- ١ -
من المكتبة الصغيرة التى تصدرها مؤسسة الطباعة والصحافة والنشر في جدة ظهر العدد الاول ، وموضوعه " توثيق الارتباط بالتراث العربي ، ومؤلفه هو الأديب العربى الكبير الاستاذ عبد العزيز الرفاعى الذي قرأنا . نقرأ له أروع الفصول والدراسات الادبية فى مختلف الصحف والمجلات ، الى قصائده الجميلة المشرقة الغنية بروحها الغنائى ، وخيالها المتوثب وفكرها الجديد الذي يتابع الحياة ويسير معها ، وكأنه قطعة حية منها .
وعبد العزيز الرفاعي من خير أدباء الجزيرة العربية وشعرائها ، واسلوبه ينم عن شخصية مبدعة مجددة ، تتخذ من البلاغة الادبية ، بكل خصائصها وقيمها ، منطلقا فسيحا إلى التعبير والتصوير والتأثير
- ٢ -
والكتاب يضم بين دفتيه المحاضرة التي ألقاها الرفاعي في مؤتمر الادباء العرب السابع الذي انعقد فى بغداد في الثاني من صفر عام ١٣٨٩ ه - التاسع عشر من ابريل عام ١٩٦٩م – وكان موضوع التراث احد الموضوعات الرئيسية فى المؤتمر
وكان بحث الرفاعى هذا أحد البحوث التى نشرتها هيئة المؤتمر وأذاعتها
ثم طبع فى سلسلة المكتبة الصغيرة بمقدمة رائعة لكاتب هذا البحث الأستاذ عبد العزيز الرفاعى ، وفي تواضع جم يقدم الباحث الاستاذ الرفاعي موضوعه فيقول : لا ازعم ان المحاضرة كانت من الأهمية بحيث حفز من أمرها لطباعتها من جديد ، كلا فأنا أول من يعرف ابعادها ، ولكني طبعتها بحافز طرح الفكرة للناس للنقاش على صعيد أوسع مدى ونطاقا .
ويذكر الرفاعى أن التراث العربي ، وان كان أوسع مدى ، إلا انه قصره على التراث الادبي مراعاة للمناخ الذي ألقيت هذه المحاضرة فيه ، وهو مناخ مؤتمر الادباء .
ويدعو فى صدق الى جمع ما ألقى فى المؤتمر من بحوث عن التراث في كتاب واحد ، يكون في نشره جمع لمختلف الآراء والافكار التى قيلت عن التراث في أروقة المؤتمر وهي فكرة جليلة لها أهميتها .
ويشير في المقدمة الى اهمية التراث وبحثه لأنه موضوع حيوى ، ووثيق الصلة بالظروف العصيبة التى تجتازها الامة العربية ، خاصة فيما بعد حزيران ١٩٦٧ .
وتزداد اهمية التراث في بلد تراثي تصدر عنه ، وتأخذ منه ، وتستمد قوانينها
من شريعته ، وتأخذ من القديم والجديد معا ، مستمسكة بعروة المحبة والسلام ، كما يذكر ذلك المؤلف .
-٣-
والموضوع هو ولا ريب موضوع الساعة ، موضوع قديم جديد معاً ، طريف تليد كذلك .
والبحث بحيويته وجدته واشراقيته ممتع غاية الامتاع ، مفيد أقصى حدود الفائدة ، فالتراث صنع به اعداؤنا النصر ، وقاموا على وهم أرض ، وبقايا لغة ، وقصة كتاب ، وصنعوا لانفسهم تراثا ، فصنعهم هذا التراث ، ان كان تراثاً مزعوما .
وللاسرائيليين موقف قديم من تراثنا تمثل فى الاسرائيليات القديمة ، وموقف حديث منه تمثل فيما بعثوه فى نفوس طائفة كبيرة من شبابنا ومثقفينا من بغض الترات وازدرائه والحقد عليه ، ويبدع الكاتب فى ذلك وفى ذكر أطراف من هذه المؤامرات القديمة والجديدة علينا وعلى تراثنا .
ويقول الاستاذ الرفاعى ان اللغة العربية وهي الركيزة الاولى للتراث قد حاربها خصومنا حربا شعواء ، جاهدين من أجل تحويل لغتنا الشاعرة فى أعيننا إلى لغة شوهاء عرجاء قاصرة ، وهذا اصدق وصف لمعركة الادب اليوم.
وهو ينفي دعوة تجميد التراث لانه تجميد للامة ذاتها ، نفيه لدعوة تشويه اللغة العربية وبيانها الجليل وأدبها المبدع .
وهو يؤكد ايجابية التراث العربي وفعاليته ولقد ظل العقل العربي يطل على حاضره ومستقبله بوجه عربي واحد ، واتخذ مواقف ايجابية كثيرة فى الماضى والحاضر ، فوسع فى القديم فلسفة الامم القديمة كمها وعلومها وتجاربها وابداع ما انتجه الفكر فيها
ثم هو فى الحديث يصوغ مدرسة ادب الهجر التى تطل بوجهها العربى الاصيل فى بيئة اعجمية اللسان ، مبلبلة البيان .
ويدعو الكاتب دعوة حارة فى الكتاب الى توثيق الاديب بتراثه بمختلف جوانب التوثيق وصوره ، وبكل طاقاته وامكاناته .
وفي آخر الكتاب يؤكد صلة التراث بالمعركة ، معركة المصير والنضال المشترك ، الذي يوحد غاية العرب جميعا ، فى الدفاع عن ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم
- ٤ -
ان ما كتبه الاستاذ عبد العزيز الرفاعي كان تعبيرا جديدا كل الجدة عن الفكر العربى المعاصر ، وعن كل ما يدور الادب المعاصر حوله اليوم فى مختلف بلاد العرب .
وفي ايجاز شديد ، وفي صراحة ووضوح تامين ، ومن منطلق فكرى عميق جسيم الكاتب المشكلة الفكرية والادبية التى يعيشها العرب اليوم ، والتي يجب ان تحل ليخوضوا المعركة المصيرية فى خطى قوية تسير بهم الى النصر
لقد قرأت فصولا كثيرة كتبت في تمجيد التراث ، ولكنى اشهد ان ما قرأته للرفاعى اليوم كان جديدا كل الجدة ، ومخالفا لكل ما دارت الكتابة حوله من افكار ، وكان انتقالا بموضوع التراث الى صميم حياتنا ووجودنا وعزتنا وكرامتنا وحريتنا
ولا غنى لنا عن أن تتمثل دعوة الرفاعى تمثلا كاملا ، وان نعدها دستور عمل كما يقولون ، وان نعود من جديد الى التراث ، لنعود إلى الحياة ، الى العزة ، الى الامل الذي ننشده وننسده معنا اجيالنا العربية ، المؤمنة بحاضرها ومستقبلها ، الساعية على هدى ماضيها العظيم المشرق الفعال .
( الرياض )

