمل المهلهل ( كتب الادب التى تطالعنابها المطابع كل شهر ومؤلفيها الذين يظنون انهم ينتظمون بذلك الانتاج السوقي في سلك الادباء ) وتتمثل شخصية محنة الادب ان صح هذا التعبير لدى الاستاذ في ندرة ما يظهر فيه من كتب . خاصة فى الربع

الثاني من هذا القرن . وتتمثل كذلك في انصراف القراء عن قراءة الادب . وعدم تشجيعهم الادباء بالاسهام فى اقتناء كتبهم والتنويه بمجهوداتهم . وقد عرض الكاتب الحصيف لبحث اسباب هذه المحنة . ونفي ان تكون من القراء ونفي ان تكون من الادباء . ونفي ان تكون من

انصراف القراء عن الأدب الى شؤونهم الخاصة والعامة ونفي ان تكون من ارتفاع اسعار الكتب . وقد وضع النقط على الحروف حينما مثل شخصية محنة الادب فى سبب حقيقي واقعى وحيد يكمن وراء الخطر كل الخطر على الأدب الحديث جملة وتفصيلا

كما يكمن الخطر على مدينة يقوم باشادة عماراتها الشاهقة اشخاص دخيلون على فن العمارة والهندسة ولا يفهمون منها سوى وضع اللبنة فوق اللبنة مستقيمة كانت او مائلة . ملائمة او غير ملائمة . ان السبب الحقيقى فى محنة الادب هو على ما كشفه الاستاذ المراغي ( مزاحمة

المتأدبين ) الادباء ومحاولتهم ان يخلطوا انتاجهم الغث الرخيص . بالثمين الغالي من انتاج هؤلاء . معتمدين فى ذلك على الدعاية بوسائل لاتليق بالادب ولا الادباء . وتظاهرهم على اهدافهم وفوضى الالقاب الادبية . وراح الاستاذ يفصل ما اجمل اذ يقول :

( لقد طغى المتأدبون على الادباء . وزاحمت كتبهم ودواوينهم كتب ودواوين هؤلاء . وقد يظهر في عالم التأليف مؤلف لبعض من لم تعرف منزلته الادبية وتقبل على شرائه وقراءته مخدوعا باعلان عن الكتاب وعن القاب صاحبه فاذا قرأته وقعت منه على ساقط من القول . ومرذول

من الكلام . وراعك منه تهافت الاسلوب . واضطراب الخيال وخروج بالشعر والنثر عن جادة الادب ويكون من نتيجة ذلك ان تكره الادب وتبغض الادباء . وتأخذ البرئ بجريرة المذنب وتنصرف نفسك عن كل ما يظهر من كتب . ويسوء ظنك بالادب والادباء وترك همتك عن الاستزادة من الثقافة الادبية الجديدة

مهما كان مصدرها ) . وكاتب " الاوعية والغلال " يؤيد الكاتب المفضال على طول الخط فيما ذهب اليه من اسباب تدهور الأدب فى بلاد العرب ولدي عشرات الشواهد والأمثلة على صدق هذا القول وعمق هذا التفكير ليس من بلادنا المبتدئة اللاهثة فى مجالات الادب . فان نتاجها الادبى ليضمر

جدا إذا قيس بغيرها من بلاد العرب انتاجا وتفكيرا وتاليفا وبيانا . بل ومن بلاد العروبة من مصرها الى شامها ومن عراقها الى لبنانها . فان فيض النتاج الادبي لقد تضخم كما ، فيها . . وتضاءل وضمر كيفا . بها ولذلك قررت ان لا اشترى كتابا حديثا . مالم اتأكد من افادته ولا اقرأ مقالا ولا قصيدة فى اية صفحة ، قراءة تامل ما لم اتأكد من أفادتهما . وانما هو المرور العابر بهذا الذي ينظم نظما صناعيا لا روح فيه ولا ادب . وانما هو اسفاف وتقليد

وكلمات ترسل بغير حساب . وانما هو المرور العابر بهذا الذي يكتب وينشر في الصحف من مقالات وقصائد عديدة تخرج بدون حساب علينا كل يوم لتزيد اذهاننا بلبلة واضطرابا ولتحملنا عناء احتمال الاذى والغثاثة فوق ما نحتمل فى حياتنا من غثاثات واذى . . ولله در المتنبي اذ يقول :

واحتمال الأذى ورؤية جانبه

       غذاء تضوى به الاجسام

على ان محنة الأدب الحقيقية تعود الى الادباء أنفسهم . . فقد امتهنوا  الادب الرفيع واذلوا عنقه العالي للكسب المادي الرخيص . فترى امثال الدكتور

محمد حسين هيكل والعقاد وطه حسين يرفضون ان يكون نتاج اقلامهم منشورا على الصفحة الاخيرة من الصحف اليومية السيارة واذا تأملت كنه هذا الانتاج وجدته اسفافا وامتهانا

لروح الادب ورسالته حتى من الناحية المعنوية . . اما من الناحية المادية فليس اهون من ان يرتضى اديب كبير ان يكون نتاج يراعته مسخا على صحيفة سيارة كالاهرام . . منشورا بذيلها لانه من سقط المتاع حتى فى نظر كاتبه . . وقديما قال المتنبي :

من يهن يسهل الهوان عليه

     ما لجرح بميت ايلام

اشترك في نشرتنا البريدية