بهذا الجزء الممتاز يختتم "المنهل" عامه الثاني عشر ، ليستقبل عامه الثالث عشر ان شاء الله بالجزء الذي يليه وقد جرى المنهل على اصدار هذه الاجزاء الممتازة فى ختام كل عام، لتكون معرضا ورائدا . . معرضا لما وصلت اليه بلادنا فى حقول العلم والثقافة والاقتصاد والعمران والأدب من تطور وتقدم، ورائدا من رواد التقدم الحثيث بها وقد رأينا أن تصدر هذه الاجزاء الممتازة فى "من"ى وفى أيام الاعياد الكبرى، حيث يكون ألوف المسلمين قد فرغوا من شؤون حجهم ، واستقبلوا الأفراح المباهج وعادوا من رحلة الطاعة والأنابة والتجرد من الذاتية وذوبان الشخصيات فى سبيل مرضاة الرب وطلب غفرانه وقبوله، الى دنيا الحياة الباسمة بعد أن استشعرت أرواحهم بالقبول والاقبال، فيكون المنهل يومئذ بين أيديهم ، يستقون من سطوره ما يدخل البهجة الى قلوبهم. من مظاهر تقدم بلادهم المقدسة فى ظل الحكم العادل الرشيد .. وكان من أحفل الأجزاء التى أصدرها المنهل فى هذا السبيل، ذلك الجزء الممتاز الذي كان صدر فى آخر عام ١٣٦٨حافلا بالوان
(تطور المملكة) فى مدى ربع قرن من الزمان وقد ساهم فيه الكبار والصغار واصبح سجلا من سجلات التاريخ .
والمنهل يسير ، ويسير على الدوام ، ومبدؤه المفضل : (الى الامام فى هدوء وانتظام) .. وليس الطريق الذي اجتازه فى رحلته مدى ستة عشر عاما، بالطريق المعبد الممهود والمحفوف بالازاهير والورود ولكنه طريق مرهق شاق مملوء بالعقاب والصعاب، فما يكاد يصدر عدد الا بشق النفس والا بعناء الجسم والتفكير واستنزاف طاقة كبيرة من الجهد العنيف .. ذلك ان الموارد المالية، وهي أساس النهوض، كانت ولا تزال محدودة غير فياضة ولا ممدودة . . والمحرر - لذلك - وحيد فريد ، واكثر الاعمال الادارية والتحريرية منوط به وحده ، والصحافة الحديثة فى حاجة دائمة الى التوسع الاداري والى التوسع التحريرى معا ، حتى ينهض كل بعبء خاص ، ويكون العمل بذلك سهلا رتيبا وتكون الصحيفة بذلك مهيأة للتجديد المنشود وللتحسن المروم .. وقد لاحظنا فى الفترة الأخيرة بعض فتور فى همم الأدباء ، وبعض خمول فى نشاط الكتاب والشعراء . والقراء يطالبوننا كل يوم بمزيد من التحسن فى الموضوعات وفى الاخراج فى خضم هذه الصعاب المتلاطمة يسير المنهل يحاول ان يشق طريق التقدم بما أوتى من أيد وعزيمة..
ولكنه اذ يسير، يسير غير محتقب وسائل الذيوع الرخيصة، من تنابذ بالالقاب وتهاتر بالسباب .. انه لقد اختط لنفسه مبدأ ارفع من هذا
وأجل، منذ صدوره الى اليوم .. ويتمثل هذا المبدأ القويم، فى التزام خطة "الاعتدال" فى كل شيء فى الاستعراض الأدبي والاقتصادى والثقافي، وحتى فى النقد نفسه .. فما هذه النقدات السخيفة المسفة التى تنزل الى حضيض الشخصيات الا حمأة متعفنة تحمل فى طياتها كل وسائل الانحطاط والخذلان، وان المنتصر فيها منكسر على طول الخط وان خيل له وهمه المريض عكس ذلك..
وقد اقتبس المنهل من الصحافة الحديثة أمورا رأى أنها فى صالحه وصالح قرائه وصالح البلد والصحافة، وقد اقتبست منه صحافتنا بعض الأمور والأهداف، مما سيكشف عنه المؤرخ الحديث لصحافتنا السعودية حينما يكتب تاريخ هذه الصحافة .
وكان المنهل سابقا مجليا فى بعض المجالات .
فكان أول صحيفة وطنية حظيت بشرف مساهمة البيت المالك الكريم فى تحريرها .
وكان أول صحيفة افتتحت (باب الأحاديث) مع الكبار .
وكان أول صحيفة وطنية عنيت بأمر القصة نشرا لها ونشرا عنها .
وكان أول صحيفة وطنية فتحت (ميدان الاستفتاء) فى الموضوعات الحيوية أدبية كانت أو سياسية أو اقتصادية أو عمرانية أو ثقافية.
وكان أول صحيفة وطنية فتحت ندوة أدبية فى دارها واستقبلت علية القوم وأدباءهم فتحاوروا بها فى مختلف الشؤون وسجلت نصوص
محاوراتهم وعباراتهم فى أعداد متسلسلة معروفة من المنهل.. وقد ساهم فى هذه الندوة كبار القوم وأدباؤهم .
وكان أول صحيفة وطنية أصدرت أعدادا ممتازة فى موضوعات خاصة وكان أول صحيفة وطنية نشرت حوارا نقديا فكاهيا للأدباء .
وعالج المنهل عدة مشاكل اقتصادية وعمرانية واجتماعية وثقافية، فاصبح بذلك نبراسا للباحثين، وحديقة غناء للمستطلعين .
وقد عنى بالموضوعات الخارجية عناية مرموقة، تنويرا للأذهان .
كما عنى بالبحوث اللغوية والأثرية والتاريخية الخاصة بالبلاد عناية ملموسة وكان تحريره منسجما، ومصاحفوه (١) على نمط متقارب من التزام خطة الاعتدال ووزن الأمور .
ولم يكن فى البلاد حامل قلم الا وقد اجاله فى المنهل . وقد سبق المنهل غيره الى تشجيع الطلاب وصغار الكتاب بما فتح لهم من باب خاص يتداولون فيه آراءهم قبل خمسة عشر عاما .
وساهم فى نهضة البلاد وقام بالتوجيه والارشاد، وهو صاحب الفكرة الأولى فى انشاء (الجامعة السعودية) المرتقبة .. وغيرها وغيرها .
لقد ثبتت أقدام المنهل اذن، ولكن هذا الثبات كما قلنا ادبي اكثر منه ماديا، ولولا توفيق من الله تعالى مشكور، وعطف سابغ من لدن جلالة الملك المفدى (عبد العزيز آل سعود) ايده الله، وبر سابغ من
سمو ولى عهده سعود هذه البلاد الامير (سعود) ورعاية نبيلة من سمو نائبه المحبوب الامير الفيصل (فيصل): وتشجيع ميمون من سمو نجله أمير الشباب الناهض ، الأمير (عبد الله الفيصل) وزير الداخلية والصحة ثم مساعدات مرموقة من أصحاب السمو أمراء البيت المالك؛ ومن رجالات حكومة جلالته وفى طليعتهم معالي وزير المالية الشيخ عبد الله السليمان، وفضيلة العلامة التقدمي الكبير الشيخ محمد بن مانع مدير المعارف العام، ومساهمة مشكورة من رجالات الفكر والقلم بالبلاد لولا ذلك كله لما كان للمنهل ان يوظب على المسير .
فالى الله جل وعلا نبتهل ان يوطد عرش مليكنا المفدى، وان يحفظ له أنجاله نجوم العلا؛ وأن يبقيه مؤيدا منصورا حتى ترتفع مملكته الفتية الى الذرى، وحتى تشئو الكثير من ممالك الدنيا، نهضة وشموخا، وقوة ورسوخا، وعلما وعملا، وبأسا وحولا .
