مذكراتي في الحج، لعام ١٣٨٧ ه

Share

اليوم هو الجمعة . . التاسع من ذى الحجة عام سبعة وثمانين وثلاثمانة والف  من الهجرة . . السماء صافية زرقاء . . لا يحجبها ضباب ولا سحاب ، وقد تنفس الصبح فبسط على الكون رداءه . . ونشر على البرية سناءه وضياءه . . وأشرقت الشمس بنور ربها فاعتدل الجو وتوسط المناخ . . فلا قيظ ولا زمهرير . . ولا قر ولا قشعرير . . فى هذا اليوم السعيد يقف الحجاج في عرفات . . وان نداء خفيا يدعونى الى حج البيت ويلح فى النداء . . وها انذا اتحفز لألبى داعي الله . . انا الآن فى مدينة الطائف . . فى حي الشهداء . . أطل من عل ، على الشوارع المقفرة من كل سابل . . وكأنها أضحت بب الا من شارع واحد يغص بأناس يسكون اتجاها واحدا وينشدون صوبا معينا . . وبرندون  لبوسا موحدا وزيا متشابها . .أنهم  الحجاج . . وتلكم احرامات الحج . . منظر يخلب الالباب . . ان قلبي ليخفق ويسنفزنى  ان أشاطرهم مثوبتهم . . مهلا ايها القلب المتيم فى حب الله . . ساسكب عن جسمي  قليلا من الماء . . أما وفد فرغت . . فدعنى البس الاحرام واتجرد من المخيط ناويا لحج وحده دون تمتع أو قرآن . . ان فى  قلبى لفرحة غامرة . . وان فى فؤدى لغبطة نادرة . . أعجز عن وصفها . .

لقد تم الاستعداد الآن . . وها نذا نضع

نفسي داخل السيارة بصحبة أخي . . وعلى  ذكر الأخوة . . فان لهذا الاخ في قلبي محبة تفوق الاخوة . . انه ذو اخلاق عالية وذو شنشنة فاضلة يغبط عليها . . انه شاب مهذب مدين . . لكم اغبطه على زهده وورعه وتدينه . . ولكم اعجب وأبهر لهذا الايمان العميق الذي يحتاجه ويكتنفه . .

السيارة بنا تسير . . ونحن ما ننفك نلبى . . يتباطأ احدنا فى التلبية ويتئد . بينما يرف الآخر فيها ويخذرف . . فى غير ما تناسق ولا انتظام . . ثم تتقارب الأصوات وتنجاذب النغمات . . حتى تكون تناسقا وانسجاما فريدين . . وان الاودية والجبال لتضج بهذه التلبية الخاشعة وتردد صداها . . والطريق بنا تمتد . . والسبيل تتعرج . . حقا ان سائقنا لمن طراز فريد . . انه فاند سيارة حاذق ماهر . . هادىء فى سيره . . رشيد فى قيادته . . يسير الهوينى فى تؤدة ندعو الى الاعجاب . وانا لنصعد النجاد ونهبط الوهاد فى يسر غير معسر . . وانى لأرجع باصرتى ذات اليمين وذات الشمال . . فتأخذني الدهشة لكثرة هياكل السيارات المحطمة والمبعثرة هنا وهناك . .

ايها السائقون ألا ترعوون . . الا تأخذكم عظة وعبرة ؟ . يا أخي السائق أما فكرت وانت تمر مر الكرام بهذه الهياكل التى فقدت رونقها واضحت أثرا بعد عين . . أما فكرت أين غدا سائقوها ، وتحت أى ثرى دفن راكبوها ؟ ، قسما بأنك ما فكرت ولا تدبرت . . وآية ذلك اننى المح العديد من طرازك يسابق الريح في خذرفة جنونية هوجاء . . كأنه يسابق المردة ويتحدى الشياطين . . انني لأقترح ان يضع ذوو الاختصاص لافتات فوق هيكل كل سيارة

وقد كتب عليها : (يا اخي السائق اتعظ لقد قتل في هذا الحادث كذا وكذا) توضع على قارعة الطريق لافتات يكتب  عليها : ( السرعة جرم كبير ) و ( انك هذه السرعة خارج على القانون ) ! .

ما زلنا نسير . . تهتف حناجرنا بالتلب حينا وتمسك أحيانا . . والرجل يفودن فى  سيره المعهود . سيره الهادىء القا المتئد الرصين . . جزيت خيرا أيه السائق . . كأني بك قد اطلعت على م تهجس به خواطرى وتجوس خلاله أفكارى فرحت تعمل بها . . ولكن مهلا . . ما أرى أمام السائق . . انها عبارة صيغ بهذا الاسلوب : ( في التأني السلامة  وفي العجلة الندامة ) عبارة حكيمة حبذا لو كتبت في كل عربة .

عجبا لهذه الجبال الشواهق السوامز البواسق . . التى تكاد تطاول السحاب . وتوشك أن تحجب الضياء ! وعجبا له الاودية العديدة المديدة . . البعيدة الغور السحيقة العمق ، الكئيبة الموحشة . . وك مرتع للوحوش الكاسرة . . وملاذ للاسو المفترسة ؛ لله أنتم معشر البدو ، ما أشجعك وما اعظمكم ان الذي يدهشني حفا ويروعنى صدقا . . وجود بدوى فى ه الوادى . . وآخر فى ذاك . . وثالث  ف الذي يليه . . يرعى كل منهم ابله او عن متجشما شظف العيش . . ومكابدا عنا العزلة والقطيعة في هذا الوادى الموح الكئيب انها الرجولة الحقة تتجلى ف أسمى معانيها . . هم أناس لا يهابون الموت  ولا يرهبون الردى . . جبلوا على الشجاع

انني الآن لا أرى أودية ولا ابصر شعاع  وان الارض لتنبسط أمامي كالبساط أو كالمهاد . . لا يعرقل انبساطها سوى

صفين من الجبال على المدى البعيد من كل جانب . . في هذا المكان الممهد يمكن أن نقوم فرية كبيرة لو نوافر لها الماء لتكون همزة الوصل بين الطائف وأم القرى . . ان أعمدة الهانف لتتابع وتنواتر أمام بواصرنا كانما هى الى تسير ونحن ما ننفك وقوفا ! . . ونسير غير بعيد فتلوح لنا ارض شاسعة واسعة . . رحيبة فسيحة . . تزخر بالخيام . . وتعج بالحجيج . . مثلها كمثل أرض زراعية غرست بالكرنب فأينع وأثمر . وابيضت اوراقه واتصلت جذوره . . وتعانقت براعمه وزهوره . . وافتر ثغر المرء لمرآه بما ينم عن جذله وحبوره . .

ها نحن نوغل في الموقف المقدس قليلا  والسنتنا ما تفتأ تنهج بدعاء العلى القدير . ولا تفتر من ترديد الصلاة على البشير النذير . . وعلى قارعة الطريق من السيارة نزلنا . . وفي مكان غير بعيد للرحال حططنا . . واعددنا لنا متكئا وفيه أنخنا . . ولقد احسنا صنعا اذ ربضنا على عامة تل اقيم عليها خزان للمياه كبير وانا لنشرف من عل ، على جبل الرحمة وهو يزدان في حلة من الخيام قشيبة . . وكأنه  عقد كبير من الذهب رصع بأحجار الماس .

هنا فى هذا الموقف الوقور الجليل تتجلى  روعة الاسلام ، هنا انموذج القسطاس وأوج المساواة . . هنا تذوب الفوارق وتنمحي الطبقات . . فلا غني ولا فقير . ولا حقير ولا امير . . ولا وضيع ولا جليل بل هم جميعا سواسية كأسنان المشط . فى زى واحد وفي لبوس واحد . .حاسرى  الرؤوس . . شاخصى الابصار . . داعين ملبين . . موحدين مستغرين . . يرجون الرحمة ويخشون العذاب . . وان الله ليباهى بهم ملائكته ، وانا لنرجو ان نكون

ممن شملهم رحمة الله وغمرتهم مغفرته واكتنفهم رضوانه . . وانى والله لأحس بين جوانحى بطمأنينة حانية تغمر قلبي وتأخذ بمجامع فؤادى ولبى

ها قد أهل علينا شيخ مسن قد وخط الشيب رأسه وكسا عارضيه وكلل ذقنه . . فأضفى على محياه سمة من الوقار ، وأفاض على سيماه هالة من الجلال ، وقد بدا الرجل دامع العينين متفصد العرق ، منهك القوى ، واهن العزيمة . . وها نحن أولاء نهش له ونبش . . ونوسع له ونسأله عن حاجته ، فتنهل عبراته من مقلتيه وتنسكب على وجنتيه . . ثم يرد علينا برطانة أعجمية غريبة على أسماعنا ، قلت لأخي أغلب الظن أن الرجل تائه عن زمرته  ضال عن ثلته ، وانى لأود من صميم قلبي مساعدته والاخذ بيده ولكن كيف ؟ . . أنت يا رجل . . ألا تحسن العربية آ . . لا جواب غير الرطانة الفظة الخشنة . . يا عم آ . . لا شئ غير الرطانة  Can you speak english التى لم أفقه منها بعد جهد جهيد سوى ( مملكت افغانستان ) ولم أجد من لفظ أرد به عليه سوى (محمد ظاهر شاه ) ؟ فيومئ بالايجاب ، ويتهلل وجهه فرحا وكأنه يحمد الله . أن فهمت عنه أخيرا بعض الشئ ! ثم ودعنا وانصرف بعدما قضينا حاجته مبتغين بذلك وجه الله .

بجانبنا الآن جهاز راديو يصخب بصوت لاجب . . يذيع إذاعة مشتركة بين دول خمس هي : - السعودية . . والسودان . . والاردن . . وتونس . . ولبنان ، يتناوب الاذاعة فيها مذيعو الدول واحدا بعد الآخر ! ، هذا التعاون الاذاعي له ما بعده فى توثيق عرى الاخوة العربية والاسلامية ودعم وشائج الدين . . ويا

حبذا لو اتسع نطاق هذه الفكرة لتكون اعم واشمل ، بحيث تشترك جميع الاذاعات العربية والاسلامية على السواء ( ١ ) . . اذن  لبرز التعاون الاسلامي . . فكانت هذه الظاهرة رمزا ساميا ومعنى عظيما . .

ها هي الاذاعة الخماسية المشتركة تذيع الآن من مسجد ( نمره ) بعرفات  (دعاء عرفة) يلهج به فضيلة الشيخ (عبد العزيز بن حسن آل الشيخ ) وقد أعقبته (خطبة الحج ) التى تحض على الوحدة الاسلامية وتحرض على الجهاد فى سبيل الله . . تلتها مشاعر الصلاة . . وها هو : وح الاردني يثير كوامن الاشجان ، وينكا جروح الاحزان بذكره المسجد الاقصى أولى القبلتين وثالت الحرمين الشريفين . . وقد انتهكت حرمته . . وديست قدسيته . . وابتذت كرامته ، من قبل حفنة لقيطة من الصهاينة الاوغاد أعداء الدين ، وأعداء الانسانية ، وان بنات عيني لتنسكب من مقلتى مدرارا على المجد الذي غاض ، والعزة التى أفلت ، والأنفة التى ذوت واضمحلت . . وها أنذا أضرع إلى بارئي عزت قدرته وجلت عظمته أن يوحد صفوف المسلمين ويجمع كلمتهم ، ليستعيدوا المجد الغابر التليد . . وليسترجعوا المسجد الاقصى العتيد . . بل وكل الارض المقدسة - فلسطين - وانى لأومن أن الله مستجيب : - دعوات عشرات الالوف فى موقفهم العظيم هذا بين يديه . . حيث لا يكون بينهم وبين الله حجاب ، واني لأوقن ان المسجد الاقصى لن يفلت من ايدينا الى

الابد . . ولكن الله بالغ امره . . ولا بد ان يحق الحق ويزهق الباطل . . فان لكل محنة نهاية ، ولكل خطب ختاما . . وان مع العسر يسرا . .

يا اخي " على " دعنى اجس خلال الخيام لأتبين فوارق الرشد من الغي .. لأستوضح البون الشاسع بين الرشد والهدى . . والزهد والتقى . . هنا فى هذا الموقف المقدس . . حيث التقى أبو البشرية آدم بأم الانسانية حواء ، وحيث وقف سيد المرسلين وخاتم النبيين ، وبين ما كنا نرتع فيه من غي وضلال فى بقاع الارض وفى جميع ارجاء المعمورة ، وقد استهوتنا الدنيا بزخرفها وبرقشها ونمقها واستحوذت على البابنا بفتنتها وزينتها وملاهيها وعبثها ، وصخبها وضوضائها غرقنا في الراحة والترف . . وامعنا فى الرفاهية والنعيم ، واستسغنا لذائذ الإكل وأطايب الطعام . . واستمرأنا وثير الفراش ولين الوسادة ، حتى إذا نادى المنادى . ان حي على الجهاد . . إذا بنا لا نقدم الا لنحجم ، ولا نشتد الا لنتقاعس ، واذا بنا نتوارى رهبا وهلعا ، ثم ننكص على أعقابنا . ونولى العدو ادبارنا ، واذا بالعدو يستهين بالملايين المائة ويستخف بهم ، واذا به لا يقيم لهم وزنا ولا يحسب لهم أدنى حساب رحنا لنسترجع أرضنا الغابرة ومجدنا التليد . . فاذا بالعدو يهيمن على كل ما تبقى لنا فى الأرض المقدسة من تراث غوناه يا رب ورحماه . .

لم يكن والله ينقصنا العدد ولا العده . . بيد أن هناك عوامل نفسية ومعنوية أسقطناها من الحساب ، فكانت من الاسباب الرئيسة التى ادت الى تلك الهزيمة النكراء التي حاقت بنا . . أو النكسة كما يحلو له ان

نسميها ، من هذه العوامل : الضغائن والبغضاء والشحناء . . والاتهامات الباطلة ، والترهات الملفقة ، وسوء الظن ، وضعف الايمان ، وانعدام الثقة ، وعدم الاعتصام بحبل الله ، وعدم التشاور فيما يعضل علينا من أمور جسام . . وعدم التعاون على البر والتقوى ، وعدم التجاوز عن الزلة والتسامح عن الهفوة ، والصفح عن الهنة وعدم الامر بالمعروف والنهى عن المنكر تلكم لعمرى أسباب رئيسية . . لو اتيح لها أن تزول . . ولو تسنى لها أن تنمحق اذن لزالت بزوالها اسباب النكبة ولانمحت باحتجابها دواعي الهزيمة . . وأذن لحقت كلمة الله . . ولأوفى الله بوعده بنصر المؤمنين . ما بالنا - كعرب وكمسلمين - لا نزرع الايمان فى قلوب جنودنا وضباطنا . . ليس عن طريق الوعظ والأرشاد وحدهما ، بل نسخر لذلك كل الطاقات ونمهد كل السبل ، نغرس الايمان عن طريق الصحيفة والرواية والمذياع والتلفزيون والمسرح والمدرسة والمسجد والمنزل بأساليب علمية حديثة محببة للنفس مشوقة لها لا تدع مجالا للملل والسأم .

بهذه الافكار المدأللة كنت أهجس وأنا أهبط هامة الأكمة التى اعتلينا ذروتها واتخذناها مضجعا . . وكنت ألفي فيها بعض العزاء والسلوان .

وها انذا اجول بين الخيام المشرعة . . وقد لفتت نظري وراعتني بادرة غريبة وظاهرة عجيبة . . بيد أنها تثبت ما للحج من منافع جمة ، ومن جدوى عظيمة ، ومن مغزى عميق . . ذلكم أنني وقفت أمام صنبور ماء . . وقد صف الناس أوانيهم حتى - إذا جاء احدهم دوره ملأ انيته ومضى ، وكان ضمن الصف المتراص شخصان ،

ثبت لى أن أحدهما تركى وبدا لى الآخر أنه ايرانى ، كأني بك تتحفز لان تسأل : - وكيف عرفت ذلك ؟ ، الحق معك . . فأنا لا أجيد التركية أو الفارسية ، ولكن عنوان كل منهما عرفني بجنسيته . . اذ ان كلا منهما أعطى الآخر اسمه وعنوانه فذكر احدهما " استنبول " وذكر الآخر " طهران " وهكذا تعارفا فكتب كل منهما اسم رفيقه وعنوانه بالكامل ، وكانا يتحدثان بلغة مختلطة يحاول كل منهما جاهدا أن يفهم الآخر ما يعنى ، ويشرح له ما يقول . .

حتى إذا يئس من فهمه ، أشار له اشارة وأوما له ايماءة . . وفيما هما في ذلك ، اذ وصلت صفيحة احدهما صنبور الماء . . فلم يكن منه الا ان قدم رفيقه من دونه ليملأ اناءه ! . . انه التعاون اذن وانه التعارف . . وانعم بهما من خصلتين . . ذكرتا فى محكم التنزيل وحققتهما مناسك الحج ، واننى أرى أن تفرق اللغات وتعددها وتباينها . . تقف حاجزا صفيقا وعقبة كؤودا فى سبيل التعارف والتفاهم والتعاون  فياحبذا لو اتخذ المسلمون في مشارق الارض ومغاربها لغة القرآن لتكون لغة التخاطب الوحيدة بين المسلمين كافة . . ولكن أنى لهم ذلك . . ولله في خلقه حكمة وشؤون لا ندركهما ولا نسبر غورهما . .

(ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة " . . وما زلت بين الخيام أجول . . حمدا لك يا الله ما أكرمك . . فلقد جعلت الجو معتدلا لطيفا ، وانى لأستمرىء التجوال دون أن ألقى عنتا ولا رهقا ولا نصبا . . وأصوب باصرتى محدقا فى اجواز الفضاء . . متفكرا متمعنا في تلك الخيمة الزرقاء . . كيف ارتفعت بهذا العلو السامق . . وكيف بلغت هذا المدى الباسق . . دونما عمد

تردعها من أن تهوى على المهاد . . الا تقوم هذه الظاهرة دليلا قاطعا لا يتطرق اليها الريب . . وبرهانا ساطعا لا يرقى اليه الشك على عظمة الله وقدرته . . يا الله . أما تفكر الملحدون ولا تدبروا في هذه الآية البينة والمعجزة القائمة ؟ . . أما تفكروا فى رسوخ الجبال ، وانبساط الارض . . وهدير البحر . . وتلألؤ الكواكب . . وبزوغ القمر . . وسطوع الشمس . . وتناوب الليل والنهار في الضياء والديجور ؟ . .

دعهم في طغيانهم يعمهون . . فأولاء وقود جهنم ( يوم نقول لجهنم هل امتلأت فتقول هل من مزيد ) ، وفيما أنا ممعن فى هذا التحديق وذلك التصويب . . اذ لمحت طائرتين عموديتين من طراز ( الهليكوبتر ") تجوبان الآفاق . . محلقتين في سماء عرفات . . وتد أو كلت الحكومة السعودية الرشيدة لهما مهمة نقل المرضى الى المستشفيات خصيصي لهذه الغاية . .

واسير فأشاهد مراكز خاصة لبوليس النجدة للمحافظة على الامن ، ونقط حراسة للشرطة ، وأخرى لرجال المرور ، ومركزا خاصا لجمعية الهلال الاحمر السعودي للعلاج المجاني . . ومراكز اخرى كثيرة لخدمة الحجاج . . في الحقيقة أنى لست داعية لهذه الحكومة أو لتلك . . وانما هي شهادة نزيهة ادلى بها للحقيقة والتاريخ مبتغيا بها وجه الحق وحده . . فهذه الجهود الجبارة التى تبذل فى جميع المرافق من جانب الحكومة السعودية لراحة الحجيج وتلك النفقات الباهظة التى تتكبدها لتوفير كل متطلبات وفود الرحمن . . وهذه الاصلاحات التصاعدية التى تزداد عاما بعد عام . . يجب أن لا تقابل بالجحود والنكران ، فهي حقائق ثابتة مائلة للعيان

وضاءة كالشمس . . جلية كالضحى الآن سئمت التجوال . . وبلغت من امرى رهقا . . ولقيت في سيرى نصبا . . وان الصداع ليتناوشني ويتعنت بى . . يا الهي . . اني احس بثقل فى رأسى شديد ، ودوار يعصف بي ويكاد يلقيني على الارض ، ماذا افعل . . اأصرخ . . أاستغيث . . ااطلب بوليس النجدة . . أأومئ لهذه الطائرات المحلقة في الفضاء . لا لا. . ما زال بي بقية من جلد ، وثمالة من تماسك . وقدرة كلية على الاحتمال ، سأقفل عائدا الى شقيقى فلربما قد سئم الانتظار ومل الترقب ، ولكن . . الجوع . . الجوع قد اشتدت بي وطأته حتى ليكاد يقضم امعائى ويقرض احشائى ، يجب ان ابتاع طعاما اذن . . فان لمعدتى على حقا وكذلك فان لى اخا يجثو على هامة الرابية قد دوخته المسغبة هو الآخر . . يا اخا العرب ، بكم تبيع العيش ؟

وابتعت ما شاء الله لي أن ابتاع . . وعدت أدراجي صاعدا سفح الهضبة ، ممتطيا غرتها . . فتلقاني اخي فى لهفة مؤكدا أن قد انتابته الهواجس واكتنفته الوساوس لطول غيبتى ، وطعمنا فاسكتنا صراخ الجوع وكتمنا عواء المعدة ! . .

شمس الاصيل تنحدر رويدا رويدا نحو الافق الغربي لتختفي وراء الآكام والظراب . . وان النسيم العليل الذي بدأ يداعب المشاعر في رقة وحنان . . يضفى على الموقف وقارا وجلالا ، وقدسية وروحانية . . تغمر الأفئدة وتفيض على القلوب . . وانا لنحزم امتعتنا استعدادا للنفرة إلى المزدلفة مع الركب العظيم ، ركب الحجيج . . وانا لنهبط سفح الظرب لنقف على قارعة

الطريق نرقب عن كثب السيارات المتراصة علنا نجد بينها من تقلنا إلى ( مزدلفة ) ، وأنا لفي ذلك . . إذا نحن وجها لوجه أمام الصديق الصدوق (عبد الله بن على قائد ) فنتلقاه في لهفة ويتلقانا في شغف . . ثم انه ليدعونا الى مرافقته فى سيارته فنتقبل الدعوة شاكرين . . ونسير برفقته الى حيث ينتهى بنا المسير ، حتى اذا بلغنا مكان العربة . . أعد لنا الأخ عبد الله بعض الأرائك فجلسنا وأخذنا بأطراف الحديث

وفيما نحن في ذلك . . اذ أهل علينا صديق آخر هو الاخ حسن عبده أحمد عثمان فاكتمل بذلك انسنا ، وضربت الطمأنينة أطنابها على مجلسنا ، ثم ما لبث الاخ حسن ان قدم لنا كوبا زاخرا بالشاى الساخن ، رشفناه في هدوء شامل وفي مزاج معتدل أنبغه بدعوة  الى العشاء وقد توثقت بيننا جميعا أواصر الصداقة وتدعمت وشائج الالفة ، والمودة . وها نحن قد اجتمعنا حول عنصرين ساسيين للأخوة عرفتهما التقاليد العربية لاصيلة منذ القدم ذلكماهما ( العيش والملح )

بل ان بيننا من تعلات الاخوة ، وصلات لالفة ، وعرى المودة ، ما هو اكبر من ذلك وأرسخ قدما ، وأوطد عهدا ، وأصلب سودا . . بيننا وشيجة الدم . . الدم لعربى ووشجة اللغة . . ووشيجة الدين ووشيجة الجوار . . وأخيرا الوشيجة طبقية . . فنحن جميعا من طبقة متوسطة  نحن أدنى قليلا من الطبقة المتوسطة . .

لا أرستقراطية متعالية بيننا ولا ثراء فاحش مق الهوة وينغص الاخوة . . لهذا كله . . ذنا فى لهو من الحديث ولغو ، وفي جد النقاش وهزل . . بل اخذنا نلقى

الكلام على عواهنه في غير حفاظ . . وفي  غير تكلف أو تصنع جعلنا نتفوه بالالفاظ فقد انجلت من بيننا كل العوائق التى  تستدعي التحفظ . . وانفصمت من دوننا كل الحواجز التى تستلزم التكلف . ولهذا كله شعرت بالأنس كما أشعر به من قبل . . وانسيت غربة الوطن وبعد الديار كما لم انسهما فى غابر الليالي وسالف الايام ! وذلك بما أحاطني وأخي صاحباي من كريم الرعاية . . وبما أسبغا علينا من كبير الود وكرم العناية . .

في السيارة الصغيرة الظريفة ( فولكس  واجن ) اخذنا نسير يقودنا الاخ الصديق ( عبد الله قايد ) ويصحبنا بها الصديق " حسن عبده " وأبوه وبعض اخوته الصغار . . متجهين بحفظ الله ورعايته صوب ( مزدلفة ) . . السيارات تسير في بطء وئيد . . وفي صفوف متراصة متعانقة . .

لا يستبين لها أول من آخر . . وهي اذ ذاك مزدحمة بالركاب مكتظة بالحجيج تتوقف اكثر مما تسير ، وتتوانى أضعاف ما تخذرف . . ونحن فى سيارتنا الصغيرة اللطيفة الظريفة . . يعتورنا خوف وينتابنا اشفاق . . على الرغم من مهارة  صاحبنا الأخ ( عبدالله قايد ) وحنكته فى قيادة السيارة . . اذ اننا نشفق أن تنقض علينا احدى السيارات الكبيرة انقضاض الغضنفر على الفريسة السهلة فلا تبقى منا ومن سيارتنا ولا تذر ! . . الناس تبدو على سيماهم البهجة والغبطة . . وتنم أساريرهم عن الشر والاشراق . . على الرغم مما يعانون من مشقة السفر . . وما يكابدون من وعثاء الرحيل . . ونصل

مزدلفة . . وعلى ركن قصى من الطريق نتوقف ونترجل ونسير بضع عشرة خطوة ثم نحط الرحال ونجلس . . وقد خيم الظلام وادلهم الديجور . . ونصلي المغرب والعشاء جمعا وقصرا . . ثم نتجاذب الحديث أطرافه . . وفي قلوبنا رجاء في مغفرة الله . .وفي نفوسنا لهفة لنيل  مرضاته .

هنالك بادرة استرعت انتباهى وأدهشتني . . تلكم أن معظم السيارات لا تتوقف الا ريثما يلتقط ركابها الحصى ثم تواصل رحلتها . . ولو سألت أحدا منهم عن علة هذ السرعة . . لأجابك قائلا : ( قدر حط الرحال ) ولو رجعوا الى كتب الاحاديث وأسفار الفقه لعلموا أن عملهم هذا خاطئ ولا يجوز على الاطلاق (١) . . وان من واجب الفقهاء المناداة بمكبرات الصوت بشطب هذا الو وبعدم جوازه وعليهم تحديد الوقت الكافي لمفهوم ( حط الرحال ) لازالة الابهام والغموض عن هذا المفهوم . . مع العلم  بأن الرسول الكريم ( ص ) قد بات بمزدلفة . . وقال معظم الفقهاء بالمكوث حتى منتصف الليل على الاقل ، ولو صح موضوع (حط الرحال ) فلا يجب أن يترك وقته بلا تحديد

أسفر الصبح وعيناى لم تذوقا النوم الا لماما . . فزمهرير البرد يعصف في الاجسام ازار العظام

وها نحن ننهض من مرقدنا الخشن ونسبغ الوضوء ونصلي الفجر . .ثم نلتقط الجمار ونضع أنفسنا داخل العربة وننطلق

تحرسنا رعاية الله وترعانا عنايته متجهين صوب " منى " . .

الجنود السعوديون على كلا الجانبين ينظمون المرور ويحرسون الأمن . . وهناك جماعة اخرى لا ترتدى الزى العسكرى  يقال لهم ( الاخويا ) او الحرس الابيض - تطوعوا لنفس هذا العمل . . الطريق واسعة فسيحة معبدة تتسع لخمسة أو ستة صفوف من السيارات . . ومع ذلك فالزحام قائم . . والتنافس على السبق على أشده . . والحق ان هذا ليس بغريب فالسيارات تعد بعشرات الالوف

السيارة بنا تسير . . ونحن نصخب بالتلبية تارة . . ونثرثر تارة اخرى . . ونبتسم تارة ثالثة على اثر نادرة عارضة ، أو فكاهة واردة ، أو ملحة شاردة . . ثم ما نلبث ان نثوب الى رشدنا حينما يروعنا جلال الموقف وتبهزنا قدسيته فنذكر الله فى خشوع . . ونبتهل اليه أن يتم علينا نسكنا وهو عنا راض . . كما لم يكن يفوتنا ان نكثر من الصلاة على البشير النذير والسراج المنير محمد ( ص ) . . ها نحن قد بلغنا ( منى ) وها هى ذي الخيام تزخر بالوافدين ، وتعج بالقائمين والقاعدين والركع السجود ، واني لأعجب كيف اتسع هذا الوادى الضيق لمئات الالوف من البشر .

ها نحن نبلغ مستقرنا في ( منى ) فنأخذ قسطا وافرا من الراحة . . ونزدرد يسير الطعام . . ونتبلغ بما يقيم الأود . . واني لأحس برغبة جامحة في التجوال . . فأخرج وأسير مستأنيا فى شارع ( منى ) الرئيسى الذى يفضى الى الجمار الثلاث ! . .

الشارع واسع فسيح يتسع للألوف يسيرون في آن واحد . . والحوانيت والمشارب على كلا الجانبين . . وصنابير المياه فى كل جهة . . والمنشآت الحكومية التى اقيمت لراحة الحجيج تلفت الانظار وتسترعي الانتباه . فهذه دار الاذاعة والتلفزيون تساهم في ارشاد الناس لمناسك الحج وتنقل تحياتهم الى أهلهم وذويهم ، وهذه ادارة الحج . . وقد كثر فيها المرشدون الرسميون والمتطوعون .

وقد حمل كل منهم ( ميكروفونا ) متجولا ينادى به على أسماء الحجاج المفقودين كما يوجد بهذه المنشأة العظيمة الجدوى . . الكثير من شباب الكشافة السعوديين الذين يبذلون الجهود المضنية القصوى لخدمة الحجاج . . وهذا مستشفى (منى ) وقد زود بكافة . المستلزمات الصحية ، والاطباء المهرة والأدوية الوفيرة التى تمنح لمرضى الحجاج مجانا

هناك بادرة غريبة أطربتني وملأت نفسى خشوعا ورهبة واجلالا لهذا الموقف المهيب  .. ذلكم أن مجموعة كبيرة من الحجاج السوريين يربو عددهم على المائتين قد التأموا في صفوف متراصة متناسقة وساروا فى شارع ( مني ) الارحب وهم يرددون

( صلي الله على محمد صلى الله عليه وسلم ) وهم على شكل مجموعتين . . تردد المجموعة الاولى الشطر الاول وترد عليها المجموعة الثانية بالشطر الثاني . . فيا حبذا لو اخذ هذه الفكرة المطوفون فطلبوا من حجاجهم

ترديد التهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير في صوت واحد . . وفي نغمة متناسقة وهم يطوفون الشوارع بخطى رتيبة . . اذن لازدادت القلوب خشوعا . . ولازداد الايمان فى الأفئدة رسوخا . .

وسرت مع بعض الرفاق لرمى الجمار . . وأنا اشعر بالشماتة على الشيطان الرجيم يقذف المواقف التى تمثل فيها لابراهيم عليه السلام ، فى منى ، وهي الجمرات الثلاث بنحو تسع واربعين مليونا من الجمرات ! . كيف لا والعداوة بيننا وبينه قديمة متأصلة . . فاللعين لا يفتأ يوسوس في الصدر . . ولا يفتر ينفث سمومه فى الوجدان . . ويزين لنا السوء . . ويصور الضلال بصورة الهدى . . ومفاسد الاخلاق بكرم الشمائل . . ويعزف على أوتار الشهوات . . وينصب الشباك للنفوس الضعيفة فتهوى فى السحيق مع المغضوب عليهم والضالين . . وانا لنستعين عليه بالله . . فاللهم ارزقنا عمق الايمان ورسوخ اليقين . . وثبت ايماننا على الحق واعصمنا من الزلل ولا تفتنا . . واصرف عنا كيد الوسواس الخناس . . اللهم انا نسألك العفو والمغفرة والهداية وحسن الختام .

ومضت أيام . . قمنا فيها بأداء مناسكنا على خير وجه . . وعدنا وفى نفوسنا شوق أى شوق لان يكتب الله لنا العودة لمثلها فى سنوات قادمة ان شاء الله

اشترك في نشرتنا البريدية