مذهب أبى حنيفة، ومصادر فقهه

Share

-٣-

وأنا مطمئن كل الاطمئنان الى أن الامام الاعظم لم يكن ليؤثر رأيه على الحديث وهو يعرض آراءه بين ايدي تلامذته ، فيقدرون ، ويناقشون ، ويبحثون ، ويعرضون آراءهم الخاصة ، برغبة منه فى تحرى الحق والصواب ، وفيهم أئمة فى الحديث

وكان الامام ابو حنيفة مدركا حق الادراك انه صاحب مدرسية في الفقه . وأن مدرسته ستكون متبوعة ومنتشرة فى الامصار ، فلا بد أن يتحرى ويتمهل وينقد ويستوعب ولا يتعجل ، فاذا كان يصبر على المسألة تبحث شهرا ، أو اكثر من شهر فذلك آية تحريه ، وبرهان توجيه الحق والصواب والعدل .

ومدرسة ابي حنيفة ذات شخصية متفردة ، لها خصائصها الواضحة وسماتها البينة ، ومعالمها البارزة ، وليس انفاقها مع مدارس الفقه الاخرى فى الاصول والمصادر أو فى اكثرها اتفاقا معها فى الاتجاه ، بل لمدرسة ابى حنيفة أو مذهبه خصائص وعلامات فارقة تميزها عن غيرها كل التمييز

وله بعد ذلك من الفضل مزية سبعه كل أئمة المذاهب الفقهية فى تدوين مذهبه وبنائه على الشورى ، واستخلاصه من نتائج البحث والنقد والتمحيص ، حتى يكون مذهبه مؤسسا على الاجماع أو على الرأى الذي يتكون من اشتراك جماعة انتهت اليهم رئاسة العلم بعد التضلع منه والتبحر فيه . ونحب ان نثبت هنا سبق أبى حنيفة فى تدوين مذهبه من قبل تلامذته ، فقد مر بنا ان تلميذه الامام ابا يوسف كان يثبت ما

يستقر عليه الحوار بين الامام واصحابه

ولما كان الامام اسبق الائمة مولدا ، وكان من الفقهاء البارزين في عصره . واختلفوا فيما بينهم ، اكثرهم معه . وقليل عليه ، وثبت أن لأصحابه مؤلفات ضخمة ، بعضها مطبوع ، واكثرها موجود ، فمن المقرر أن يكون مذهبه الفقهى ، اثبت واقدم وأسبق

يقول الموفق المكى فى المناقب ٢/١٣٥-١٣٩ :

" وجدنا أبا حنيفة رحمه الله قد تنقل فى القرون الثلاثة المشهود لهم بالعدالة ، لانه ولد فى آخر عصر الصحابة ، ورأى سبعة من الصحابة او ستة - رضي الله عنهم - فى أصح الروايات ، وسمع منهم . وقد ذكرنا ذلك واشبعنا الكلام فيه فى أول الكتاب ، ثم درس رحمه الله فى آخر القرن الثاني وصدرا من القرن الثالث ، وتوفى رحمه الله .

" فاذا كان كذلك كان الامام الذي ولد وتعلم ودرس وأفتى فى القرون المشهود لهم بالعدالة الى الحق أهدى وأرشد ، وكان اتباعه أولى وأحمد " .

و " نقول لمن ينازعنا : ألسنا نحن وانت جميعا نعلم من طريق المشاهدة واستمرار العادة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم الى يومنا هذا ان كل قرن تقدم خير من القرن الذي بعدهم فقها وديانة وصدقا وأمانة . .

و ان الله تعالى ضمن لنبيه صلى الله عليه وسلم حفظ شريعته بقوله تعالى ( انا نحن نزلنا الذكر واذا له لحافظون ) وابو حنيفة أول من دون علم هذه الشريعة لم يسبقه أحد ممن قبله ، لأن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم لم يضعوا فى

علم الشريعة ابوابا مبوبة ، ولا كتبا مرتبة ، رانما كانوا يعتمدون على قوة فهمهم وجعلوا قلوبهم صناديق علمهم . ننشأ أبو حنيفة بعدهم ، فرأى العلم منتشرا فخاف عليه الخلف السوء ان يضيعوه ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : " ان الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس . وانما ينتزعه بموت العلماء فيبقى رؤساء جهال فيفتون بغير علم فيضلون ويضلون " .

" فلذلك دونه ابو حنيفة ، فجعله ابوابا مبوبة ، وكنبا مرتبة ، فبدأ بالطهارة ، ثم بالصلاة ، ثم بسائر العبادات على الولاء ، ثم بالمعاملات ، ثم ختم بكتب المواريث  الخ "

و " ليس العجب ممن جاء فتعلمها وهي موضوعة ، وانما العجب ممن ابتدأها ووضعها ، فان باهت واحد وادعي ان أبا حنيفة قد سبق - بضم السين - الى تدوينها فقل له : أرنا كتابا ممن تقدمه من الصحابة والتابعين فيما ذكرناه ، فانه يبقى مبهوتا . "

ونحن نرى مع الموفق المكى سبق ابى حنيفة غيره من الأئمة في تدوين الفقه المرتب على أبواب ، ما يزال الأئمة جميعا ومن جاءوا بعده وبعدهم يراعون ذلك الترتيب فى اكثره .

ولا شك أن قيام مذهب ابى حنيفة على الشورى والحوار بينه وبين اصحابه والتحرى والنقاش اكسب مذهبه الحي مرونة وقوة وثباتا واستيعابا ، فليس له حكم فقهى رجع عنه كما رجع بعض الأئمة من اصحاب المذاهب الأخرى عن احكام كثيرة حكموا بصوابها وصحتها ، ثم عدلوا إلى احكام جديدة عندما ظهر لهم النقص في الاول ، والتمام في الثانية .

وإذا كان مذهب ابي حنيفة مؤسسا على

الشورى والنقد والحوار والمناقشة والتمحيص فان هناك أسسا سبقت هذا التأسيس ، بل هناك قواعد أصيلة قامت عليه أسس المذهب ، وهذه القواعد هي مصادر فقهية .

ويحسن بنا ان نسمع من ابي حنيفة ما ذكر في هذه المصادر ، فهو أكثر خبرة بمذهبه وأعلم ، وآية صدقه مطابقة واقع الامر لكلامه الحق .

روى ابو جعفر الشيرمازى بسنده الى الامام ابي حنيفة أنه كان يقول : " نحن لا نقيس في مسالة الا عند الضرورة ، وذلك اذا لم نجد دليلا فى الكتاب والسنة ، ولا فى اقضية الصحابة . "

وفي رواية " انا نعمل بكتاب الله ، ثم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم بأحاديث ابي بكر وعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم .

وكتب ابو جعفر المنصور الى الامام قبل ان يجتمع به رسالة يقول له فيها : " بلغني انك تقدم القياس على الحديث " فأجابه ابو حنيفة : " ليس الامر كما زعم من بلغك عني ذلك ، إذا جاؤوك فاعلمهم ايها الخليفة اني اعمل بكتاب الله عز وجل ، ثم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم باقضية الصحابة ، ثم اقيس بعد ذلك ، وليس بين الله تعالى وبين خلقه قرابة .

ويقول ابو حنيفة ، فيما لم يجد فيه نصا ولا قولا للصحابة : " هذا رأي ابي حنيفة ، وهو أحسن ما قدرنا عليه ، فمن جاءنا بأحسن منه فهو اولى بالصواب .

فأبو حنيفة بني مذهبه على قواعد الشريعة السمحة ، على " الوحى " الذي لا مراجعة فيه " بل التسليم المطلق

وسنة الخلفاء الراشدين والاهتهداء يهدى

الصحابة المبجلين انما هما من " الوحى لان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال * عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى " و " اصحابي كالنجوم . بأيهم اهتديتم اقتديتم " .

وكانت العراق ملتقي الحضارات والثقافات والعلوم والاجناس ، ولدى اهلها من المعرفة والقضايا ما لم يواجه الصحابة ، فأما ان يكون ابو حنيفة بعزلة عن اهل هذه الحضارات الذين اسلموا ، فلا يجد لمشاكلهم حلولا ، ولا لقضاياهم احكاما ، وفي عزلته اتهام لشريعة الاسلام بالنقص ، لانه لم يمتد الى تلك القضايا والمشاكل ، وتكبر أو جمود عن عمل الصحابة فيما لم يكن فيه كتاب ولا سنة .

والامام حريص على ان يستوعب الاسلام كل ما هو قائم وموجود ، لانه مؤمن بأنه دين كل زمان ومكان

ورسول الله صلى الله عليه وسلم مدرك قبل غيره ان كتاب الله ليس حاويا كل الاحكام ، وكذلك سنته العظيمة ، لانه سأل معاذ بن جبل حينما وجهه الى اليمن " كيف تقضى اذا عرض لك القضاء ؟ " فأجابه : بكتاب الله عز وجل . فسأله رسول الله : " فان لم تجد في كتاب الله ؟ " فأجابه : فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأله رسول الله : " فان لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله ، فأجابه : " اجتهد رأيي ولا آلو ، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدر معاذ وقال : " الحمد لله الذي واق اصحاب رسول الله لما يرضى رسول الله . "

فأبو حنيفة متبع غير مبتدع ، فهو لم ير ولم يقس فيما فيه كتاب وسنة ، وفيما فيه قضاء صحابي ، ولم يستبد برأيه

ينفرد به ، لانه يعلم أمر رسول الله صلى عليه وسلم لعلى بن ابي طالب كرم الله وجهه ووجه محبيه ، وذلك ان عليا قال رسول الله ، الامر ينزل بنا لم ينزل قرآن ، ولم يمض فيه منك سنة ؛ ال رسول الله : " اجمعوا له العالمين " أو العابدين من المؤمنين ، فاجعلوه ورى بينكم ، ولا تقضوا فيه برأى واحد . . فئابت من هذين الحديثين ومن غيرهما ومن مال الصحابة وفي طليعتهم الخلفاء الراشدون أفضل الصحابة طرا ، ان الكتاب لسنة لا تحويان كل الفروع وبخاصة ما عد من الامور .

ورسول الله عليم خبير بذلك ، فأباح أى والقياس قولا وعملا ، ووضع قاعدة سولية وهو الإجماع : اجماع العلماء او عابدين من المؤمنين ، والشورى .

وايد ذلك بالنهى عن القضاء برأي حد .

فابو حنيفة قيد نفسه بكل ك ، فهو قد اشترك مع مالك شافعي وابن حنبل في اتخاذ الوحي كتابا سنة ، واتخاذ القياس والاجماع مصادر فقة .

غير أن أبا حنيفة وضع مذهبه على اساس الشورى وعدم القضاء برأي واحد ، فكان مذهبه شورى ، ولم يقض في مسألة الا بعد اجتماع العالمين والعابدين الفقهاء على رأي . وهذا لم يتقيد به الأئمة : الشافعي ومالك ابن حنيل رضى الله عنهم ، ولهذا رجع شائعى عن كثير من احكامه ، وكان فى مذهبه قديم وجديد .

وابو حنيفة عالم بأن الاسلام دين سمح ، اليسر غالب على العسر ، والبشرى خير من نفرة ، واغاثة الملهوف ودفع الضرر والأذى

عن المسلم وانقاذه من الورطة من آداب الاسلام

فهو يقصد من مذهبه الى هذا كله احقاقا للحق وتغريرا للعدالة ورغبة فى الخير كله بمختلف أسمائه وصوره وطرقه ومقاصده .

وقواعد مذهبه - كما قلنا الوحى قبل كل شئ ، وهو ما التزمه واعتصم به فى كل مذهبه حتى فيما يرى ويقيس ويستحسن

فان كان فيما يقضي نص من كتاب أو سنة فهو مذهبه ، وان كان فيما يقضى قضاء صحابة فهو مذهبه ، وان قضى برأى منه فيما لم يكن فيه وحي كتابا وسنة أو قضاء صحابة واقوالهم وأفعالهم فهو مؤتمر بالوحى ايضا ، اذ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما مر ذكره في حديث الامام على - بالشورى ، والنهى عن القضاء برأى واحد .

فهو فى كل مذهبه متقيد بالوحى حتى فى رأيه الخاص ، ولما كان الاسلام دين الحق والعدل فقد قيد ابو حنيفة نفسه بهما ، يلتمسهما ولو كان لدى من ينقض رأيه ، لانه يقول : " هذا رأي ابي حنيفة ، وهو احسن ما قدرنا عليه ، فمن جاءنا بأحسن منه فهو اولى بالصواب " .

ويقصد بقوله : " فهو أولى بالصواب " كما يدل سياق كلامه انه أولى بالاتباع من رأيه الذي هو أحسن ما قدر عليه ، فهو يترك رأيه هذا الى غيره لانه يريد الصواب ولا شىء غيره

فمصادر فقهه : الكتاب والسنة والاجماع والقياس ، وهي مصادر كل الفقهاء وأئمة المذاهب ما عدا الظاهرية التى تهاجم القياس .

" البحث صلة "

اشترك في نشرتنا البريدية