من المعلوم انه ما جاء الانبياء والرسل الى هذه الدنيا الا ليكونوا واسطة التعارف بين العبد والرب ، ووسيلة لاصلاح البشر وهدايتهم الى اقوم الطرق المؤدية لعمران الكون ، ورفع راية السلام بين الامم ، عن طريق تلك المعرفة التى يمكنونها فى قلوب العباد نحو فاطر الارض والسموات . ولولا هذه المعرفة ولولا العلم اليقينى بالله لما امكن للنفوس ان تخضع وتنقاد لما جاء به الرسل من كتب منزلة وتعاليم مقدسة .
ولولا تطرق الشك الى بعض النفوس لما كان على وجه البسيطة ما يعكر الصفو ، ويجلب الشرور والآثام والبؤس والشقاء !
فمعرفة الله شرط اساسى فى كمال الايمان . وركن مهم من اركان التقوى واكبر عامل من عوامل السعادة في الدارين . اذ الايمان لا يكمل الا بالمعرفة والمعرفة تسبب التقوى وعلى قدر المعرفة تكون المراقبة . وكلما تأكدت المعرفة زاد الخوف . ومتى حصلت المراقبة والخوف امتنع الانسان عن المعاصى واقبل على الطاعات ، وسلم الناس من يده ولسانه . واذا ارسلنا نظرة الى حالنا نحن المسلمين اليوم واردنا ان نقارن بين ما كان
عليه سلفنا الصالح من عز وعظمة وما انتهينا إليه من ضعة وهوان لوجدنا البون شاسعا والسر فى ذلك يرجع الى قلة معرفتنا لله وعدم مراقبتنا له سبحانه وتعالى في جميع الحركات والاوامر والمنهيات
فكلنا نؤمن بالله ولليوم الاخر ، ولكنا لا نتصور مبلغ اطلاعه سبحانه على كل صغيرة وكبيرة من امرنا ، ولا نعبأ بقوله : ( يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور ) ولا نحاذر مغبة العرض عليه فى ذلك اليوم العسير . والا فما كان لنا ان نستتر عن اعين الناس عند ارتكاب المعاصى والمنهبات ، ولا نخجل من رؤية الله لنا ونحن على تلك الحال ، وهو الذى يرانا من حيث لانراه وكأنما يعنينا بقوله ( أتخشونهم فالله احق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين )
فما علينا اذا اردنا ان ننهض من كبوتنا ونعتز فى دنيانا ونسعد فى آخرتنا الا أن نعمل على زيادة التعرف بالله ، والتدبر فى آياته وآلائه وبدائع مخلوقاته ليقوى بذلك ايماننا ، وتعظم ثقتنا ، ويشتد يقيننا ، فيزيد حياؤنا ، ونستطيع ان نغالب نفوسنا ، ونقضي على شهواتها ونعلم انه لن يصبنا الا ما كتب الله لنا فلا نبتغي غير رضاه ، ولا نراقب من دونه ، ولا نخشى احدا سواه . وبهذا تستقيم أمورنا ، وتصلح احوالنا ، ونلتذ فى حياتنا ، ونكون بحق كمن قال : -
هو الله فى كل الأمور وجدته معينا ، ومن ألطافه قد عرفته
فاصبحت أرجوا الفضل أبى أردته ارتقبه فى كل شئ رأيته
وادعموه سرا باطنا فيجيب
سميع قريب فى الملمات ناصرى هو الاصل فى القوات رب الجواهر
ابحت له نفسى واشغلت خاطرى ملأت به قلبي وسمعي وناظرى
وكلى واجزائى فكيف يغيب
وفوق هذا فان حصول المعرفة الصحيحة فى القلب مما يدعو الى تخفيف
المصائب على النفس ، وتلقي القضاء بكثير من الغبطة والرخاء فى غير ما ضجر ولا شكوى على حد قول الشاعر :
اذا ما رأيت الله للكل صانعا رأيت جميع الكائنات ملاحا
وقول اخر ويمنعى الشكوى الى الناس انني عليل ، ومن أشكوا اليه عليل ويمنعى الشكوى الى الله أنه عليم بما اشكوه قبل اقول مكة المكرمة

