مطالب الشباب ...

Share

وسألت نفسي بدورى ما مطالب الشباب هذه التى يريدني صديقي الاستاذ - عبد القدوس الانصارى ان كتب لمجلته عنها ؟ ولم يخطر لى من قبل ان اوجه مثل هذا السؤال الى نفسى، ولن احاول البحث عن السبب ، وادركت وادركت نفسى معى، انه سؤال صعب، كما يعبر الشباب الذين لا يزالون فى دور الطلب ، متى حانت ساعة الامتحان، وقفزت الى رأسي فجأة فكرة . لم لا أعالج الموضوع من هذه الزاوية ، بدءا من هؤلاء الشباب الذين تخرجهم معاهد العلم ، لانه سيستحيل على ان احدد المطالب فى كل محيط ووسط ، ولاى لون من ألوان الشباب ، وطبعا انا اعنى الوان ثقافتهم وميولهم واتجاهاتهم ، فهناك مثلا مطالب الحياة . اعني مطالب العيش . وهناك مطالب الطموح ، وهناك مطالب الاصلاح ، وهناك مطالب الروح .. وهناك مطالب ومطالب أخرى يعرفها القراء .

والشاب .. شاب مثقف، وشباب غير مثقف ، وهؤلاء انواع ، واولئك انواع، لهذا فانا أريد ان اهرب من هذا البحر المحيط الذى يريدني الاستاذ الصديق أن اجرب اليوم فيه، ولهذا اريد ان احدد الموضوع ، فاقصره على مطالب نوع خاص من الشباب، هم مناط أمل البلاد، واعنى بهم ذلك الرعيل من الشباب الذين تقدمهم معاهدهم أو كلياتهم الى الحياة، اعنى الشباب المتخرجين من الجامعات، وهنا استمح اخوانى الجامعيين، ان كنت اتطفل على موضوع هو من صميم اختصاصهم، وهم اجدر الناس وأحق الناس ان يخوضوا فى بحثه ، فهو موضوعهم اولا، ثم هم أقدر منى على معالجته بما أتوه من ثقافة مركزة، وانا اعتذر اليهم والى القراء ، ان قدمت خواطرى مبعثرة مشوشة ، فان السؤال صعب ، كما اسلفت ، وعلى الاستاذ الانصارى بقية من التبعة .

ولكى يسعنى ان اخوض البحث، ارجو ان احصر الحديث فى نقطة واحدة، هى مطالب الشباب الجامعي من الحكومة ، ولعلني بهذا استطيع حصر خواطرى فى هذا النطاق فقط .

من فضول القول ان اتعرض لاهمية شبابنا الجامعي بالنسبة لبلاد ليس لها تاريخ جامعي ، بهذا المعنى الحديث الذى اصبحت تدل عليه كلمة الجامعية ، ذلك لانه لم يعد هناك من ينكر اهمية هذا النوع من التعليم ، واهمية المتخرجين فيه أو منه ، ولهذا فنحن نريد ان نعذر الجامعيين الذين تهديهم جامعاتهم الينا من شبابنا ؛ ان هم تطلعوا وطمعوا الى كثير من التقدير وتطلبوا خير الاعمال واعلاها فهدا من حقهم ، كما ان من حق المعدن النفيس النادر ان يعتز بندرته وان يتطلع الى اغلي الأثمان واعلاها - ايضا ، ونحن من واجبنا ان نقدر هذا الشعور فى الجامعي الجديد ، وان كان هذا لا يمنع ان تلفته فى لطف . الى ظروف البيئة والمحيط ونوع الحياة فى الوطن ، ليتطامن بعض الشئ ، وليوطن نفسه على احتمال بعض ما قد يتعرض له المعدن النفيس ايضا من مكاره فى طريقه الى الصهر ؛ ليزداد لمعانا وصقلا وظهورا .

الجامعي اذن يريدنا ان نضعه حيث نضع المعدن النفيس الغالي . وهذا كما اسلفت من حقه ، والجامعى يريد ذلك ان نهئ له مكانه الرفيع منذ اللحظة الاولى التى يضع فيها قدمه على ثرى وطنه الحبيب . وهذا ايضا من حقه ، وهذا هو الواجب الأول الذى ينبغي ان تدركه الجهات التى تحتاج الى جهود الجامعيين والى ثقافتهم ، فان هناك امثالا من الشباب الجامعي ، وقر فى ذهنه ، ان بلاده المتعطشة الى جهود الشباب المتعلم سترحب بمقدمه منذ اللحظة الاولى ، وان تضعه حيث يجب ان يوضع مثله . ولكنه ريا خيبة الامل تمر عليه الايام ، وتتبلور الايام شهورا ، ويظل حيث يظل يفتش ويبحث عن مصيره المجهول ، فتدب الى نفسه الخيوط الاولى من ذلك الليل الموحش ليل اليأس ويكاد يفقد ايمانه بنفسه وثقته بوطنه ، حتى يأذن الله فيفئ الى عمل وتبدأ هنا مشكلة جديدة ، هى نوع ذلك العمل ، فهو حينا يتفق مع تخصص الشاب الجامعي ، ويتفق مع ميوله ، وفى هذه الحالة نستطيع ان نرتاح

الى النتائج . ونستطيع ان نقول اننا كسبناه .. ولكن فى بعض الاحايين نجنح طبيعة العمل ، عن طبيعة التخصص ، فاذا ما نجح شبابنا الجامعي في مثل هذه الاعمال المخالفة لاختصاصه فانا ينجح لاتفاقها مع ميوله أو مع مواهبه او لانها اعمال لا تتطلب ثقافة من نوع خاص ، وانها ميدان مشترك ينجح فيه الجامعي وغير الجامعي ، وفي هذه الحالة نستطيع ان نقول اننا كسبنا شابا متعلما فحسب كسبا ناقصا . اما شر الاحتمالات فهي حينما يزج الجامعي في غير اختصاصه ، وفي عمل يباين ميوله ايضا ، وحينئذ يجب ان نعتقد اننا خسرنا هذا الجامعي دون ريب .

احسبني استطيع أن أقول فى ايجاز ، ان فى مقدمة مطالب الشاب الجامعي من بلاده وحكومته ان تهئ له عمله قبل تخرجه ، متى آنست قرب موعد تخرجه ، لئلا يطول انتظاره ، وان تضعه موضعه ذلك الموضع الذي يتفق مع لون ثقافته ، لنفيد من جهوده على اكبر مدى مستطاع ، والجامعي بعد ذلك يريد من حكومته ان تترك له شيئا من حرية العمل ، ليستطيع ان ينتج انتاجا قيما غزيرا ، ويريد من حكومته ان تشجعه على أن يستثمر جهوده وتعليمه خير استثمار .

اما الجزء الاول ، او الخطوة الاولى من هذه المطالب وهي تهيئة العمل للجامعيين قبل تخرجهم بمدى كاف ، فهى خطوة سهلة الماخذ بالنسبة لمديرية المعارف العامة ، اذ يسعها ان ترشح الشباب المبتعثين الذين تتوقع تخرجهم ، فى الجهات التى تتفق مع اختصاصاتهم ، لتتولى تلك الجهات تهيئة المراكز المناسبة لكل منهم ، حتى اذا تخرج وعاد وجد عمله مهيئا ، وطريقه معبدة ، وبهذا تزيل المعارف عن ابنائها ما يساورهم من قلق على مستقبلهم ، وما قد يعانيه بعضهم من ضائقات تعرفها مديرية المعارف قبل غيرها .. (١)

اما بعد .. فشدما تشعبت الطريق بين ما أرادنى الاستاذ الانصارى أن اكتب ، وبين ما كتبت ، ولكنى ارجو ان اكون قد ارضيت رغبة حائرة فى نفسي ، عن شباب هم كما قلت مناط الآمال ومقعدها ، وان اكون فى نفس الوقت قد أرضيت الأستاذ الصديق .

اشترك في نشرتنا البريدية