خلاصة ما نشر فى العدد الماضى :
لقد مر ألف عام على أول شعلة من الحضارة الاوروبية ، وهى فى نظر المؤلف بويز الهولندى اقدم فى العمر وجروحها أعمق .. والافق أمامها أوسع، ولكن ماذا يخبأ لهذه الحضارة؟ وهل الحضارة الغربية واصلة الى حتفها ؟ وهل يقدر لنا أن نرى شوارع لندن ونيويورك خالية من الملايين لتصبح خرائب؟ يجيب المؤلف على هذه الاسئلة بان التاريخ يعيد نفسه فى قيام وسقوط الحضارات .ويقول ان الحضارة الاوروبية ليست هى الحضارة العالمية .. وكل حضارة لها مراحل ثلاث .. الاولى مادة السلالة البشرية .. الثانية مرحلة عملية البناء الثقافية وايجاد السياسة الحرة .. الثالثة مرحلة الحضارة وهى اقصر المراحل فلا تدوم اكثر من اربعة الى ستة قرون .. لان قوتها الابداعية تنضب .. وقد بدأ دور انحطاط حضارة الغرب طبقا لنظرية دنلفسكى فى القرن السابع عشر الميلادى ولم يظهر ذلك الا فى القرن التاسع عشر ..اذ بدا الانحطاط بالرغبة فى التسلط على العالم فى السياسة والاقتصاد والثقافة .. وكذلك يرى شبنجلر : انه يرى ان حضارة الغرب وشيكة الانهيار بانتقال مركز الثقل فيها منها الى أمريكا .. وقد تكهن شبنجلر بانتهاء هذه الفترة بانتصار احدى الدول المتبارزة وبانتصارها يكون آخر وجه للحضارة الغربية ، وكل الاحداث العالمية تدل بمجموعها على صحة نظريته فى الخطوط العريضة للحضارات .
نظرية ارنولد تونبى عشرون عاما مضت على نشر كتاب انحطاط الغرب لشبنجلر ألف تولبى المؤرخ الانكليزى كتابا ضخما هو : ( دراسة التاريخ ) مساويا فى الاهمية لما كتب شبنجلر . وعلى بعد الشقة بين الاثنين واختلاف التربية والمزاج والتقاليد فقد تقاربا فى تعليل بعض الحضارات المعينة مما جعل طريقته فى البناء لنظريته - أى تونبى - صورة من نظرية شبنجلر مع ملاحظة اختلافهما الشاسع فى القوانين الاصلية ..
ان تونبى يشرح فى دراسته كل الحضارات المعروفة ويوضح منها ثلاثين واحدة وعشرون منها استكملت نموها وخمس منها يدعوها حضارات مكبوتة أى ان النمو أوقف قبل ان تبلغ سن الرشد .. واربع أخرى عقيمة اذ كانت ولادتها مجهضة .
وتونبى يبنى نظريته كنوتة موسيقية .. فيصف الحضارة بالنغم المتتابع .. حركات بين الهبوط والصعود .. ارتجاج بندول الساعة وهذه الحركات ظاهرة فى نمو الحضارات والاطار الاساسى لهذه النظرية هو التحدى والاستجابة .. اذ انه فى خلال نمو الجماعة .. باستمرار تواجه التحدى لشخصيتها ووجودها والتجاوب الذى يصدر عنها فى حالة التحدى هو الذى يحدد مستقبلها .. فاذا كانت الاستجابة كافية لان تقابل التحدى فحياة هذه الجماعة ستستمر بمساعدة القوة الداخلية والخارجية فيها .. واذا لم يجابه التحدى بنجاح
الجماعة فانها تفقد شخصيتها وربما تفقدها لدرجة انها تكون نهايتها .
هذا التحدى والاستجابة هو ما يكون الصعود والهبوط فى الحضارة وهذه الاعراض لا تظهر فقط فترة النمو بل كذلك فى الطور الاخير .. وثالث هذه الحركات الموسيقية الايقاعية ما يسمى بالانسحاب والرجوع ، وهذا شئ طبيعى فى الطبيعة .. فكثيرا ما تكلف الحضارة على نفسها وتختبئ لمدة من الزمن ثم تعود اكثر قوة ومتانة .
هذه النغمة هى محركات حياة كل حضارة ، ولكن هناك نغما ثانيا .. أضخم و أكبر يأخذ محله داخل هذا ليؤلف فيه أسس نظريته ..
أنه الحركات الدائرية فى ظهور ونمو ثم اختفاء الحضارات .
لقد قسمها الى اربعة أقسام : الولادة .. والنمو .. والانحطاط ثم الفناء ..
ويتلخص انتقاد نظرية تونبى فى انه ليس هناك نظام معين أو غرض فى التاريخ اذ ان غناء التاريخ وتنوعه الابدى لا يمكن ان ينزل ليكون نظاما معينا ، ثم محاباته للديانة المسيحية والاكثر من هذا يعتمد على احداث معينة لانها دخلت بعوامل الديانة المسيحية .. وثالث الاعتراضات الاساسية هو ان الحضارات لا تولد ولا تموت موتا قطعيا وهذا الاعتراض
يجوز كذلك على كل من شبنجلر ودنلفسكى .
وهجمات اخرى على تونبى .. انه اخذ جانبا واحدا فى كثير من بحثه واهمل بعض العوامل التاريخية والتى لها قيمتها كالفن والعلوم والتاريخ الاقتصادى .. ثم اضطراب نظرته لانحطاط الحضارات اذ ان الطريقة التى يعامل بها هذه الفترة معرضة للنقد من جهتين الاولى بخصوص التوقيت والأخرى بخصوص شخصيته - أى الانحطاط - وتأثيره .
وينتهى الاعتراض على تونبى بأنه اذا كانت حقا هذه الفترة الآن فترة انحطاط للحضارة الغربية فان المسألة مسألة حياة أو موت وانها تعنى كذلك ان حضارتنا فى طريقها الى الفناء كما قال شبنجلر ..
وشبنجلر يجرد السياسة والتاريخ من ان يكون عليهما أى سلطان .. بينما تونبى يقول بان كليهما خاضعان لقوانين الله .. وخلاف اساسى مثل هذا يقود الى اختلاف فى الاستنتاج النهائى فبينما حكم شبنجلر على الحضارة الغربية بالانحطاط فاننا لازلنا ننتظر كلمة تونبى ورأيه لانه لا يزال حيا يرزق .
وجهة الحضارة الغربية الحاضرة وأين تقف
يقول المؤلف انه من البدهى .. اننا لسنا فى الدور البدائى ولا فى الدور الذى يلى النمو ، ولهذا فان
حضارتنا تجد نفسها فى الفترة التى ما بعد النضج .. أو فى أواخر مرحلة الحضارة ذات النفوذ الواحد والسلام العالمى ..
والمتطلع لاحداث اليوم لا يشك مطلقا فى اننا على ابواب المرحلة الاخيرة عن الحضارة اذ أن الاتجاه سائد لايجاد وحدة كعصبة الامم وهيئة الامم وجامعة الدول العربية وامريكا الجنوبية وجنوب شرقى آسيا وغرب أوروبا .. وكلها تسير نحو التوحيد .
ولا شك كذلك اننا فى الفترة التى تسمى فترة الحروب والمنازعات العالمية والحروب والمنازعات تأخذ اشكالا .. أولها كان بين الدول وهذا قاد .. مع الزمن .. الى حرب الطبقات وحرب الجنسيات وحرب الفكر .. وهذا الاخير يلعب دورا كبيرا الآن ... فالنازية والفاشية والاشتراكية الاجتماعية كلها تصطدم مع الديمقراطية وحتى الآن لم تكسب الديمقراطية النصر الكامل فى هذه المعركة .. والعامل الجديد الموجه للحضارة الغربية هو نشوء القوميات الاسيوية بكل جبروتها والتى سببت اخيرا انتهاء التسلط الغربى على آسيا .
كل هذا يطلق على هذه المرحلة اسم الاحداث والمتاعب بحق .. والكل الآن ينشد السلام .. وهذا سوف يخلق بطولات فى مختلف الامم .. اذ أن الناس سيختارون الرجل الذى سيسيرون وراءه .. وفى نفس الوقت سيخلق ان لم يكن قد خلق حفنة من
الرجال تتحكم فى اقتصاد العالم .. وستنحط قيمه النقود على ابواب المرحلة القادمة اذ ان النقود الآن فى أوج مجدها .. وتتسع المدينة وتقل نسبة المواليد .. واننا لنتساءل هل انحدرت قيمتنا ؟
على انه مما يدعو الى الراحة اننا نشعر باننا فى وقت عصيب ولحظة فاصلة من حضارتنا .. هذا الشعور هو الذى قد يكون السبب فى اعادتنا عن التفكير بالعقل فقط .. اذ أن كان منا اصبح يثور داخل نفسه على سيادة التطبيق السببى ، وكل منا حاول ان يبدله بقيمة بدهية وجدانية .
وهذه القيم كالتى نادى بها نيتشه فى الرجل المثالى وفرويد فى نظريته عن اللاشعور وبرجسون فى القيم الكونية ..
اليس هذا يكون حدا فاصلا لان تكون الحضارة الغربية على ابواب التلاشى ..
ان اليوم الصافى فى ١٦ يوليو ١٩٤٥ فتح ابوابا جديدة بأول قنبلة ذرية فجرت فى صحراء نيومكسيكو . وتبعتها القنبلة الهيدروجينية .. بعد كل هذا ليس عجيبا ان يراجع الناس انفسهم .. هل فقدوا الايمان بكل شئ ماعدا التطبيق العقلى .. وهذا الاعتقاد حولهم من ( مطبقين ) بسبب الى مطبقيين بغير سبب .. فانحطت قيم الاخلاق .. وفقد الاسلوب روحه وحط من القيم الانسانية .
ويمكن تلخيص الحاضر من الحضارة الغربية بان السيادة الغربية حدث .. وان الاتجاه سائر لايجاد وحدة أكبر لقومياتها .. وقيام حروب عظيمة ومنازعات حول الحياة الاجتماعية من حرب الاجناس والطبقات والمعتقدات والرغبة فى السلام .. وانتصار العامة وتمجيد الابطال ونمو المدن ووقوف الولاة منذ الحرب العالمية الثانية والشعور بالخطر والرجوع عن التطبيق الفكرى وكون الحضارة على ابواب التلاشى وانحطاط الاخلاق وحركة ضد التطبيق الفكرى وتلاشى الاسلوب وسقوط القيم ..
وكما بين سابقا فان هذه الاطوار مرت بكل الحضارات الاخرى وهى تجزم بان فترة النضج قد انتهت هذا ما تعانيه الحضارة الغربية داخليا .. واما ما يتحداها من الخارج وهنا احب ان الفت النظر الى أن المؤلف يركز الاهتمام الشديد على هذه القوى الخارجية كأن سقوط الحضارة الغربية قد علق بها مع انه فيما سبق من الكتاب قال : ان ما يؤدى بالحضارة إلى الفناء هو الخطر من تلاشيها بواسطة ما ابدعت من العلوم ومن سيرها على خطة مرسومة فى طريق واحد .. وهذا لا يعطى الفرصة الكافية للحركة فى القطاع الآخر .. ويؤكد ان الخطر الاكبر هو الركود الداخلى .. اقول ان ما يتحداها من الخارج هو هذه الامم المتحررة من نير التسلط الغربى والتى اصبحت ضدها بعد أن كانت تعتم عليها والقوى الشرقية ، ويقول بالحرف الواحد : ( لاشك ان كثيرا من
الامم والمجتمعات الغير غربية كثيرا ما يكون عندها خلق قوى نابع من ذاتهم وخصوصا فى محيط الثقافة والروحانية
وهو يعتقد بمقدرة هذه الشعوب ولكنه ينكر بروزها والا فلماذا يحث بكتابه على ربط هذه الامم بقدم المساواة مع الدول الغربية ويفيض فى التحدث عن وجوب المساعدة الاقتصادية بدون غش وخداع .. انه ولا شك يحس بالقوة ولكنه لا يستطيع ان يرى لها المظهر البارز .. ولعل الاحداث التى جرت منذ صدور هذا الكتاب عام ١٩٥٢ حتى اليوم تغير من رأيه .
وبعد أن فرغ المؤلف فى القسم السابق من الوصول الى أن الخطر
الخارجى للحضارة الغربية اصبح وقفا على الدول الشرقية والخطر الموجود الغير مرئى من الامم الآسيوية المتحررة يركز اكثر اهتمامه بهذا الفصل فى عقد مقارنة القوى بين العالم العربى والعالم الشرقى فى حالة الحرب ويذكر احصائيات كبيرة لا مجال هنا لذكرها
واخيرا ان ما كشفته السنوات الاربع الاخيرة من وحدة الامم الآسيوية وتكوينها شخصية مستقلة بين العالم الغربى والشرقى معا خلقت قوة فعالة جديدة .. لتسيير القوى فى اتجاه جديد فى سبيل السلام العالمى وان الدور الذى سيلعبه الشرق الاوسط ستكشف عنه الايام . ( تم )
