مقابلة بين أثر بدر و أثر احد
إذا وضعنا أثر غزوة بدر فى قريش ، بكفة ، ووضعنا فى الكفة الأخرى أثر غزوة أحد فى المسلمين ؛ رجح تأثر قريش ببدر على تأثر المسلمين بأحد ، وبيان ذلك ان المسلمين قتلوا من قريش يوم بدر (٧٠) رجلا من أسودهم ، وأسروا منهم (٧٠) من أبطالهم ورؤسائهم ، وغنموا اسلابا كثيرا وأموالا طائلة ولم يفقدوا من جيشهم سوى (٨) نفر أكرمهم الله بالشهادة ، أما فى أحد فإن قريشا قتلت من رجالات الاسلام (٧٠) فقط ، ولم يأسروا أحدًا منهم ، كما أن المسلمين فتكوا بأربعة وعشرين من رجال قريش فى هذه الموقعة ، وهذا إذا عددنا فى جملتهم ابى بن خلف قتيل النبى صلى الله عليه وسلم الذى قضى نحبه راجعا إلى مكة من أثر طعنة الرسول له .
وعلى هذه المقارنة الحربية فان لقريش ان تعتقد بعدم نجاح حملتها فى غزوة أحد ذلك النجاح الذى يوازي المجهودات العنيفة ، والاستعدادات الهائلة والمراحل الطويلة التى اجتازتها إلى المدينة . ثم انك إذا اتتبعت مراحل معركة بدر تجدها انهزاما لقريش على طول الخط ، واذا تتبعت مراحل أحد تجدها سجالا بينهم وبين المسلمين ففي أول المعركة انتصر المسلمون ، وانهزموا فى وسطها ، وثبوا إلى مراكزهم فى آخرها ، واستبسلوا بعدها وتعقبوا عدوهم إلى مسافة شاسعة طالبين النزال والفصل الأخير .
هذا رأي نبديه اليوم على ضوء المعلومات التاريخية المدونة ، وانا لم أر
أحدًا من المؤرخين أو الكتاب الذين سبقونا إلى التحدث عن غزوة أحد عرض لهذه المقارنة الحربية وتلك منة نحمد الله على التوفيق اليها .
القرآن يصف المعركة بدقة . أما الشعر فيتغنى بها
ومن أهمية غزوة أحد وخطورة شأنها ، خصص الله تعالى (٦٠) آية من آي الذكر الحكيم فى سورة عمران لوصف هذه المعركة ، وتبيان تطورها ومقدماتها و نتائجها ، وتأثيراتها المختلفة ، وأوضاعها ، وآثارها ، وكان مدى هذا الوصف القرآني الحكيم الدقة التامة وكانت لحمته الجلى اسداء العظات البالغة وفتح طريق النجاح والفوز للمسلمين فى المعارك القادمة ، بايضاح مواضع اخطائهم لهم ، تلك الاخطاء التى كانت سبب ابتلائهم بالهزيمة . أما الشعر فقد ذهب في وصف المعركة مذهبه الخاص المشحون بالخيال والعواطف المختلفة .
وبعث الحماسة فى الصدور خصوصا من الجانب القرشي ، والشعر هو الشعور الذي يتأثر بالدوافع الشخصية والشعبية ، وهو لهذا يضفي ثوب التضخيم والتهوين على ما يصفه تبعا لرغبة الشاعر وميلا مع ريح هواه ونزعاته . والمؤرخ الحصيف يلاحظ في اشعار قريش أثر هذه الغزوة انهم كانوا مملوئين بالفرح والغبطة مزدهين بالغلبة والفوز ، وهذا فى الحقيقة أثر من آثار تهويلهم ، على أنهم وان لم يدحروا جيش الاسلام كما يرومون ، وان لم يقضوا على النبى وصحابه كما ينشدون ، فانهم قد بلغوا منهم بعض النكاية بمن قتلوهم من أبطال الاسلام في هذه المعركة ، وناهيك بقتل سيد الشهداء والتمثيل به وبكثير من ليوث المسلمين . بهذا تأثر شعراء قريش ، ولهذا اطنبوا اطنابا خياليا أظهر لهم المستقبل انه أجوف في وصف قوتهم ، ومنعتهم وقضائهم على ليوث الاسلام . أما شعراء الجانب الاسلامي فان دينهم المتين كان ينير لهم السبيل فيمنعهم ذلك من التبحبح بغير الواقع ، ولذا كانوا في قصائدهم الواصفة لهذه الغزوة ولآثارها مدافعين اكثر مما كانوا مهاجمين ، فهم يذكرون قريشا بان الحرب سجال ، وان عزة الاسلام باقية ،
وان هذه الحادثة لم تهدم اركانه ، ولم تقوض بنيانه ، فالنبي صلى الله عليه وسلم حي يرزق وكثير من اصحابه أحياء وهؤلاء كلهم هم الحماة الذين يقومون بتبليغ الاسلام والذب عن حياضه حتى يعم الخافقين ، وقد حقق الله احلامهم وابطال الملحمة الشعرية ، بعد الملحمة الحربية من جهة قريش هم :
(١) عبد الله بن الزبعرى ، وهو القائد المتطاول (٢) هبيرة المخزومي (٣) هند بنت عتبة (٤) ضرار بن الخطاب الفهرى (٥) عكرمة بن أبي جهل (٦) الاعشى بن زرارة التميمي (٧) عمرو بن العاص (٨) ابو سفيان بن حرب .
أما ابطال الملحمة الشعرية من ناحية المسلمين فهم : (١) حسان بن ثابت وهو القائد المدافع اللبق (٢) كعب بن مالك (٣) الحجاج بن علاط السلمي (٤) عبد الله بن رواحة (٥) على بن ابي طالب (٦) صفية بنت عبد المطلب (٧) نعم بنت سعيد (٨) ابو الحكم بن سعيد اخو نعم .
وهكذا اتفق ان كان عدد ابطال الملحمة الشعرية في الفريقين المتناضلين متساويا . ثمانية مقابل ثمانية . فلمن كان النصر ؟ وعلى من كانت الهزيمة ؟ لا نرتاب فى أن قصائد عبد الله بن الزبعرى قد دوت اصداؤها فى أودية قريش ومن كان على معتقدهم ، وكان لها اثرها البالغ في سد كثير من ثلم هروبهم واستعجالهم اللحاق بمكة ، وكان لها ضلع في تجسيم انتصار قريش عند مناصري فكرة قريش وعقيدتهم ، وعند مناوئي الاسلام وعقيدته ، ولكن هذا الاثر القوى الذي أوجدته قوة شاعرية ابن الزبعرى قد خفف من حدته ؛ وأضعف من قوته قصائد حسان بن ثابت العصماء ، فان له من الشهرة في عالم الشعر ، وله من قوة العارضة البيانية فى شعره عامة وشعره الاسلامي خاصة لانه أشرق بنور الاسلام ما جعله المقدم المنصور على جميع من ينابذهم من الشعراء ومن هؤلاء الشعراء الذين قضى على تأثيرهم عبد الله بن الزبعري نفسه والعربى الذي يقرأ افتتاح احدى قصائد حسان التى وجهها إلى ابن الزبعرى اجابة له على
قصيدة من لونها ووزنها وقافيتها - ان العربى الذى يقرأ قوله له في مستهل تلك القصيدة :
يشعر بالتهكم اللاذع ، والسخرية القاتلة ، والتجهيل الصادم ، ما يقوم عنده أعظم برهان على استعلاء شعر حسان على شعر ابن الزبعري وتفوقه عليه تفوقًا باهرًا ، وحسان فوق ذلك يروي حديث الملائكة وينشر أعلام ذكريات بدر بنصرة الرسول بجبريل وهو يكبت بذلك شعراء المشركين لما لهذه المعاني ولهذه الجمل من الأثر الهائل فى قلوبهم الواجفة من انتشار الاسلام فى مستقبل قريب أو بعيد .
أما المحنكون من قريش وأما قادتهم وذوو الرأى منهم ، وأهل الخبرة منهم فانهم قد ادركوا ان السياسة العظيمة التى بنو عليها غزوتهم فى مكة قد فشلت ، وتلك هي القضاء على الإسلام بالمرة ودك حصونه وتبديد أهليه وابادتهم من الوجود (١) ، وانت تدرك حقيقة فهمهم لوصولهم لهذه النتيجة الفاشلة من قول ابي سفيان بن حرب بعد انتهاء المعركة : " يوم بيوم بدر " فقد اكتفى اذن بان قريشًا انتقمت لقتلاها يوم بدر بقتلى المسلمين يوم أحد ، فلا ابادة للاسلام ولا تحطيم اذن ، ومن ذا يطيق تحطيم الاسلام من البرايا وهو نور الله والله متم نوره ولو كره الكافرون .
( تم البحث )
( ١ ) تدرك هذه السياسة التى بنت عليها قريش غزوة أحد من قول قائدهم الأعلى ابي سفيان فى أبيات له يخاطبهم بها :
آليت لا اقرب النساء ولا يمس رأسى وجلدى الغسل
حتى تبيدوا قبائل الاوس والخز رج ان الفؤاد مشتعل

