مغزى الهجرة النبوية، اذيع هذا الحديث بليلة / ١٣٧٤/١ ه

Share

الهجرة النبوية الكريمة حادث من أعظم حوادث التاريخ العالمي اثرا ايجابيا راشدا ، فعلينا ان نتدبر المغزى منها . وان ندرس هذا المغزى ونستفيد من دراساتنا له لحياة العروبة والاسلام ، في هذا العصر المضطرب المائج . فمن لا يستفيد من ماضيه المشرق الخالد . لحاضره المضطرب ومستقبله المجهول لا ريب

تعمى عليه المسالك ويقع وهو لا يدرى فى متاهة الحيرة الرهيبة . . ومن المعلوم ان مادة الهجرة هذه ، هي مأخوذة من ( الهجر ) بمعنى الترك وهكذا كانت الهجرة النبوية الخالدة عبارة عن انتقال بالمبادئ الجديدة الوضاءة وبالنفوس الصالحة المؤمنة من بلد الهوان والضعف والضعة والتهديد والاعداء الى بلد العزة والكرامة والسمو والاستقرار والاخاء الوافي الصافي

ضمانا لان يتنفس المسلمون . ولأن يتنفس الاسلام في جو صالح خال من عوامل الاضطهاد والحقد والكيد والخصومة . . حتى يستعد ويتهيأ للشموخ والانتشار في شتى الآفاق وقد هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من مكة المشرفة بلده الذي أحبه الى المدينة المنورة التى حببها الله

اليه وجعلها مهاجره ومقره الدائم فوجد الروح الطيبة والاحتفاء والتقدير والتبجيل والتضحية والاخلاص من أصحابه الانصار أهل المدينة . ووجد المهاجرون من قريش الاخوان الاوفياء من هؤلاء . فاتحد الشمل وقوى الدين وعمقت جذوره ونمت شجرته المباركة . وقد اصبحت المدينة البلد الزراعي حصنا حصينا وموقعا حرربيا امينا . وقلعة جبارة لا تقاوم من قلاع الاسلام .

وهكذا كانت الهجرة مفتاح القوة بعد الضعف بالنسبة للاسلام والمسلمين وكانت خروجا بهم من الدائرة الضيقة المهددة التى كانوا يقيمون بها . بين الشامتين والناقمين والحاقدين ، الى رحاب فيح واسعة .

وسرعان بعدئذ ما اتسعت دائرة الاسلام . وسرعان ما لفت فى طياتها مكة المشرفة نفسها وانضوى تحت لوائها قريش وغير قريش ممن كانوا لا يدينون بالدين الحنيف الجديد .

ولا شك أن كل هجرة تفيض بمعاني الألم والأمل . . ويتمثل الألم في فراق الرجل اهله وعشيرته وفي فراقه لموطنه الذى درج عليه وهو ناعم

الاظفار وفي فراقه لمرابع الصبا ومراتع الذكريات . ويتمثل الأمل الذي يصاحب الهجرة فى التطلع الى مجد جديد . واستكناه آفاق أرحب من الوطن الاول . ويتمثل فى تنسم ريح آفاق جديدة من العمل والنهوض ونيل الاهداف التى كانت موصودة .

واذا كان المسلمون فى مشارق الارض ومغاربها قد اعتادوا ان يتذاكروا احاديث الهجرة النبوية الكريمة . فى مستهل كل عام هجرى جديد . وان يتحدثوا عما تزخر به من معاني العظمة وازدهار العالم . . فان الهجرة تستحق كل ذلك . لانها فى حقيقة الامر هي نقطة التحول الكبرى فى تاريخ البشرية . فقد

قلبت اوضاع العالم الفاسد الجامد واحالت الدنيا المظلمة الى دنيا مشرقة حافلة بالحياة المثالية والآمال النبيلة والاهداف السامية ونشرت المساواة والعدل والحرية الحقيقية والاخاء . وكان العالم من قبلها يموج فى تقاليد بالية والحاد وتخريف شامل وكان تتنازعه الاهواء . وتستبد به القلاقل النفسية والفكرية والاجتماعية الخطيرة وقد عاد الى العالم السلام والمحبه والوئام . . وكان ذلك اثرا بارزا من آثار هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام . .

ولكن المسلمين اذ يذكرون احاديث الهجرة النبوية الكريمة فى مستهل كل عام هجرى جديد . لقد فاتهم

أو فات جلهم ان المغزى الحقيقي من ذكرى الهجرة ليس هو مجرد البيان عن مزاياها ومناقبها وآثارها والاكتفاء بذلك عن تامل هذا المغزى العظيم ومحاولة تطبيقه تطبيقا عمليا ناجحا . وقد كانت الهجرة النبوية من مكة الى المدينة نتيجة لمقدمة أولى . هيأت لهذه الهجرة ان تتحقق ، وهيأت لها ان تفيد وان تنجح . وان تكون نقطة التحول فى العالم اجمع وتتمثل فى الهجرة الروحية الكبرى التى هاجرها الرسول وصحابته من قبر

فلقد هجر الصحابة عوامل الضعف النفسى والعقدى وتحللوا من عوامل التأخر الفكرى والاجتماعى واتحدوا على قول الحق وعمله وتواصوا على ذلك واتحدوا فى سبيل المبدأ الحميد الراشد قلبا وقالبا . وكانوا احب لرسول الله من انفسهم . وكانوا احب لدينهم من آبائهم . لقد صفت نفوسهم باتباع

تعاليم الاسلام وتطبيقها على النفس والاهل والمال والولد قبل كل شئ ومن ثم كانوا امثلة بشرية وضاءة سامية لكل اصلاح يراد بهم ومنهم . فلما هاجرت جسومهم من البلد الذى اضمر لدينهم العداوة والذى ما يزال أهلوه الاقربون اليهم على مبادئهم الضالة وعقائدهم الغاوية وتقاليدهم النابية وعاداتهم الهاوية . كانت هذه الهجرة مشرق النور لهم وللعالم لان المهاجرين كانوا كتلة نور وضاءة

تبعث الاشراق فى جميع الارجاء . . فعلينا نحن معاشر المسلمين . ونحن معاشر العرب . ان نتفهم مغزي الهجرة النبوية ومقدماتها وعواملها وان ندرسها من كتب لتطبيق مقوماتها وان نسعى بجد لتطبيق مقوماتها على نفوسنا وعلى ابنائنا واهلينا ومجتمعاتنا . فنهاجر من الفساد الاجتماعى الى الاصلاح الاجتماعى ونهجر وهاد الكسل الى نجاد العمل ونهجر عوامل الفرقة الى رياض الاتحاد الحقيقى المنبعث عن الشعور العميق

بميزته . ونهجر ادغال الجهل الى حدائق العلم . ونهجر داء الخمول الى قمم النشاط . ونكون مواطنين صالحين مصلحين يدفعون مركبة دينهم الحنيف وشعوبهم الى الامام عن حزم وقوة واصرار .

اننا ان فعلنا ذلك بحق نكن قد ادينا لذكرى الهجرة النبوية المجيدة حقوق الذكرى بحق .

ان خير الذكريات ما انتج تطبيقا وأدى الى تحقيق الأعمال والآمال .

اشترك في نشرتنا البريدية