مـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــتى ؟ ...، والروايات البولية، اذيع هذا الحديث بليلة ١٣٧٣/١١/٢٢ ه

Share

متى تكون عندنا احصائيات دقيقة فى كل شئ يرجع اليها أولو الامر ويرجع اليها الباحثون والمعنيون ؟ متى تقوم حياتنا الاقتصادية على الاحصائيات ؟ الاحصائيات الرتيبة الدائمة للوارد والصادر والمستهلك والثابت متى نعرف احصاء ما تنتجه مزارعنا من حبوب وتمور وكل شئ ؟ متى نعرف عدد عمالنا وصناعنا وزراعنا بوجه دقيق لا لبس فيه ولا

التواء ؛ ثم متى نعرف عدد السكان لدينا من رجال ونساء واطفال وعزاب ومتزوجين ومتعلمين وأميين وتجار وعاطلين ؛ ومتى نعرف عدد ثروتنا الحيوانية ؟ ومتى تدرك بدقة مانستهلكه كل عام من لحوم والبان ؟ متى نمسح اراضينا فنعرف مساحتها بوجه الضبط ؟ ومتى نجرد الحملات لكل هذا حتى يتسنى لنا معرفة كل هذا ؟

هذه أسئلة طالما ترددت على الخاطر فلم تجد لها جوابا عمليا حتى الآن . فمتى تجد هذا الجواب يا ترى ؟

ان الاحصائيات الدقيقة هي المرآة الصافية التى تبسط امام الامم كل شئ فى كنه حياتها فيها تعرف وجوه النقص المستشرى فتبادر الى اكماله وتعرف وجوه الخلل المزري فتبادر الى اصلاحه وتعرف وجوه الحاجة

الماسة للحاضر والمستقبل فتسعى جادة الى سدها وتعرف وجوه الاضطراب والفوضى فتبتدر الى تنظيمها وتنسيقها على وجه مرض جميل .

وأية امة لا تعنى بفن الاحصاء فى دقائق حياتها والوانها هى امة لا تستطيع ان تساير ركب الحضارة الذي ينبني سيره الى الامام على اساس من الاحصائيات الدقيقة التى لاتخطئ النتائج الايجابية من بني اركان تقدمه عليها . فمتى يا ترى ندخل فى برامج اصلاحاتنا ومشروعاتنا فن الاحصاء اسوة بما فعلته سائر الدول الحديثة التى تعرف كل شئ فى ممالكها وعن شعوبها لتستطيع . ترقية مستواهم وتموينهم ماديا وادبيا وتقديمهم الى الامام فيما دلت الاحصائيات المنظمة على ضرورته للتقديم والتقويم ؟

الروايات البوليسية

كنت عزوفا عن قراءة هذه الروايات التى تترجم الى اللغة العربية بكثرة فائقة من اللغات الاجنبية حتى أصبحت كالنهر الدفاق المتسلسل لا يعرف أوله من آخره وقد كنت أرى وما زلت ان الغرض الرئيسى الاول لمن يقومون بنشر هذه الروايات هو الربح المادي وحده من ورائها وذلك لما ادركوه مما

سيؤول اليها امرها من اقبال الايفاع والشباب الفارغ على التهامها تزجية للوقت الرخيص ثم تمرسا بحياة المجون والخلاعة والاجرام والمغامرات الشوهاء ومع ذلك كله فقد روضت نفسى على مطالعة بعضها بين كل حين وآخر تتبعا لحركاتها وتفهما لمقاصدها واتجاهاتها والعلم بالشئ ولا الجهل به

وعلى هذا فقد هيئ لى أن اقرأ اخيرا ثلاث روايات من هذه الروايات البوليسية وكان بطل الروايات الثلاث من يسمونه " اللص الظريف أرسين لوبين " وقد ترجمت ترجمة جميلة وبأسلوب ساحر ناصع ليس عميقا فينبو عن الأذواق الساذجة ولا ركيكا فتبو عنه الاذواق المرهفة . .

ومضيت في مطالعتها متأملا لما بين السطور وما وراء السطور وما فوق السطور ثم خلوت الى نفسي . يا ترى ما هو المحصول من كل هذا الحديث الحلو الجميل ؟ . . وقد توصلت الى نتيجة رأيت من المناسب ان اشرك القراء الكرام معي فيها . وانا وان كنت لا ادعي انها النتيجة الحتمية المقبولة لدى عشاق هذا اللون

الطاغي الطامى من وارد روايات الغرب الخليع من شبابنا فانا ادعى ان هذه النتيجة تنسحب على هذه الروايات جمعاء . . فلا تستثني منها واحدة ذلك لان طريقها الى النفوس هي اغراؤها على تغذيتها بعواطف الخلاعة والشر وتنميتها فيها بهذا الاسلوب الساحر الشائق الذي يدخل الى النفوس بدون استئذان . والنتيجة التى توصلت اليها اذن هي : ان الجو

الذى ولدت فيه هذه الروايات والجو الذى نمت فيه وتمددت فيه هو جو مشبع بالاغراء المكشوف الساحر الجارف على الخلاعة المكشوفة وعلى اتيان جرائم القتل والانتحار فى هذا السبيل وما يتصل بهذين من مقالب شيطانية وحيل ابليسية لابتزاز الاموال وانتهاك الاعراض واعتبار الاستهتار رجولة وبطولة .

فما رأيك إذا كان عشاق هذه الروايات الاوائل هم من طبقة الشباب والشباب متفتح النفس لكل شئ خاصة إذا كان هذا الشئ يطابق مثل هذه الميول ؟

وعليه فان هذه الروايات على الاطلاق هى ذات ضرر بالغ بالمجتمع العربي والاسلامي في حاضره ومستقبله لانها تساعد الشباب وهم عدة المستقبل على سوء الاخلاق وفسولة الرأى وتسفل المطالب وعدم ارتياد رياض المجد الحفيلة .

ان هذه الروايات على بكرة أبيها تدفع قراءها دفعا قويا هائلا الى الانحلال والاختلال وسوء الحال . . واذا قارنا هذه الروايات البوليسية الجديدة بما يماثلها فى ادبنا الشعبي القديم كألف ليلة وليلة وسيف بن ذى يزن وأبى زيد الهلالى والسنددباد وما اشبه من الروايات العربية التى تصطبغ بصبغة المغامرات وارتكاب المخاطر فاننا نجد الروايات العربية اكثر نفعا واقل ضررا على الاخلاق لان هدفها الاول هو تنمية موهبة البطولة والفروسية فى النفوس وما يجني

فيها من غير هذا من الوان الغزل والحب فانما يجني بشكل مؤدب لا مكشوف كما هو حال الروايات البوليسية الغربية . . الا ان من الحق ان نقول هنا : ان الروايات الغربية أدق تركيبا واحسن ترتيبا واكثر عمقا وانسجاما ، ففيها عقد تحتاج الى حلول ، وحلول بديعة لتلك العقد وفيها عنصر المفاجأة ، والمفاجأة الرائعة وفيها سرعة التنقل من موضوع الى آخر ، واسلوبها العربي رائع يتماشى

مع اسلوبها الغربي رغبة فى التكثير من رواجها في عصر متنور . اما الروايات العربية فهي لا تزال ترسف فى أغلالها من العامية التافهة أو اللغة العربية الغير منقحة كما يجب . . وهي اكثر بساطة وأوفر سذاجة فيجب على ادباء العرب ان يحاربوا هذا السيل الجارف من الروايات

البوليسية الرعناء المشيعة   للفساد فى ابنائهم الشبان . . وحربها لا تكون بمصادرتها فان العالم اليوم عالم واحد وانما تنجح حربها اذا كانت تتجه الى تأليف ما هو اكثر تشويقا منها واحسن اسلوبا وادخل الى نفوس العرب والشرقيين من روايات وقصص كبعض القصص التى يؤلفها توفيق الحكيم ومحمود تيمور ، ومن

كان له عينان وكان له رأس لا محالة ان يعمل ما يعمله الناس وليس النبوغ فى القصص والادب وقفا على الغرب وحده فقد نبع فريق من الاتراك فى عهد الدولة العثمانية فى القصص القصير والطويل ولا ازال اذكر ذلك الكاتب القصصى الذى كتب قصة بعنوان ( الفلقة ) وقام بترجمتها

" للمنهل " منذ ست عشرة سنة الاستاذ احمد بوشناق انها قصة جمعت كل معدات الفن القصصى الجميل مع وجازة وحسن تعبير ، وفي روسيا وهي معتبرة من الشرق نبغ قصصيون عالميون كتشيخوف واضرابه فماعلينا الا ان نتجه الى هذا الفن بعناية وان نغذيه ونضفى التقدير الادبي والمادى على المبرزين فيه حتى يكفونا مؤونة انشائه وتعميمه وحتى نقول للغرب

وقصص الغرب : قفا عند كما فلنا قصص شرقية حديثة وقصص عربية واسلامية رائعة تغنينا عن بضائعك الخليعة الفاسدة المفسدة . . واذ ذاك سوف يقف سيل هذا التيار الطامى من الروايات البوليسية عنا بطبيعة الحال وسوف تكون قصصنا العربية الحديثة الساحرة هى السد المنيع دون وصول هذه الجراثيم الفتاكة الى أبنائنا . .

اشترك في نشرتنا البريدية