معركة البناء التى تخوض هذه البلاد .
غمارها اليوم في عزم وتصميم . هى معركة ذات طابع سلمى فريد في بابه . وهى - لذلك - بحاجة الى طاقات زاخرة متجددة من حسن التخطيط والاخلاص والثبات والاقدام . انها معركة الحياة الحافلة بالامجاد المزدهرة المنصاعدة ان شاء الله .
وللنجاح في معركتنا هذه يجب علينا قبل كل شئ ان نعتمد على الله جل وعلا في انجاح ما نتوخاه من تقدم ورقى ، وان نشحذ اذهاننا ونجعل عزائمنا فى مستوى معركتنا هذه الكبيرة الحاسمة .
ان علينا ان نميز النافع من التافه وغير المهم . وأن نقدم الاهم على المهم . والانفع على النافع . استعجالا لبلوغنا الاهداف المثلى وطيا للزمن . . ولحوقا بالركب الذى فاتنا من قبل .
وعلينا أن لا تعوقفنا العقبات المرصوصة في طريق سيرنا الى الامام . وأن نعرض عن المثبطين والمثبطات . ونتجه قدما ودائما الى قدام . محتفلين بمنجزاتنا الحديثة .
ومحافظين على تراثنا الخالد . . لنأمن شر العثرات والنكسات . ولنتقى اذى الهوات .
وهكذا حتى يصل بنا المطاف الى القمة المنشودة بسلام .
وعلى قدر أهل العزم تأتى العزائم . وهذه البلاد . بلاد المعجزات والمدهشات . . كانت قبل الرسالة المحمدية في مؤخرة الركب ،
وقفزت بها في مقدمة الركب ، واضاء نورها المتوهج طيلة العصر الذهبى للاسلام . بلاد الاندلس التى تسرب منها النور الى اوروبا الخاملة الخامدة اذ ذاك . . فصحت من سبات عميق .
وكان ان مضت قرون بعد ذلك ، ساد التأخر وعم التناحر ارجاء هذه البلاد المتحدة . . فتفرق شملها وتمزق كيانها ، وانكر الاخ أخاه ، وتنافر الجار مع جاره ، واستبيحت الدماء وعمت الفوضى الحاضرة والبادية ، وهكذا حتى قيض الله لها الملك المسدد المنقذ (( عبد العزيز آل سعود )) رحمه الله ، فوحد الشمل الممزق ، وقام بانشاء الدولة الموحدة في مهد بلاد العرب .
وهكذا كان جلالته بحق من مجددى القرن الهجرى الرابع عشر ومن زعماء الاصلاح اللامعين فيه .
ومن المدهش ان جلالته قد خاض معركة الانشاء )) فى اقسى ظروف الفوضى بمفرده . ووفق الله جهوده وبارك فيها حتى كون هذه (( المملكة العربية السعودية )) . .
وجاء عهد ملكينا المفدى (( فيصل بن عبد العزيز )) فخاض بنا جلالته (( معركة البناء )) بهمة شامخة وبعبقرية فذة . لا يتطرق اليها الوهن . ولا يعتريها الملل . ولا تقف فى طريقها العقبات ولا يؤثر عليها مختلف
اتجاهات الرياح التى تهب اعاصيرها على عالم اليوم .
ان جلالته يسعى بريادة (( القائد الرائد )) الحكيم ليبنى لنا حياة حافلة وعزة قعساء .
ومجدا تندك دونه أعناق الابل . . مع المحافظة على تعاليم الدين الاسلامى والاستهداء بضيائه الوهاج . .
ومن ابرز معالم البناء في هذه البلاد ، بناء الحقل الصناعى حيث تشاد الكليات والمعاهد والمدارس ، وتبنى دور الطبع ، والمصانع .
وقل كذلك في بناء مدارس العلم بما فيها الجامعات والكليات والمعاهد . . الى ابتعاث عشرات الخريجين في مختلف فنون المعرفة والعلم والثقافة الى شتى انحاء العالم .
وان ننس لا ننس ما يسكب من ملايين الريالات في سبيل بناء مشروعات الانتاج والاصلاح والتنظيم والتنمية الاجتماعية والاقتصادية والادارية . .
وهذه مدننا التى اكل الدهر على شوارعها ومبانيها وشرب ، نراها اليوم ، تجدد وتجلى للناظرين والآهلين كالعرائس المجلوة على المنصات . وها هى ذى شوارعها التى كانت ملتوية تتبرم من الضيق والظلمة والاوساخ اصبحت فيحاء تضاء بالكبرياء ، وتبلط بالاسفلت الذى يجعلها كبساط حرير . . وباطرافها تفرش الاشجار وتفتح الميادين حتى يصير ( ليل المدينة ) كنهارها ألقا وجمالا .
ولتأمين المواصلات نرى الطرق تشق في السهول والسهوب والجبال ، ولا يكتفى بشقها وتوسعتها بل تفوش بمادة الاسفلت الناعمة المريحة لسير السيارات . .
كما نشاهد التجدد وقد شمل حياة الريف والبادية في عمرانهما وزراعتهما ومياههما .
فان مشروعات الرى لها مكان فى الميزانية العامة للدولة .
وفي الضمان الاجتماعى نعمة مكفولة للايامى واليتامى والعاجزين والشيوخ من الجنسين والتعليم قد شمل الجنسين ايضا . وتنظيم الادارات الحكومية سائر على قدم وساق .
والاعلام سائر فى خطواته التقدمية الملموسة الى الامام . . فها نحن أولاء الآن على ابواب افتتاح محطة (( المرناء )) - التلفزيون - في مدينة جدة . ومحطتا الاذاعة بجدة والرياض لقد دعمتا فصارت اصواتهما تسمع في اقصى المعمورة .
حقا اننا في (( ملحمة بناء )) سلمية شائقة ، يغبطنا العالم عليها ويرمقنا من اجلها ، من قريب ومن بعيد . ولربما تكون (( سفينة النجاة )) لما يضطرب فيه العالم اليوم من اضطرابات وانفجارات . . اذ تكون دولتنا القدوة الحسنة للدولة المثالية المنشودة وللمدنية الفاضلة المتكاملة .
والسر في ذلك حسن التوفيق بين تعاليم الاسلام ، وتقاليد العروبة النابعة من الاسلام ، وبين معالم الحضارة الحديثة في اهم مظاهرها واحفل مخابرها بالافادة والنهوض والامتاع .
ولا نريد ان يفوتنا - بالمناسبة - العروج على رابطة العالم الاسلامى ونشاطها الايجابى الحديث فى التوعية ، ممثلا فى مؤتمرها الاسلامى الكبير الذى هو على وشك الانعقاد في بلد الله الامين . . حيث يعاد صولجان الريادة الاسلامية الى نصابه . فتكون فيه البركة والخير والنماء والحراسة الادبية الناجحة للاسلام .
والرعاية الاجتماعية الكافلة للمسلمين فى مشارق الارض ومغاربها . . مما يجعلنا نعتقد بان الله اراد اخيرا لهذه الاهة الاسلامية اذ قيض لها حكومة مسلمة عربية راشدة , تسعى بحكمة وروية للم الشمل المتفرق ، وتجديد معالم الوحدة الاسلامية التى هى سياج المسلمين ، وحصنهم الحصين .
((واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا )) .
وبعد فاننا في قلب هذه المعركة السلمية - كما قلت فى مقال افتتاحى سابق - أشبه براكب الطائرة النفاثة ، لا يشعر بمدى سرعتها الخارقة وهو مستقر في جوفها . .
اما الذين يشاهدونها من الخارج فتبهر انظارهم تلك السرعة الصوتية الهائلة . .
فاللهم ايد (( الفيصل )) العظيم ، واجعل
معونتك الحسنى له مدددا ، وابقه ذخرا حتى نفوز ويفوز العالم العربى والاسلامى معنا على يديه بالنصر المؤزر في (( معركة البناء )) التى يقود مواكبنا فيها قيادة محنكة ، حكيمة متزنة حثيثة . . وحتى تشهد الاجيال المقبلة وتذوق ثمار معركته البنائية السلمية العظيمة الظافرة . . كما شهدنا وشهد العالم معنا ثمار (( معركة الانشاء )) الظافرة التى حققها والده المبرور مؤسس هذه المملكة الفتية .
(( ومن يشابه أبه فما ظلم ) كما يقول الشاعر العربى الحكيم . وهذه البلاد بالنسبة للعالم العربى والاسلامى هى القلب . . واذا صلح القلب صلح الجسد كله كما ورد فى حديث نبوى صحيح .

