مشاعر من بلادي, ( الحلقة الرابعة والاخيرة من البحث )،

Share

( عبدالله محمد جبر )

شعره في الطبيعة

الطبيعة أول ملهم للشعراء منها يستقون معينهم الفياض الثر ، وفيها يذوبون مشاعرهم واحساساتهم . فخرير الماء يشنف آذانهم بأعذب الالحان وأرقها وقعا ومناظرها تبهج قلوبهم فتبعث فيها النشوة وتحيي موات الامل وتجعلها نشوانة وزهرة ينفح أريجها هى أطيب أريح يستافه شاعر ملهم . (( فيقف الشاعر بازاء الطبيعة فلا يملك الا أن يتدفق ويهتز ويطرب ، لان السر الذى انبثق هنا في الارض يريد أن ينبثق هناك في النفس .

وكل حس ينتظر النظرة الحية التى تراه جميلا لتعطيه معناه . ولهذا تقف الطبيعة مختلفة أمام الشاعر كوقوف المرأة الحسناء أمام المصور . لاحت الازاهير كأنها ألفاظ حب رقيقة مغشاة باستعارات ومجازات ،

والنسيم حولها كثوب الحسناء على الحسناء فيه تعبير من لابسته )) ( ١ )

فالطبيعة متيمة الشعراء وشاعرنا كغيره أسرته الطبيعة وأخذت بمجامع قلبه وهذه زهرة قد راقه جمالها فغاب عن نفسه فى تأملها وحولها فراشات زاهيات ، بهن من الشوق مثل ما به وكل يريدها ولكن الجانب الضعيف هو المهزوم دائما فقد فرت تلك الفراشات خوفا من الاذى ، وما زال الشاعر فى تأمله الطويل لهاتيك الازاهير والنسيم يلثمها كما يلثم المتيم لمى محبوبته الحسناء . أما لهذا التأمل من آخر ؟ لقد أتى الشاعر الى أزاهير القفر بهموم تملأ عليه جنبات نفسه فهلا تكرمت هاتيك النافحة الشذى العبق وملأت جنوبه بذلك لتغسلها من أوضار الحياة وأوصابها التى رافقته وهو في ريق العمر ؟!

ان القرب منها هو مغنم يريده الشاعر ويتمناه لو يسمح الدهر به ويفتر ثغر المنى ولو مرة :

وزهرة قفر أعجتني وراقنى

   جمال تبدى بين أوراقها النضر

وكن فراشات يحمن حيالها

    فما جئت الا قد فررن من الذعر

وراح يغاديها النسيم بصبوة

    فقلت سلام الله يا زهرة القفر

وقفت اناجيها وما بى غبطة

   فان هموم الدهر قد سكنت صدرى

أما تملئين الجو بالعطر والشذى

   فهذى جنوبى فاملئيها من العطر

فقد صاحبتنى فى الحياة كآبة

   وما زلت ضافى الذيل في ريق العمر

أساكنة القفر البعيد عن الأذى

   جوارك يحلو ، لو يصالحنى دهرى

جوارك ايناس وقربك بهجة

  وانت الجمال الحق في السر والجهر

رأيت رجال الفن حولك عكفا

  وأبصرت أهل الطب والشعر والنثر

وأنت البيان الحق والحسن والهوى

  بيان تسامي عن نثيرى وعن شعرى

ولكن طيف مرعب لكل من في الحياة وما فيها يتراءى للشاعر وهل تبقى تلك المحبوبة تأسر وتجتذب ؟ أم سوف تغتالها الايام كما اغتالت آمال الشاعر في الحياة وتؤدى بها الى هوة الغناء والعدم ؟!

أزهرة هذا القفر ما أنت عية

   ولكن طيف الموت زارك لو تدرى

ستأسرك الايام مثل رغائبى

   وترمى بك الاقدار في ظلمة القبر

وذاك لان الخلد غير ميسر

   لغير جرىء الفكر في حومة الفكر

وعندما يضيق الانسان من الضوضاء والصخب يفر لا يلوى على شئ . . الى السكون البليغ والهدوء الشامل . . الى مكان بعيد . . الى الصحراء : دار الألهام للشعراء . فاذا هى تعطف عليهم وتحنو وتحتضنهم وتسلمهم للنوم العميق في لحظات كلها أهداء والحان فاذا استيقظ الشاعر من

اغفاءة لذيذة وأدار طرفه فيما حوله رأى الجبال المشمخرات ترنو اليه مستهزئة ، فقد أفنت ملايين السنين وهى باقية لم يدركها الهرم ولكن : (( وجعلنا من الماء كل شئ حيا )) فتلك الجبال بها ظمأ شديد فهى تسأل هذا الفار اليها : ماذا معه ؟! هل عنده قطرة من ماء يريقه على أديمها ؟ ولكن جواب الشاعر يأتيها أقوى من جلاميدها في ثلاثة أفعال متتالية كلما انتهى الفعل الاول اتبعه الثانى فثالث الاثافي ، ليزلزل رواسيها . . فانظر الى قصور آمال تداعت وانتهت وتدمت من الارزاء وطرقها ، لنقرأ :

انى اليك فررت من حبوائى

   يا مصدر الصمت البليغ النائى

يا عالما ما فيه غير سكونه

   يا دارة الالهام للشعراء

لما أتيت اليك منهوك القوى

  أسلمتنى للصمت والاغفاء

فاذا أنا فى لحظة علوية

 مسحورة الالحان والاصداء

ادنو الى السفح الكئيب فلا أرى

 الا الجفاف على الربى الجرداء

وأرى الجبال المشمخرات الذرى

 ترنو الى ، بناظر استهزاء

أفنت ملايين السنين ولم تزل

 بالناس هازئة وبالانواء

وتروح تسألنى القفار عشية :

 هل فى جرابك قطرة من ماء ؟!

ها في جرابى غير أحلام الصبا

 وخداع أوهامى وزيف رجائى

وقصور آمال تداعـ

 وتهدمت من

الخاتمة :

هذا هو عبدالله جبر فى شعره البليغ الذ ى تطوف به فلسفات شعرية فى بعض سبحاته يخب فيها وقد يعثر ولكنه لايستمر في عثرته الا ريثما يستعيد أنفاسه فيستمر في خببه بلا تريث . ومن البدهي ان ترى مظاهر البؤس والحرمان فى كل بيت من أبياته ، فلا يكاد يستمر في أى قصيدة له حتى يعرج على البؤس والحرمان وسوداويته من الناس فى الحياة مستمدا من هذا كله مدادا لما يسطره . وما من أربي ، في هذه الدراسة العجلى أن أوفيه حقه ، ولو فعلت ذلك لاطلت وأطلت . وحسبك أن تعلم اننى منذالبداية ألزمت نفسى بدراسة ثلاثة أغراض من شعره فقط ولو فعلت غير هذا لاصطحبتك في رحلة طويلة المدى في معين شاعرى لا ينضب ولكن :

واذا رأيت من الهلال نموه

   أيقنت أن سيصير بدرا كاملا

  وهذه النماذج تدل على ما لم نشر اليه في هذه العجانة عن شاعر شق طريقه في الحياة بعصامية فذة . . ويجب أن تعلم أنه ليس شاعرا فقط بل هو ناثر مجيد ، له مهيع خاص وله لمحات فى النقد تدل على ركائز ناقدة فأتمنى لجميع مواهبه أن تؤتى ثمارها يانعة باذن ربها وله اعجابى بلا تحفظ (*)   وانتهى البحث والى اللقاء .

( جدة )

اشترك في نشرتنا البريدية