مظاهر الحضارة الإسلامية

Share

(بقية الحلقة الثانية عشرة)

ج : الحالة الاجتماعية والمالية :

أولا : الناحية الاجتماعية : لقد بلغ الانحلال الاجتماعي غايته في الدولة الرومية والشرقية، وعلى كثرة مصائب الرعية ازدادت الاتاوات ، وتضاعفت الضرائب . حتى أصبح أهل البلاد يتذمرون من الحكومات ، ويمقتونها شديدا ، ويفضلون عليها كل حكومة اجنبية ، وكانت الايجازات والمصادرات ضغثا على ابالة ، وقد حدثت لذلك اضطرابات عظيمة وثورات . وقد هلك عام ٥٣٢ في الاضطرابات ثلاثون ألف شخص في العاصمة . وعلى شدة الحاجة الى الاقتصاد في الحياة اسرف الناس فيه ، ووصلوا في التبذل الى احط الدركات ، واصبح الهم الوحيد اكتساب المال من أى وجه ، ثم انفاقه في التطرف والترف وارضاء الشهوات .

ذابت أسس الفضيلة ، وانهارت دعائم الاخلاق ، حتى صار الناس يفضلون العزوبة على الحياة الزوجية ليقضوا مآربهم في حرية. وكان العدل كما يقول (منيل) يباع ويساوم عليه

مثل السلع ، وكانت الرشوة والخيانة تنالان من الامة التشجيع . يقول (جيبون) : ((وفى اخر القرن السادس وصلت الدولة في ترديها وهبوطها الى اخر نقطة . وكان مثلها كمثل دوحة عظيمة كانت امم العالم في حين من الاحيان تستظل بظلها الوارف ، ولم يبق منها الا الجذع الذى لا يزداد كل يوم الا ذبولا)) . ويقول مؤلفو تاريخ العالم للمؤرخين: ((ان المدن العظيمة التي اسرع اليها الخراب ولم تسترد مجدها وزهرتها ابدا ، تشهد بما اصيبت به الدولة البيزنطية في هذا العهد من الانحطاط الهائل الذى كانت نتيجته المغالاة في المكوس والضرائب والانحطاط في التجارة ، واهمال الزراعة ، وتناقص العمران في البلدان (١) .

وكذلك فان المقاطعات العربية التى وقعت فريسة تحت حكم الرومان لم تسلم هى الأخرى من هذه الفوضى وذلك الاضطراب فمصر (ذات النيل السعيد ، والخصب المزيد) كانت في القرن السابع من أشقى بلاد الله بالنصرانية ، وبالدولة الرومية معا ، أما الاولى فلم تستفد منها الا خلافات ومناظرات في طبيعة المسيح، وفي فلسفة ما وراء الطبيعة والفلسفة الالهية . وقد ظهرت فى القرن السابع في شر مظاهرها ، وانهكت قوى الامة العقلية واضعفت قواها العملية، واما الاخرى فلم تلق منها الا اضطهادا دينيا فظيعا واستبدادا سياسيا شنيعا تجرعت في سبيلهما من المرائر في عشر سنين ما ذاقته اوروبا في عهد التفتيش الدينى في عقود من السنين ، فألهاها ذلك عن كل وطر من اوطار الحياة ، وعن كل مهمة شريفة من مهمات الدين والروح ، فلا هي تتمتع بالحرية السياسية رغم كونها مستعمرة رومية ، ولا

هى تتمتع بالحرية الدينية والعقلية ، رغم كونها نصرانية (٢) .

ان حكومة مصر الرومية لم يكن لها الا غرض واحد ، وهو ان تبتز الاموال من الرعية لتكون غنيمة للحاكمين ، ولم يساورها أن تجعل قصد الحكام توفير الرفاهية للرعية أو ترقية حال الناس والعلو بهم في الحياة أو تهذيب نفوسهم أو اصلاح أمور ارزاقهم ، فكان الحكم على ذلك حكم الغرباء لا يعتمد الا على القوة ولا يحس شئ من العطف على الشعب المحكوم (٣) .

اما بلاد الشام فلم تكن اسعد حظا من مصر فقد كانت معاملة الروماني للساميين بادئ ذى بدء عادلة حسنة مع ما كانت عليه مملكتهم في داخليتها من المشاغب والمتاعب.

ولما شاخت دولتهم انقلبت الى اتعس ما كانت عليه من الرق والعبودية ، ولم تضف رومية بلاد الشام مباشرة ولم يصبح سكانها وطنيين رومانين ، ولا ارضهم ارضا رومية، بل ظلوا غربا ورعايا ، وكثيرا ما كانوا يبيعون ابناءهم ليوفوا ما عليهم من الاموال، وقد كثرت المظالم والسخرات والرقيق، وبهذه الايدى عمر الرومان ما عمروا من المعاهد والمصانع في الشام (٤) .

وقد حكم الرومان الشام سبعمائة سنة ، بدأ معهم في البلاد النزاع والشقاق والاستبداد والانانية وقتل الانفس ، وحكم اليونان الشام ٣٦٩ سنة سادت في عهدهم الحروب

الطاحنة والمظالم وظهرت المطامع اليونانية بأعظم مظاهرها وكان حكمهم من أشد البليات وأشد النكبات على الامة الشامية(٥)

فقد كان يقضي على الشعب الشامي أن يؤدي الجزية وعشر غلاته واتاوة من المال ورسما على كل رأس ، وللشعب الرومانى موارد مهمة من الجمارك والمناجم والضرائب والحقول الصالحة لزرع الحنطة والمراعي يؤجرونها من شركات المتعهدين يسمونهم العشارين ، يبتاعون من الحكومة حق جباية الخراج ، وفي كل ولاية عدة شركات من العشارين ، ولكل شركة مستخدمون من الكتاب والجباة يظهرون في مظهر السادة ، ويتناولون اكثر مما يجب لهم اخذه ، ويسلبون نعمة الاهلين ، وكثيرا ما يبيعونهم كما يباع الرقيق (٧) .

ثانيا : الناحية المالية :

لقد اتيح للادارة البيزنطية (البيروقراطية) ان تخصص بعض نفقاتها لبناء الكنائس ، والمؤسسات العامة ، وتوزيع الاعطيات والصدقات ، ولكن رجال هذه الادارة - على وجه الاجمال - كانوا لا يتقون الله في اموال الناس ، فيضخم للامبراطور ثروته بافقار الملايين ، واعدام الآلاف، وتخريب الاقاليم ، فلا عجب اذا استخدمت الدولة ، ابتداء من عهد جستنيان ، كل الوسائل لابتزاز ثروة الشعب ، بارهاق الرعايا بالضرائب الباهظة التي كانت تساقط على المكلفين تساقط العاصفة الهوجاء .

وهكذا خلف جستنيان بعد وفاته دينا كثيرا ، وترك خزانة الدولة خاوية وخلف طيبريوس في اواخر القرن السادس شعبا متذمرا ، ودولة مضطربة لا تعرف الاستقرار،  وترك فوقاس في اوائل القرن السابع دولة شلاء يهددها الفقر بالانقراض ، وافلست الدولة في عهد هرقل لكثرة حروبه التى استنزفت خزائن المال ، حتى اضطر الى الاقتراض من ثورة الكنائس على أن يرد الدين بالربا ، وأمسى الناس في عهده - قبيل الفتح الاسلامي - لا يستيقنون الا من احد امرين : فأما الموت واما الضريبة (٧) .

انواع الضريبة : والضريبة في الدولة البيزنطية ضروب وألوان : فمن ضرائب على الاراضي ، الى ضرائب على الرؤوس ، الى ثالثة على المواشي ، الى ما لا نهاية له من المكوس على الأشياء والممتلكات . وكانت الارض ذات الغلال التى تزرع حبوبا هى التى تضرب عليها الضريبة ، وكان تحديد مقاديرها من اختصاص الامبراطور ذى التفويض الالهي ، ونائب السماء على ارض الكادحين .

على ان شيئا ذا بال يسترعي الانتباه في نظام الضريبة البيزنطية على الارض : هو مسؤولية القرية كلها - بالتضامن الجماعى - عن دفع المبالغ المقررة الى خزانة الدولة، لان مصلحة هذه الخزانة فوق كل مصلحة، ولا بد لافراد المجتمع الصغير في كل قرية على حدة من تأمين الضريبة المفروضة مهما كانت باهظة ، وقد اعانت هذه المسؤولية الجماعية على خلق نظام الحماية  Patronage  الذى يتمثل في وضع المزارع ارضه تحت تصرف

احد الاغنياء ليتولى دفع ضريبتها بدلا منه ويحميه من عسف الحكام المستبدين .

وفرضت تحت اسم    Kapnikon فريضة الرؤوس على ارقاء الارض في السلم ، وحتى على الاحرار في الحرب ، وعلى غير المسيحيين كاليهود بوجه عام . وربما لم تتحدث الوثائق البيزنطية عن هذه الضريبة الا في قرون الدولة الاولى ، ولكن في الخطاب الذى ارسله عمرو بن العاص فاتح مصر الى الخليفة عمر بن الخطاب اشارة الى اربعين ألفا من اليهود كانوا في الاسكندرية يدفعون الجزية . وليس بين ايدينا احصاء دقيق عن مقادير هذه الجزية ، وان كان المؤرخ ملن Milne   يذكر في بعض بحوثه ان هذه  الضريبة كانت في القرن الاول ستة عشر درهما على الشخص الواحد ، ثم ارتفعت في القرن الثاني الى عشرين درهما .

وفرضت على المواشي من الابل والبقر والغنم والمعز والحمير ضرائب كانت تسدد مقاديرها بارادة امبراطورية ، ومن الامثلة عليها ان ضريبة الجمل الواحد كانت احيانا تبلغ عشرة دراهم .

وفرضت ضرائب اخرى على البيع والتجارة ، فكانت نسبتها عشرة في المئة ، وعلى المنازل التي تم بناؤها بنحو مئة درهم على المنزل الواحد ، وعلى بحارة السفن بنحو عشرة دراهم عن كل بحار ، وعلى البغايا ((العاهرات)) مئة وثمانية من الدراهم على كل منهن ، وحتى على القرابين في الكنائس بنسبة اربعة في المئة ، فهل غلا اندريادس حين قال في نظام الضرائب البيزنطى : (( انه كان أشد ظلما وجورا من أى نظام حديث))(٨).

اشترك في نشرتنا البريدية