جاء في دراسة ) 1 ( نشرت حديثا حول ازمة الهوية كما يعكسها الادب المغربي الفرنسي اللغة ان تجربة الاغتراب أو الاستلاب التى يعانيها الاديب المغربى تتميز بخمس مراحل :
اكتشاف المواطن للحضارة أو الثقافة الجديدة وانبهاره بها ومحاولته الانتماء اليها شعاره فى ذلك الاستيعاب والاندماج
) 2 ( بل هذه المرحلة رفض لماضيه وحضارته ودينه وقيمه العائلية وقد يقترن هذا الرفض بكره عنيف للذات واشمئزاز حاد من بني قومه
١ ( وفي المرحلة الثالثة يجد المواطن أن الآخرين الذين يريد الانتماء اليهم لا يرحبون به بل يرفضونه وتكون النتيجة صدمة مؤلمة وخيبة مريرة .
) 4 ( تتميز المرحلة الرابعة بالتحرر من الهجين الثقافي أو الحضارى والرغبة الملحة فى العودة إلى ثقافته الوطنية ومجتمعه وتأكيد الذات وهويته المستردة .
) 8 ( ويتبع ذلك في معظم حالات المفكرين المغاربة ) الذين يكتبون بالفرنسية ( احساس بخيبة ثانية لانهم يكتشفون صعوبة العودة أو الرجوع الى مجتمعهم ولهذا يظلون في حالة اغتراب أو ضياع فى علاقاتهم مع كلا المجتمعين .
ان وصفا كهذا يعكس بلا شك نمطا متطرفا من الاغتراب أو البحث عن الذات ، وقد يصدق على جانب من الادب المغربي المكتوب بالفرنسية غير انه لا ينطبق على الادب المغربي العربى اللغة الذى يتناول موضوع الاغتراب ذاته
ان ازمة الهوية أو البحث عن الذات كموضوع ادبي قديم قدم التلاقي الحديث بين الغرب والعالم العربى الاسلامى وقد أشرنا فى بحث سابق عن " الاسلام والتغريب في القصة العربية الحديثة " ) 1 ) الى ثلاثة عناصر او اتجاهات تبرز بتكرار فى سياق هذا الموضوع :
أولا : الاخلاص المطلق أو العودة الى القيم التراثية ثانيا : رفض هذه القيم إيثارا لما يقدمه الغرب ثالثا : رؤية طامحة الى الجمع بين مزايا الحضارتين : العربية الاسلامية وحضارة الغرب
واذا تأملنا أدب عبد الكريم غلاب - وهو من أهم أدباء المغرب ومفكريه فاننا نلاحظ ان ازمة الهوية الوطنية تشغل مكانا بارزا لديه ، وتتردد فى أعماله القصصية وكتاباته النقدية ، بصور تتفاوت تفصيلا أو شمولا . ولعل اهتمام غلاب بهذا الموضوع ناتج عن أمرين : أولهما دوره المزدوج كأديب ملتزم وصحفى منتم الى الحركة الوطنية المغربية ، وثانيهما ان الهوية الوطنية ذاتها كانت ولا تزال موضع تساؤل ، وعرضة لمؤثرات عالمية على الصعيدين المغربي والعربى سواء كان ذلك فى مرحلة الحكم الاجنبى ، أو ما بعد الاستقلال
تعتبر رواية دفنا الماضي ) 1966 ( افضل عمل روائى انتجه غلاب حتى الآن ، كما يمكن اعتبارها من أهم الروايات العربية المعاصرة من حيث توافر العناصر الفنية فيها ، واتساع الحقبة الزمنية التى تصورها ، والقيمة
التاريخية لمحتواها ، وهي الى جانب ذلك تعطينا نموذجا رفيعا من نماذج البطل الواعي في مسعاه لتأكيد الذات والهوية الوطنية . ومما لا شك فيه ان أى تقييم شامل لها يتطلب الالمام بمختلف مكوناتها وشخوصها ووجهات النظر الممثلة فيها مما لا نستطيع تحقيقه فى هذه العجالة ، ولهذا ساقتصر فى ملاحظاتي على ما يمس موضوع البحث عن الذات كما يواجهه بطلها عبد الرحمن فى مرحلة مهمة من تاريخ المغرب تمتد عشرين سنة تقريبا من الحكم الفرنسي قبل الاستقلال .
ان أول ما نلاحظه أن عبد الرحمن يقف موقفا سلبيا تجاه " الكتاب " الذي يفرضه عليه والده الحاج محمد التهامى ، الرمز التقليدى لسلطة الأب والقيم الموروثة ، وذلك لما يعانيه من رعب الفقيه ، وطرائقه البالية فى التدريس ثم يصمم على الالتحاق بمدرسة غربية النمط وقد سمع عنها ما يثير اعجابه ويلقي في سبيل ذلك عقابا صارما لخروجه على التقاليد وما يرسم له .
وعبد الرحمن في هذه الخطوة لا يختلف كثيرا عن شخوص قصصية مماثلة فى الادب العربي الحديث تعزف عن الكتاب أو المدارس التقليدية وتنبهر بالمعاهد الغربية أو الغربية الطابع ، غير انه يتميز بقدرته على الاحتفاظ بولائه الحضارى بالرغم من وقوعه تحت مؤثرات خارجية ، وعلى اتخاذ مواقف تتسم بالوعى تجاه ثقافته وثقافة الآخرين
وفي المدرسة الجديدة تبدأ مرحلة الاكتشاف المباشر للملامح القوية فى حضارة الغرب ممثلة في المناهج وشخص معلمه الفرنسى ، ويبدو خلالها معلمه الوطني نموذجا من نماذج الجمود والتقليد إزاء الفرنسى الذى يتميز بقدرته على النفاذ الى عقول الصغار وإثارة فضولهم او حب التطلع وقدرته على احياء آمالهم . ان المقارنة بين هذين الشخصين تكتسب دلالة رمزية أوسع عندما يتوسع عبد الرحمن فى ذكر المفارقات بين معلمه " اليازغى " ومعلمه " فرانسوا " ليشمل نماذج أو جوانب أخرى من مجتمعه . فهو يتساءل مثلا " لماذا كان اليازغي العالم الوقور المثل الكامل فى البلاد يتكشف عن هذا النموذج الذي يثير السخرية ويدفع الى الاستهزاء وكان فرانسوا الرجل العادى الذى يتصنع وقارا ولا يتخذ من ذاته أو ملابسه أو عمله وسيلة لكسب الاحترام يبعث على التقدير ويدعو الى الاقتداء ؟ لماذا تضعف حيلة اليازغي أمام التلاميذ . ثم يلجأ إلى فرانسوا يستنجد به منهم ؟ وكان فرانسوا - وهو
أصغر من اليازغي سنا - يملك قدرة سحرية عجيبة لا يملك مثيلها اليازغى ؟ " ) ص 130 ( ) 1 ( .
وتتداعي الى ذهنه نماذج كثيرة : والده الحاج محمد التهامي ومولاى عبد الغفور فى دروسه الليلية وأخوه الاكبر عبد الغني الذي بدأ يأخذ شكل اليازغي دون ان يكون مثله ، ثم يتبع النماذج فى كل من يعرف ويرى وكل من يسمع حديثا عنه لينتهى الى انها " جميعا نماذج من اليازغي لا تكاد تفترق عنه فى شكلها وفى تفكيرها وفي سلوكها وتصرفاتها ( ص 131 ( .
ويواصل عبد الرحمن التساؤل بصورة أخرى أكثر شمولا : أيكون كل شعبه هذا الذي يعيش بين احضانه فى المنزل ، فى المدينة والقرية نماذج من اليازغي ومولاى عبد الغفور وعبد الغني ؟ . . وفرانسوا ليس من شعبنا ولكنه يقدم لنا نموذجا آخر يتسم بالحركة ويتميز بالحياة اهو أذكى ؟ أهو أقوى ؟ أهو اغنى ؟ أهو أعلم ؟ " ) ص 131 ( .
ويختتم تساؤلاته بالعودة الى ذاته : أى نموذج سيكون ؟ هل سيكون اليازغي أم سيكون فرانسوا ؟ ) ص 132 ( .
ان هذه الاسئلة المترابطة تبقى مفتوحة بدون جواب ، غير ان صياغة البطل لها وذكر المفارقات بين النموذجين : النموذج التقليدي والنموذج الغربي ، يدلان بوضوح على انه يطمح إلى رفض النموذج التقليدى أو تجاوزه والاقتداء بالنموذج الغربى الآخر أو الاستيحاء منه . ويستمر عبد الرحمن في هذا اللون من التساؤل أو النقد الذاتى مستهدفا ما يراه من جوانب أو أنماط سلبية فى عالم أبيه ، كمعاملة الجوارى اللا انسانية والزواج التقليدى الذى يتم بدون مشاركة الانباء الفعالة ، والتقييدات التى تسلب المرأة شخصيتها أو حقوقها المشروعة . ولكن موقفه السلبى يظل متحفظا وانتقائيا لا يتحول الى ازدراء جذرى للقيم الدينية والحضارية الموروثة خلافا لما يقع فى بعض الروايات المغربية الفرنسية اللغة كرواية الماضي البسيط للكاتب المغربي ادريس شرايبي ، لانه ينطلق من مبدأ إمكان الانتقال
من حالة التخلف الذي ورثه المغرب عبر العصور الى طور يكفل له التقدم والتطور . فهو مثلا يستنكر الزواج الذي يفرضه الآباء على أبنائهم وبناتهم بدون أن يكون لهم رأي ، كما حدث لأخيه الاكبر عبد الغني ، ولكنه يعتقد بامكان تلافى هذا العيب الاجتماعى بالتوعية التى تعين الابناء على تأكيد حريتهم فى الاختيار ، ويتجلى ذلك فى توجيهه عائشة التى ترفض الزواج من رجل لا تعرفه ولا توافق عليه قائلا لها : " يكفى انك سلبت أهم ما تقوم شخصية الانسان : الثقافة فلا تدعيهم يسلبونك أهم ما يميز الانسان الاختيار . سأكون فى عضدك لو تمردت ولكنى لن أكون فى عونك لو استسلمت ) ص 236 ( .
وتشاء أحداث القصة أن تثبت سلامة رأيه ، ونجاح موقفه عندما يقرر أبواه تزويج أخته عائشة بدون مشورتها فيقوم عبد الرحمن محب عائشة على أن يكون لها رأى فى الامر لانه يهمها قبل غيرها ) ص 264 ( ويؤدى هذا الموقف الى رفض الخطيب المقترح ، فى المرة الاولى ، ومن ثم الى قبول والده الحاج محمد مكرها فكرة استشارتها عند بدء مراسيم الخطبة الثانية بفضل دور البطل وقناعة عائشة بحقها فى تقرير مصيرها وان كان دورها يبقى هامشيا ، معتمدا على جهود أخيها دون ان تمارس الحرية التامة فى الاختيار ( ص 268-271 ( وقد يكون ذلك متوقعا بحكم الظروف الاجتماعية من جهة ، وافتقارها الى الثقافة التى تعينها على اتخاذ موقف مستقل من جهة اخرى . ومهما يكن من أمر فان قدرة عبد الرحمن على تحقيق تعديل نسبى فى بعض تقاليد مجتمعه ذات دلالة رمزية توحى بامكان التغيير نحو الافضل دون الوقوع فى شرك الاغتراب التام أو الانفصام عن المجتمع
وادراكه لما للمرأة من دور هامشى فى مجتمعه يزداد عمقا ووضوحا حينما يتعرف على مادلين " الفتاة الفرنسية وأمها ويكتشف فيهما الجانب الجمالى والروحى للأمة المستعمرة كما اكتشف من قبل فى استاذه جانبها الحضارى والعلمي ، فهو يعجب بما يلمس فيهما من ذكاء وحب استطلاع وثقافة
وشخصية مستقلة وغيرها من المزايا التى تفتقر اليها المرأة التقليدية فى مجتمعه ، ثم يتطور إعجابه بمادلين الى نوع من الحيرة القلقة بين نداء العاطفة التى لا تستنكر فكرة الزواج منها وتساؤله العقلانى عن مصير هذه العلاقة فى إطار انتمائه الوطني ، غير ان حيرته لا تدوم طويلا ، اذ انه ينتهى الى قرار يشده الى ماضيه ويجنبه التناقض الذى تفرضه عليه مادلين مبررا ذلك بوعيه أن ما يفرق بينهما هو أكثر مما يجمع
ويخيل الى ان البطل باثارة أمثال هذه الاسئلة ، أو المقارنة بين ما يعيشه فى مجتمعه وما يكتشفه فى ثقافة الغرب يريد أن يشير الى مواطن الضعف فى عالمه ويوحى بامكان اصلاحها أو التخلص منها بدون فقدان جذوره أو الاساءة الى جوهر تراثه . وهو بهذا النوع من الرؤية أو السلوك يتميز عن كثير من الشخوص القصصية التى نراها فى اعمال عربية اخرى كقنديل أم هاشم ليحيى حقى حيث يفقد بطلها اسماعيل ثقته بثقافته ، ودينه تحت تأثير الغرب ، أو يفقد اتزانه في محاولته المخلصة لتحرير مجتمعه من أوهام الخرافات أو رواسب الماضى بينما يظل عبد الرحمن - حتى عند رفضه تقاليد معينة - متعاطفا مع بني قومه التقليديين ، ومتفهما للظروف التاريخية التى طبعت حياتهم بمظاهر التخلف والجمود ، بروح ينم عن تسامح وصبر واعتزاز لا يضيق بهم ، ولا يحقد عليهم أو ينظر اليهم نظرة تعال وازدراء . ولهذا يبقى احساسه بالاغتراب متلاحما مع شعوره بالولاء والانتماء لجوهر حضارته وليس أدل على ذلك من مشاركته الفعالة فى كفاح العناصر الواعية من شعبه ضد الغزاة ، والذود عن عروبته ودينه ووحدة وطنه ، سواء كان ذلك بالعمل السياسي الذي يقوده الى السجن أو بمحاوراته مع الشخوص الاخرى خاصة فيما يدور بينه وبين أبيه من حوار كما حدث عندما نقل اليه خبرا عن سياسة فرنسا لتمزيق المغرب ) ص 144 ( محاولا بالحاح توضيح بعد الخطر لأبيه " الأمة قيمتها فى وحدتها نحن الامة المغربية لا نكون أمة اذا فرقنا الفرنسيون عربا وبربرا . الوطن لنا ما دمنا أمة واحدة ، وحين يفرقنا هؤلاء الدخلاء ستصبح بلادنا مجموعة أوطان بعضها يدين بالاسلام وبعضها يدين
بدين الغزاة ، بعضها يتحدث بالعربية وبعضها يتحدث بلغة الغزاة . ( ص 146 ) .
وهناك مواقف أخرى تدل على رؤيته غير التقليدية في الدفاع عن جوهر تراثه وحضارته ، يأخذ فيها على التقليديين فشل مواقفهم أو انهزاميتهم فى مواجهة الخطر الخارجي كقوله لأخيه : " اللطيف شعار يجمع الكلمة حول الفكرة والفكرة ان نقاوم العدوان والمعتدين ، ونقاوم الانهزاميين امثالك . . انت عنوان الهزيمة ، وما ينبغى ان يوجد فى الامة المتحركة فى طريق الحرية من يعبد المال ويسير فى طريق الاستسلام " ) ص 152 ( ، أو فى دفاعه أمام أبيه عمن اعتقل من مقاومى الحكم الفرنسى " أولئك رجال سيرفعهم السجن والجلد والنفي الى مقام الابطال " ) ص 155 ( ، كرد فعل لما وجه اليهم من طعن أو يتهمون به من تدخل فيما لا يعنيهم على حد تعبير أبيه .
ويواصل عبد الرحمن السير على هذا النهج ، فى بقية الرواية بصبر واطراد حتى خاتمتها التى تعلن عن حدثين رمزيين : دفن والده الحاج محمد وإعلان الاستقلال بعودة الملك .
واذا كان " الاستقلال يمثل دليلا آخر على سلامة رؤية البطل وانتصارها مرحليا فان الرواية لا تنتهى به بل بما يدل على ان فاعلية الرؤية لا تقف عند هذا الحد وبما يدل على ضرورة السعى للتخلص من رواسب الماضى ، يوحى به صوتان يسمعهما البطل : الاول يدوى " دفنا الماضى . والآخر صوت أحد شهداء الكفاح لا ، لم ندفن الماضي " ( ص 408 ) ( .

