معركة أحد

Share

- ١ -

(( ذكريات المجد تثير فى النفوس الطموح الي المجد . ومعركة أحد هي احدى هذه الذكريات اللامعة ، لما لها من أثر بارز فى توطيد سركر الاسلام ازاء هاتيك العوامل المزعزعة التى احاطت ببنيانه فى تلك الظروف القاسية . والقراء اليوم يتطلعون الى بحث يجلو لهم حقيقة هذه المعركة ويصورها تصويرا عسكريا صحيحا ، يجعلهم كأنما يشاهدون حوادثها المريعة على شاشة التاريخ الناصعة من كثب ولذا استعنت بالله على كتابة هذا البحث مسترشدا بهدايته وتوفيقه ))                     ( المحرر )

بواعث هذه المعركة

لا جرم أن انتصار المسلمين الباهر فى غزوة بدر ، كان احدى العوامل الفعالة لاثارة نار هذه الحرب الشعواء ، فقد قتل المسلمون ببدر ، عشرات من أكابر قريش وصناديدهم ، واسروا الجم الغفير من رجالاتهم ، وكسروا الجمع الوفير من مقاتلتهم . فباءت قريش ، منذ ذلك الحين بالفشل الذريع ، وهوت سمعتها اللامعة إلى الحضيض ، وشالت كفتها من حيث رجحت كفة أهل هذا الدين الجديد ، فهؤلاء هم ينتصرون انتصارا باهرا على قريش في أول ملحمة تنشب بينهم وبينها . فلا غرو أن تهتز قلوب قريش وان تبلغ قلوبهم الحناجر من الهلع ، فانهم لم يرتدوا خزى الاندحار فحسب ، بل منوا بفقد زهرة رجالهم ؛ وطحنتهم رحى

معركة بدر ، وأوجدت في قلوبهم الغل القاتل ، وساءت حلتهم المادية حينما شعروا بان أهل هذا الدين الجديد بدأوا يرسمون لهم خطة جديدة سيكون لها أثرها البالغ فى القضاء على تجارة قريش ، واخماد قبس عظمتها . فقد استوطن المسلمون المدينة واتخذوا منها عرينا حصينا يصدون منه كل من يحاول من قريش الاتجار إلى الشام . وهند زوج أبى سفيان القرشية الصندية الموتورة فى ابيها واخيها وعمها وابنها المقتولين يوم بدر تفتل حبائلها وتنفث عقدها لازدياد ايغار الصدور ، فما تنفك تثير كوامن الحقد والانتقام فى زوجها المحنك . . . واذن فلا مناص لقريش - وقد تضافرت العوامل المغرية العنيفة - من عمل حاسم ، يعيد المياه إلى مجاريها ، ويرجع لقريش المنكوبة زعامتها وتجارتها ، فليبادروا إذن إلى تجريد حملة هائلة إلى المدينة (( حصن الاسلام )) ليمتشقوا الحسام ، وليشهروا الحرب العوان ، على المسلمون فى عقر دارهم ، فأما أن يفضوا عليهم القضاء المبرم ، أو يقضى عليهم هم القضاء المبرم . . . وهكذا صممت قريش جمعاء أن تجعل من حملتها المزمع تجريدها ، معركة فاصلة تحصد رحاها الضخمة دولة المسلمين حصدا ما بعده قيام ، وتخمد نهضتهم اخمادا ما بعده اشتعال .

وضاعف من عزيمة قريش بامر هذه المعركة أنهم بدأوا يشعرون بشبح الضغط الاسلامى الهائل الذى بدأت غيومه تخيم فى الجانب الشرقي من الجزيرة ؛ بعد ما اناخ بكلكله في شمالها . وبيان ذلك أن قريشا بعد انهزامهم ببدر أجمعوا على تحويل طريقهم التجارية من الشام إلى العراق ؛ فسيروا قافلة كبيرة من مكة فى أواسط العام الثالث للهجرة النبوية ، يصحبها مسعر الحروب أبو سفيان بن حرب ، وصفوان بن أمية ، وحويطب بن أبى العزي من تجار قريش ، تريد هذه القافلة جلب المؤنة والتجارة من العراق ؛ وكان معها فضة كثيرة وأموال وافرة ، وسليك الطريق النجدية آمنة مطمئنة لا تخاف دركا ولا تخشى ، حتى إذا كانت عند ماء الكدر بنجدها هاجمتها سرية زيد بن حارثة التى

بعثها الرسول صلى الله عليه وسلم لملاقاتها ، ففر حماة القافلة وفى طليعتهم أبو سفيان ؛ واستولى المسلمون على القافلة غنيمة باردة شهية . فهذه الحادثة المنيرة لا نشك فى أنها قد كان لها اثرها الملموس فى استعجال حملة قريش ومعركة أحد . فقد طغت على إثرها الوساوس على أفئدة قريش من جديد ، وأبو سفيان بن حرب رجل الحرب ؛ والمكيدة والدهاء . وما كان ليقدم على تجريد هذه الحملة الأجماعية من دون ان يسير غور المدينة وحالة حماتها عملا بالنظام الحربى . ولهذا فكر أبو سفيان بعد معركة بدر ببضعة أشهر فى ارتباد المدينة مستكشفا ، فغادر مكة إذ ذاك مستصحبا بعض رجاله قاصدا المدينة ، متخفيا ، فنزل فى بنى النضير من اليهود ، وعقد معهم حلفا عسكريا يضمن لهم تأييدهم إذا دارت الملحمة . بينه وبين محمد صلى الله عليه وسلم فى يوم من الايام وعاد إلى مكة مستبشرا متفائلا .

حركة قريش الى المدينة وطريقهم اليها

وعناية من قريش بهذه الحملة لم تكتف بنفسها ؛ بل ضمت اليها من يوائمها فى الفكرة بطرق الدعاوة المثيرة ؛ وهكذا استطاعت أن تجهز ( ٣٠٠٠ ) مقاتل ، يقسمهم المؤرخون هكذا : -

١  - جيش مكة الاهلى المعروف بالاحابيش ٢  - سكان مكة من قريش ٣  - بنى كنانة واحلافها ٤  - قبائل تهامة واحلافها

وكان مع هذا الجيش اللجب المتحد ٧٠٠ دارع ، وعدد لا يستهان به من الخيل والابل والسلاح العتاد الحربي .

وارادت قريش أن تفهم رجالها أن حركتها الآن أستقتالية نهائية فاستصحب كبراؤها نساءهم ، يذكر التاريخ في طليعتهن هند بنت عتبة زوج أبى سفيان صاحبة

الاثر الكبير المستتر في أثارة هذه الجموع ، وغيرها من كبريات النساء ونساء الاكابر . . .

وخرج ابو سفيان يقود جيشه المتحد اللجب متجها صوب المدينة ، ونرى انه سار فى الطريق النجدى الذى سلكه من قبل ، يوم قام بريادته لمعنوية المدينة فى اخريات عام بدر . ووصلت قريش الى منطقة جبل أحد يوم ١٣ شوال سنة ٣ ه ، فوزع ابو سفيان جنوده توزيعا عسكريا منظما سنوضحه عندما نبلغ بالقارئ حديث التعبئة لجيش قريش وجيش المسلمين معا .

نبأ الحملة يصل الى الرسول صلى الله عليه وسلم

ونرى - بناء على المصادر التى بين ايدينا انه ما كان ليخفي على الرسول صلى الله عليه وسلم أمر هذه الحملة ، للأسباب الآتية : -

١ - انه صلى الله عليه وسلم كان يقظا دائما لحركات العدو ٢ - انه كان على صلة ببنى هاشم وفي مقدمتهم عمه العباس ٣ - ان من دأب بلاد العرب تسرب الاخبار الى أطرافها بعملية تناقل الاخبار الشفوى المتسلسل

النبى يستشير أصحابه

وأستشار الرسول صحابته فى مسجده ، حينما تحقق حركة قريش وقدومهم أيخرج بهم من المدينة الى أحد ؟ أم يظل بهم فيها مدافعين ومتي أزمعت قريش اقتحامها دمر وهم ، وان ظلوا في معسكرهم حاق بهم الجوع وتناقصت أقواتهم علف دوابهم فيضطرون أما للانسحاب أو الاستسلام ؟ !

وحصل اختلاف في الآراء ، كما هو شأن الناس فى مثل هذه المسائل الخطيرة ، وكان رأى النبى وبعض أصحابه ينضم اليهم المنافقون التحصن بالمدينة البقية على الصفحة ٨٠

بقية معركة احد المنشور على الصفحة ٧٧

واتخاذ خطة الدفاع بدلا من خطة الهجوم ، أما اهل الفتوة من شباب المسلمين فكان رأيهم الخروج لاظهار عزة الاسلام ولاستعجال نصر التوحيد على الشرك ولضمان دخولهم فى المعارك الحربية ، وكان حوار طويل عريض بين حزب الخروج وحزب البقاء كانت نتيجته ان دخل الرسول عليه السلام داره ولبس لامته الحربية وهى درعان ومغفر ، وخرج على الصحابة فى شكل حربى رائع فراوده بعضهم على الاقامة فقال قولته الخالدة التى ينبثق منها نور الحنكة واصالة الرأى ويتلألأ من ثناياها اسمى معانى البطولة ، واروع آيات التضحية والاقدام وتلك هى قوله : ( ما ينبغى لنبى إذا لبس لامته ان يضعها حتى يقاتل )

وفى مساء يوم الجمعة الموافق ١٤ شوال سنة ٣ ه خرج الرسول عليه السلام من المدينة الى أحد بجيشه البالغ ( ١٠٠٠ ) مقاتل سالكا حرة واقم حتى اذا كان عند الشوط اعتزل عنه ٣٠٠ محارب من المنافقين على رأسهم عبد الله بن ابي ، فتنازل ماجيش الى ٧٠٠ مقاتل كانوا كلهم مشاة ، فمضى بهم الى أحد حتى بلغ الشيخين فعرضهم هناك ثم اتجه الى أحد حيث سيدور القتال ، وهكذا وصل النبى صلى الله عليه وسلم ببقية جنده الى سفح هذا الجبل يحدوهم الامل ويقدمهم الطموح . ( للبحث صلة )                   المدينة المنورة

اشترك في نشرتنا البريدية