النظم الحضارية وأحوال العالم قبل الاسلام
لعله من الافضل لنا قبل أن ندخل الى صلب البحث : ( مظاهر الحضارة الأسلامية ) أن نقدم بين يدى البحث ، هذا الفصل لدراسة حالة العالم المعروف آنذاك وبخاصة العرب ، لنتعرف على النواحى الهامة التى سادت ذلك العالم سواء من الناحية السياسية أم الدينية أم الاجتماعية ، حتى نستطيع فى نهاية دراستنا هذه للحضارة الاسلامية ومظاهرها أن نعقد مقارنة نوضح فيها للمغالطين والمكابرين فضل الاسلام على البشرية .
تمهيد :
كانت مصاير العالم المعروف قبل الاسلام تقررها دولتان كبيرتان هما دولة الفرس ، ودولة الروم ، كما كانتا تتنازعان السلطة عليه ، ولعلهما يمثلهما اليوم المعسكران : الشرقى والغربى . . وعلى الرغم من ان
هاتين الدولتين قد بلغتا شأوا عظيما فى الحضارة والمدنية . الا أن عوامل الفساد والاضطراب ، كانت تنخران فيهما مثلما ينخر السوس قوائم الخشب . فتكون مستعدة للسقوط فى أية لحظة . . وخاصة إذا ما هبت عليها ريح قوية .
١ - بلاد فارس(١) : كانت دولة الفرس فى ظاهر أمرها تبدو امبراطورية عزيزة الجانب ، قوية السلطان ، متماسكة الجوانب ، مليئة بأسباب الحضارة والمدنية ، غير انها كانت على نقيض ذلك فى واقع أمرها ، وكما تبدو للدارس والباحث المنقب فى حقيقه أمرها ، لقد كمن الصراع الداخلى المستمر يمزق أوصالها ، كما ان حياتها كانت مملوءة بالدسائس ، وكانت تغلى من مراجل الحقد والبغضاء والحسد
أولا - الناحية السياسية : بدأ كسرى أبرويز - فى أوائل القرن السابع الميلادى - يوقد نار الحرب مع الطرف الآخر
- الامبراطورية البيزنطية - الذى كان ينافسه على السلطة والسيطرة ، ولم تضع هذه الحرب أوزارها الا بعد ربع قرن من الزمن وقد اكتسحت جيوش كسرى فى أول أمرها كل ما مرت عليه من البلدان ، كأنها الريح العقيم لا تأتي على شىء الا جعلته كالرميم ، وبذلك بدأت دولة الفرس تنذر ملك البيزنطيين بالشر المستطير (٢)
غير أن (( هرقل )) ما لبث ان جمع جموعه ثم بدأ يهاجم كسرى ابرويز على حدود بلاده . وقد استطاع أن يهزمه فى نينوى هزيمة منكرة ، حوالى سنة ٦٢٧ م ، ومن ثم أخذ النفوذ الفارسى يتقلص فى تلك المنطقة رويدا رويدا (٣) ، وقد انتهت حياة كسرى ابرويز بثورة ابنه ( شيرويه ) عليه وقتله اياه حوالى سنة ٦٢٨ م ، غير ان الابن العاق لم ينعم بالملك اكثر من ثمانية أشهر ، تولى بعده الحكم (( اردشير )) صبيا ليس له من العمر الا سبع سنين ، وقد استطاع قائده (( شهربراز )) أن يغتصب الحكم منه لنفسه ، وأن يأمر بقتله ، لكن رجال حرس (( شهربراز )) قتلوه بعد أربعين يوما من جلوسه على العرش ، ثم نصبوا من بعده (( بوران بنت كسرى أبرويز )) لكنها هلكت بعد سنة وعدة أشهر ، وخلفها رجل من أسرة الاكاسرة يقال له (( جشنسداه )) غير انه لم ينعم بالملك الا شهرا واحدا ، وانتهى الملك الى (( آزر ميدخت بنت كسرى ابرويز )) أخت (( بوران )) السالفة الذكر ، فقتلت (( فرخهرمز اصبهبذ خراسان )) ولما علم ابنه (( رستم )) بمقتل والده ، توجه الى العاصمة (( المدائن )) بجند عظيم واستطاع أن يشمل عينى (( ازر ميدخت )) ثم قتلها انتقاما لوالده ، ثم توالى بعد ذلك خمسة اشخاص على الحكم فى زمن قصير جدا ،
(١) - لدراسة أحوال بلاد فارس ، انظر المراجع التالية : ١ - ويلز ، معالم تاريخ الانسانية ، ج ٣ ، ترجمة عبد العزيز جاويد ط ٣ سنة ١٩٦١ م . ب - ديورانت ، قصة الحضارة ، ج ٢ ، ترجمة د . زكى نجيب محمود ، ط ٢ سنة ١٩٥٦ م ج - هامرتن ، تاريخ العالم ، ج ٢ و ج ٣ مواضع مختلفة ، ترجمة ادارة الترجمة بوزارة المعارف العمومية بهصر - احمد امين ، فجر الاسلام ، ط ٨ سنة ١٣٨٠ د . م . لجنة النشر والتأليف والترجمة بالقاهرة - رزقانة ، حضارة مصر والشرق القديم ، م . دار مصر للطباعة . وغيرها من المصادر . (٢) الطبرى ، تاريخه ، ج٢ . ص ١٤٠-١٤١ . (٣) الطبرى ، تاريخه ، ج ٢ ، ص ١٤٠ وما بعدها
كان آخرهم (( يزدجرد الثالث ابن شهريار ابن كسرى ابرويز )) آخر ملوك بنى ساسان ، وهو الذى تمت فى عهده الفتوح الاسلامية بين سنتى ٦٣٣-٦٤٣ م (٤)
ولقد كان ( نظام الحكم فى الدولة الساسانية - منذ عهد مؤسسها اردشير الاول سنة ٢٢٦ م ، حتى نهاية أمرها فى عهد يزدجرد الثالث - يقوم على الاعتقاد بنظرية الحق الالهى المقدس وهو الحق الذى اتاح لاردشير مؤسس الدولة ان يسمى نفسه شاهنشاه أى (( ملك الملوك )) لأن تاج دولة الفرس لا يلبسه الا كائن الهى يحاط بمظاهر الاجلال والتقديس (٥)
ومما يدلنا على هذا الاجلال والتقديس قول الجاحظ : ( ان ملوك آل ساسان لم يكنها أحد من رعاياها قط ، ولا سماها فى شعر ولا خطبة ولا تقريظ ولا غيره (٦) .
ثانيا : الناحية الدينية :
لقد كان الفرس فى بادىء امرهم - كالجنس الآرى الذي ينحدرون منه - صابئة يعبدون الشمس والقمر وغيرهما من الكواكب ، فالجنس الآرى ميال الى عبادة المظاهر الطبعية ، ثم غلبت عليهم عبادة النار ( المجوسية ) ولقد اصبحت هذه الديانة فيما بعد ، دين الدولة الرسمى (٧). غير انه ظهر فيهم كثير من الذين اظهروا بعض التعديلات لهذه الديانة ومن هؤلاء :
١ - (( زرادشت )) الذي بدأ دعوته بتعاليم جديدة أسست على الديانات القديمة ، لكن بعد ادخال اصلاحات عليها ، وقد ظهر امره فى نحو منتصف القرن السابع قبل الميلاد ، وقد عمر حوالي ٧٧ عاما وتوفى سنة ٥٨٣ ق.م وكان موطنه (( اذربيجان )) ، ولكنه لم ينجح فى دعوته الا فى مدينة (( بلخ ))، وذلك على أثر دخول الملك (( بشتاسب )) فى ديانته الجديدة ، ومن ثم انتشرت تعاليمه من ( بلخ ) الى فارس كلها (٨) .
ويقال انه ( دعا الى التوحيد وأبطل الاصنام ، وقال ان نور الله يسطع فى كل ما يشرق ويلتهب فى الكون . وأمر بالاتجاه الى جهة الشمس والنار ساعة الصلاة لان النور رمز الى الاله . وأمر بعدم تدنيس العناصر الأربعة وهي : النار والهواء والتراب والماء ، وجاء بعده علماء سنواللزرادشتيين شرائع مختلفة ، فحرموا عليهم الاشتغال بالاشياء التى تستلزم النار فاقتصروا اعمالهم على الفلاحة والتجارة ، ومن هذا التمجيد للنار واتخاذها قبلة للعبادات ، تدرج الناس الى عبادتها حتى صاروا يعبدونها ويبنون لها هياكل ومعابد ، وانقرضت كل عقيدة وديانة غير عبادة النار وجهلت الحقيقة ونسى التاريخ ( ٩ ) . )
ولقد كانت الزرادشتية (( الديانة السائدة فى فارس وما حولها فى عهد الكيانيين (ACHAEMENAN) فلما انتصر الاسكندر سنة ٢٣١ ق .م كان ذلك ضربة لهذه الاسرة ولديانتها ، ثم انتعشت فى عهد الاسرة الساسانية التى بدأت حكمها سنة ٢٢٦ م . وظلت هى ديانة الفرس الى الفتح الاسلامى ، فاعتنق كثير منهم الاسلام وكان رئيسها ثانى رجل فى الدولة بعد الملك (١٠) .)
ب - ماني (MANICHEAN) ثم ظهر (مانى) فى القرن الثالث الميلادى ، وقد ولد هانى مؤسس المانوية حسب ما يقول البيرونى سنة ٢١٥ م أو ٢١٦ م ((١١)) وقد عاش مذهبه على رغم ما لقى من اضطهاد الى القرن السابع الهجرى - ١٣ الميلادي - ( وخلاصة مذهبه أن العالم كما قال زرادشت نشأ عن أصلين وهما : - نور
والظلمة ، وعن النور . نشأ كل خير ، وعن الظلمة نشأ كل شر ، والنور لا يقدر على الشر ، والظلمة لا تقدر على الشر ) .
( وهو فى هذا لا يخرج كثيرا عن تعاليم زرادشت - كما ترى - ولكن يخالفه بعد فى أمر جوهرى : هو أن زرادشت كان يرى أن هذا العالم الحاضر عالم خير ، لما فيه من مظاهر نصرة الخير على الشر ، فى حين ان مانى يرى أن نفس الامتزاج شر يجب الخلاص منه . وزرادشت يرى أن يعيش الانسان عيشة طبعية ، فيتزوج
وينسل ، ويعنى بزرعه ونسله وماشيته ، ويقوى بدنه ، ولا يصوم ، وانه بهذه العيشة ينصر اله الخير على اله الشر ، وأما مانى فنزع منزعا آخر هو اشبه ما يكون بالرهبنة . وقد كان ماني - كما يقولون - راهبا بحران ، فرأى أن امتزاج النور بالظلمة فى هذا العالم شر ، ومن أجل هذا حرم النكاح حتى يستعجل الفناء ، ودعا الى الزهد ، وشرع الصيام سبعة ايام فى كل شهر ، وفرض صلوات كثيرة ، يقوم الرجل فيمسح بالماء ويستقبل الشمس قائما ، ثم يقوم ويسجد هكذا ، اثنتى عشرة سجد ، يقول فى كل سجدة منها دعاء . . ونهى اصحابه عن ذبح الحيوان لما فيه من ايلام ، وأقر بنبوة عيسى وزرادشت وقال انى مانى النبى الذى بشر به عيسى .
( وقد ذكر ان هرمز ملك الفرس اعتنق مذهبه وايده ، وانه دخل فى دينه كثير من الناس ، فلما مات هرمز وخلفه بهرام الاول لم يرتح الى تعاليمه وقتله وشرد أصحابه ) (١٢) .) وقد أمر بهرام ابن هرمز بمانى فقتل وسلخ جلده وحشوه تبنا وتعليقه على باب من أبواب مدينة جندى سابور يدعى باب المانى(١٣) .
ج - هزدك : وقد ظهر فى فارس حوالى سنة ٤٨٧ م . داع جديد يدعى مزدك ، يدعو الى تعاليم جديدة تناقض ما دعا اليه ماني الزنديق من تعاليم مجحفة ، ويقول الطبرى ان مزدك من أهالي (( نيسابور )) (١٤) وأهم ما امتازت به تعاليم مزدك تلك الفوضوية أو الاشتراكية التى دعا اليها . .
قال الشهرستانى : (( وكان مزدك ينهى
الناس عن المخالفة والمباغضة والقتال ، ولما كان اكثر ذلك انما يقع بسبب النساء والاموال ، احل النساء ، واباح الاموال . وجعل الناس شركة فيها كاشتراكهم فى الماء والنار والكلأ )) (١٥) .
وقال الطبرى : (( قال مزدك واصحابه : ان الله انما جعل الارزاق فى الارض ليقسمها العباد بينهم بالتآسي ، ولكن الناس تظالموا فيها ، وزعموا انهم ياخذون للفقراء من الاغنياء ، ويردون من المكثرين على المقلين ، وان من كان عنده فضل من الاموال والنساء والامتعة فليس هو بأولى به من غيره ، فافترض السفلة ، ذلك
واغتنموه ، وكانفوا مزدك واصحابه وشايعوهم فابتلى الناس بهم ، وقوى امرهم ، حتى كانوا يدخلون على الرجل فى داره فيغلبونه على منزله ونسائه وامواله ، وحملوا قباذا على تزيين ذلك وتوعدوه بخلعه ، فلم يلبثوا الا قليلا حتى صاروا لا يعرف الرجل منهم ولده ، ولا المولود اباه ، ولا يملك الرجل شيئا مما يتسع به (١٦).
وقال فى موضع آخر : (( وذكر أن ذلك من البر الذى يرضاه الله ويثيب عليه أحسن الثواب ، وأنه لو لم يكن الامر الذى أمرهم به من الدين كان مكرمة فى الفعال ورضى فى التفاوض ، فحض بذلك السفلة على العلية واختلط له اجناس اللؤماء بعناصر الكرماء ، وسهل السبيل للغصبة الى الغصب ، وللظلمة الى الظلم وللعهار الى قضاء نهمتهم والوصول الى الكرائم اللائي لم يكونوا يطمعون فيهن ، وشمل الناس بلاء عظيم لم يكن لهم عهد بمثله (١٧) . ))
وعندما وصل السيل الربى ، واستفحل
خطر أولئك الفوضويين أو الاشتراكيين الاول ، وشعر الملك كسرى انو شروان أمر بالقضاء عليهم وقتل رؤوسهم ، فضربت أعناقهم وقسمت أموالهم فى أهل الحاجة ، وقتل جماعة كبيرة ممن كان دخل على الناس فى أموالهم ، ورد الاموال الى اهلها ، وامر بكل مولود اختلف فيه عنده ان يلحق بمن هو منهم اذا لم يعرف أبوه وأن يعطى نصيبا من مال الرجل الذي يسند اليه اذا قبله الرجل ، وبكل امرأة غلبت على نفسها ان يؤخذ لها حتى يغرم لها مهرها ، ويرضى اهلها ، ثم خير المرأة بين الاقامة عنده وبين تزويج من غيره الا ان يكون لها زوج أول فترد اليه ، وأمر بكل من كان اضر برجل فى ماله ، أو ركب احدا بمظلمة ، أن يؤخذ منه الحق ثم يعاقب الظالم بعد ذلك بقدر جرمه (١٨) . ))

