وقد كانت اسمع بوجود أطلال مندرسة بالقرب من العقير على ساحل البحر يظن بعض علماء الآثار أنها آثار مدينة عربية قديمة مفقودة كانت تسمى ( جرها ) [ CERRHA ] وكان اليونان والرومان يعتبرونها من أكبر المدن التجارية فى الشرق الأوسط . وليس بعيدا أن الكلدانيين الهاربين من اضطهاد البابليين قد التجأوا إلى هذه الأراضى وأسسوا بها مدينة ( جرها ) وجمعوا فى مخازنها كميات كبيرة من اللبان والتوابل ومواد أخرى واردة اليها من جنوب بلاد العرب والهند وأفريقيا وكان الطريق التجارى الرئيسى الذى يربط أوروبا بالشرق فى تلك العصور القديمة والمار بالبلاد العربية يمر بالخليج الفارسى أكثر من وصوله إلى البحر الأحمر . ولذلك تقدمت مدينة (( جرها )) فى التجارة تقدما باهرا واشتهر تجارها بالثراء والغنى وبأنهم كانوا يتخذون من الذهب والفضة أواني للشرب ووسائد ومعارج لبيوتهم وكانوا يزينون جدر بيوتهم وأبوابها وسقوفها بقطع من الذهب والفضة والاحجار الكريمة والعاج . وكانت قوافل كثيرة محملة بالبضائع تخرج من أبواب هذه المدينة إلى داخل الجزيرة العربية نحو حضرموت وسواحل البحر الأحمر وسواحل البحر الأبيض . وبعد بلوغها أوج الازدهار - والعظمة ، أخذت من قبل العصور الوسطى بقرون ، فى التقهقر والانحطاط وخمول الذكر حتى انمحى أثرها وانقطع ذكرها ونسي اسمها ، جاء القرن التاسع عشر فلم يعرف أبناؤه شيئا عنها ولا عن مقرها و موضعها . * * *
كان اتجاه سيرنا من منطقة الظهران نحو الجنوب ، وقد مررنا فى طريقنا إلى العقير شمال صحراء الجافورة بارتفاعات جبلية يبلغ ارتفاع بعضها مائة قدم وينتهى بعضها بهوات سحيقة وانحدارات رأسية من الناحية الجنوبية وفى مرة من المرات كدنا نذهب ضحية احد هذه المنحدرات واوشكنا على السقوط فى هوة منتهية بعد انحدار هائل بارض ذات حجارة ولكنا تداركنا الخطأ بارجاع
السيارة الى الوراء والعدول عن ذلك الطريق الى طريق آخر وبعد أن قطعنا مسافات طويلة بين هذه المرتفعات والمنخفضات على ضوء ((البوصلة)) دليلنا فى هذه المرحلة جنحنا نحو الشرق تاركين المرتفعات الجبلية وراءنا حتى وصلنا (( العقير )) واطلت علينا مياه الخليج الفارسى بزرقتها الداكنة ومن ثم بدأنا فى عمليات البحث والتنقيب فى الناحية الشمالية من العقير حيث وجدنا ارضا واسعة بها اطلال قديمة ورسوم دارسة تبعثر بين ترابها وكتلها الطينية قطع من قلال قديمة واجزاء من الزجاج الملون ووجدنا فى اماكن متفرقه آكاما من الطوب المرجانى المستعمل فى البناء كما شاهدنا بقايا جدر أسسها مشيدة بالحجارة . وقد اكدت لنا مشاهدتنا واختباراتنا أن مدنية ( جرها ) التاريخية كانت ولا شك تقع فى هذه الاراضى ولم ينقصنا فى تأكيد هذا الاعتقاد إلا عدم عثورثا على بناية معروفة أو اعمدة تاريخية أو لوح مكتوب .
وقد ذكر بلينى ( PLINY ) (٢٢-٧٩) م فى دائرة المعارف الخاصة بالانسان عن مدينة ( جرها ) هذه ، أن دائرة مساحتها تقدر بخمسة اميال ، وان بها اكواما كبيرة من كتل الملح المربعة الاشكال ، وزاد الجغرافى اليونانى استرابو ( STRABO ) ( ٩٣ ق م ٢٤ ق م ) على ذلك أن تربة هذه المدينة كانت تحتوى على كميات كبيرة من الملح وكان سكانها يتخذون بيوتهم من الملح وإذا مازالت قشرة الجدار الخارجية تدريجيا بفعل الشمس واشعتها الحارة عمدوا الى الماء يغمرون به الجدر لتبقى متماسكة مع بعض . وكان منظر هذه البيوت المشيدة من قطع مربعة من الملح الابيض المثلج ( اى غير شفاف ) جميلا جدا ، واجمل منه منظر السكان وهم يركضون أحيانا هنا وهناك بجرادل ماء يغمرون به الحيطان .. )
والظاهر أن وصف استرابو لهذه المدينة بهذه الكلمات وبهذه العبارة لا يخلو من مبالغة أسطورية وزخرفة خيالية ، إذ لا يرى الآن حول هذه المنطقة أى أثر لوجود مملحة أو طبقات جامدة من الملح يمكن الاعتماد عليها فى صحة ما ذكره استرابو . نعم هناك أراض سبخة ممتدة الى مسافات بعيدة وفى تربتها لا شك كميات كبيرة من الملح والجبس ، والاجر المصنوع من هذه التربة يكون قويا وربما كان استرابو يشير بوصفه الى هذه التربة الملحية ، واذا فهمنا أن بيوت
هذه المدينة كانت مبنية بهذا الطين الملحى سهل علينا جدا أن ندرك علة زوالها من الوجود ، وزوال كل أثر من آثارها غير بعض أسسها الحجرية .
ويذكر التاريخ أن الملك انطيوخوس الثالث أبحر باسطوله قبل الميلاد بخمس ومائتى سنة لاخضاع أهل مدينة ( جرها ) واخضاع ما جاورها من القبائل الا ان نظرة واحدة منه على هذه المقاطعة القاحلة التى حول المدينة جعلته يطرح عن رأسه كل فكرة خطرت له حول احتلالها أو اخضاع أهلها ، وكان كبير مدينة ( جرها ) قد بعث الى هذا الملك برسالة رقيقة يستعطفه فيها ويطلب منه عدم التعرض له أو لمدينته . فقبل الملك وجاءه على شرط أن يدفع أهل ( جرها ) كمية كبيرة من الذهب والفضة والأحجار الكريمة ولم يرحل عنهم الا بعدما أخذ مطلوبه .

