مذهب ابى حنيفة، ومصادر فقهه

Share

-٤-

وهناك ثلاثة مصادر : احدها فرع من السنة وهو أقوال الصحابة يأتي بعد السنة لانها منها بالنص الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأما المصدران الآخران فهما : الاستحسان والعرف ، ويتفق معرفوه بعض أئمة المذاهب الفقهية .

يقول الموفق المكى فى " المناقب " / ٨٢/١-٨٣

حدثنا أبو جعفر محمد بن احمد القاضي : سمعت سعيد بن معاذ عن أبي وهب عن سهل بن مزاحم قال : كلام أبي حنيفة اخذ بالثقة ، وفرار من القبح ، والنظر في معاملات الناس ، وما استقاموا عليه وصلح عليه امورهم يمضي الامور على القياس ، فاذا قبح القياس يمضيها على الاستحسان ما دام يمضى له ، فاذا لم يمض له رجع الى ما يتعامل المسلمون به  وكان يوصل الحديث المعروف الذي قد اجمع عليه ثم يقبض عليه ما دام القياس سائغا ، ثم يرجع الى الاستحسان ، ايهما

كان أوفق رجع اليه . قال سهل : هذا علم ابي حنيفة رحمه الله ، علم العامة " .

و . . سمعت أبا وهب هو محمد بن مزاحم يقول : كثيرا ما كنت اسمع أبا حنيفة رحمه الله يتلو هذه الآية : " فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون  احسنه . الى آخر الآية "

ونص الآيتين الكريمتين هو " والذين  اجتنبوا الطاغوت ان يعبدوها وانابوا الى  الله لهم البشرى فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه اولئك الذين هداهم الله واولئك هم أولو الألباب الزمز ١٧-١٨ .

فالقياس ليس مرغوبا فيه من أبى حنيفة لذاته ، بل هو يريد الحسن ما استطاع اليه ، ويتجنب القبح كل التجنب ، فالقياس الرغوب فيه هو القياس القائم على الحسن والمعبر عنه والقاصد اليه ، فالقياس مطلوب لغير ذاته ، لان المطلب الاساسي هو الحسن ، فاذا تجلى في قياس من الأقيسة فهو ما ينشده ، بدليل ان القياس الذي لا يكون حسنا ولا معبرا عن حسن يرده ويتجنبه ، ولو كان القياس - مجرد القياس - هو المنشود لما رد منه ما رد ، ولما تجنب ما تجنب

وكان حريا بالباحثين ان يجعلوا الحسن من مصادر فقه الامام الاعظم ، فيدخل فيه القياس والاستحسان والعرف ، وهو يجمع هذه المصادر التى تتفرغ منه ، فيستقل كل فرع باسمه ومعناه .

فالعرف الذي لا يكون حسنا مزدود مثل  القياس المجرد نفسه منه ، فكثير من الاعراف قبيح ، وقبحه يرده ، فالمنظور في

العرف الى الحسن ولهذا لا يقبل عرف قبيح .

والاستحسان ، - كما يفهم من اللفظ نفسه - ما كان فيه الحسن . وأما ان الباحثين ذكروا القياس والعرف والاستحسان فلا ضير من السير معهم في هذا التقسيم .

وعلى هذا يكون مجموع مصادر مذهب الامام الاعظم سبعة : الكتاب ، والسنة  وأقوال الصحابة ، والاجماع ، والقياس ، والاستحسان ، والعرف .

وقد مر فيما سلف من فصول هذا البحث بحث هذه المصادر ، فلا ضرورة لاعادته اذ يمكن الرجوع اليه فى موضعه

ولا حاجة بنا الى التأكيد بأن لأبي حنيفة مذهبا فقهيا ، لان المذهب نفسه قائم يبرهن على وجوده . وله سماته وخصائصه التى تميزه عن سائر المذاهب الفقهية الأخرى

فمذهب أبي حنيفة يختلف عن غيره وان كان كل أئمة المذاهب يصدرون عن الكتاب والسنة ، ومن مظاهر الخلاف بينهم النظرة الى الحديث ، والتحري فيه ، واسلوب الفهم وطريقة تحقيق النصوص ، والاخذ منها ، واستنباط الأحكام من الكتاب والسنة ، والرأى ، والقياس

غير ان مجتهدى المذاهب أراهم الاجتهاد الى ضيق نطاق الخلاف ، وكثرة نقاط الالتقاء ، فالذين يسمون اصحاب الرأى من اتباع ابي حنيفة رموا تهمة اهل الحديث وخصوم الأعضاء الا بقلة روايته التحديث . فان اثبتوا بالاحاديث مذهبه . ومدرسة الحديث اخذت بالرأي والقياس في توسيع نطاق مذهبها فكان بذلك تلاقي المذاهب وضالة الخلف بينها .

وزعم زاعمون ان ابا حنيفة لم يكن له مذهب ينسب اليه ابتكاره ، لان ما فيه من معارف واحكام وآراء انما هي لغيره ، ولم يكن ابو حنيفة الا ناقلا ما سمع وحفظ ، ولم يضف اليه جديدا ، وتلامذته وضعوا أمامهم على رأس المذهب ونسبوه اليه ، واسند اليه علمهم ورواياتهم ، واغفلوا الاشارة إلى من سبقوه

ولخص آراء هؤلاء المتنقصين الشيخ ولي الله الدهلوى في كتابه " حجة الله البالغة " ١٤٦/١بل هو نفسه ذهب الى ذلك وقال

لخص اقوال ابراهيم واقرانه من كتاب الآثار وجامع عبد الرزاق ومصنف ابي بكر ابن شيبة ، ثم قايسه بمذهب ابي حنيفة تجده لا يفارق تلك الحجة الا في مواضع يسيرة ، وهو فى تلك اليسيرة ايضا لا يخرج عما ذهب اليه فقهاء الكوفة

وليس كل ذلك بحق ، فأبو حنيفة تتلمذ على حماد بن ابي سليمان ثمانية عشر عاما ، وهذا ثابت ، وابو حنيفة يفخر بهذه التلمذة ، وكان حماد تلميذا لابراهيم النخعي المتوفى سنة ٩٥ ه ، ولعامر بن  شراحيل الشعبى المتوفى سنة ١٠٤ ه والى هذين تنتهي امامة مدرسة الكوفة التى انتهت الى حماد ، ومن حماد الى ابي حنيفة . "

ولم يقتصر علم ابى حنيفة وفقهه على مدرسة الكوفة وحدها ، ولم تكن مدرسة رأى وحسب ، بل كانت تقوم على السنة والرأى ، فالشعبي صاحب آثار وحديث  واشتهر فيها ايما اشتهار وبرز ، والنخعي صاحب رأي وعرف به ، وانتهى علمها الى حماد الذي كان مشهورا بغزارة العلم والفقه . واتساع الفقه ، ونضج رابه

وورث علم الكوفة أبو حنيفة ، ولم يكن قطعا قائما على الرأى وحده ولا الحديث وحده ، بل كان علم الكافة ذا جناحين هما : الحديث والرأى .

وعندما ورث ابو حنيفة علم شيخه حماد لم يكن هو كل علمه وفقهه ، بل سبق له أن اخذ من غيره ، وثبت انه اخذ عن عطاء ابن ابي رباح فقيه مكة وامام مدرستها التى كانت تجرى علم ابن عباس الذي رواه عنه مولاه وتلميذه وحامل علمه عكرمه كما اخذ علم عمر وابنه عبدالله عن نافع مولى ابن عمر

ومدرسة الكوفة تحوى علم على بن ابي طالب وابي مسعود ، والعمري - نسبة الى عمر بن الخطاب - اى انه كان يماشي عمر فى آرائه واجتهاداته ، وكان من تلامذة الامام على مروق الاجدع الهمداني التابعي الكبير في علمه ، اذ أخذ من غير الامام كعائشة رضى الله عنها وغيرها .

فهو لا يهتم بأنه ناقل فقه ابراهيم النخعي كما ذهب العلامة الدهلوى ، لان حقائق التاريخ اثبتت كثرة الاعداد التى أخذ عنها .

وفيما بين ايدينا من فقه الامام الأكبر مخالفة فى كثير من المسائل والاحكام لاساتذته المبجلين ، فقد خالف حماداو خالف ابراهيم النخعي ، وخالف كثيرا من شيوخه وشيوخ شيوخه ، وجاء باحكام لم يسبق اليها ، ولم تعرف لمن سبقوه سواء أكانوا شيوخه أم شيوخ شيوخه ، أم غيرهم من الأئمة والاعلام

اشترك في نشرتنا البريدية