الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

مقارنة بين تخليص الابريز الى تلخيص باريز، لرفاعة رافع الطهطاوي والاستطلاعات الباريسية لمحمد السنوسي، )رفية رافع الطهطاوي والاسطاعات البارجية محمد اى

Share

وبعد الحديث عن المعاملات ومن بينها الشركات فى الضمانة التى تضمن لمن يدفع لها كل سنة قدرا هينا مخصوصا سائر ما يتلف فى بيته بحادثة قهرية كما اذا انحرق بيته أو حانوته أو نحو ذلك فانها ترجعه كما كان وتدفع له قيمته تطرق إلى الحديث عن الصناعات والمعارض الصناعية فقال : (( وصناعتهم تعظم جودتها شيئا فشيئا حتى انهم كل نحو ثلاث سنوات يعرضون أشغالهم على رؤوس الاشهاد ويظهرون ما اخترعوه وما كملوه )) . ( انظر : تخليص : ص . 115 ) .

ولم يغفل الحديث عن انعكاسات ازدهار الاقتصاد على حياة الفرنسيين فوصف المنازل الفخمة وكثرة أثاثها والمقاهى الجميلة والشوارع الواسعة النظيفة المضاءة وتحدث عن المنتزهات البديعة وعن وسائل النقل وفى كل ذلك لا ينسى المقابلة مع علية الامور فى مصر ومن ذلك حديثه عن العربات : وبمدينة باريس جملة أنواع من العربات مختلفة الشكل والاسم والسير والاستعمال . فمنها عربات معدة لوسق الامتعة من باريس الى البلاد البرانية وتسمى رولاجة . ومنها جنس معد لوسقه بالناس ليسافر فيه الناس ويسمى الدلجنس . ومنها عربات صغيرة للسفر الى المحال القريبة من باريس تسمى كوكو يضم الكافين ويدفع فيها على كل رأس قدرا معلوما كالسفر فى السفن. وفى باريس عربات تستأجر الى أجل معلوم كيوم أو شهر أو سنة . والعربيات العادية في باريس هى الفياكرة . وهى ما فيها مقعد فيه سدلتان متقابلتان نسعان سة أنفس ولها حصانان يسحبانها . والكيريوله نصف الفياكره فلها سدلة واحدة . وركوب الفياكره والكيريوله تكون أجرته بالساعة أو يستأجره من محل الى محل آخر . وأجرة ذلك محدودة لا تزيد ولا تنقص . ووجودها فى سائر طرق باريس أكثر من وجود الحمير فى طرق القاهرة وقد تجددت الآن عربيات كبيرة تسمى الامنيبوسه معناها لكل الخلق ... )) ( تخليص : ص . 116 ) .

ان هذه التفاصيل دليل قاطع على أن الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى يمتاز

بدقة الملاحظة لمختلف مظاهر الحياة الفكرية ولمتنوع النشاطات الاجتماعية . وقد كان يفعل ذلك بحكم ما كان يشعر به دوما من الرابطة المتينة التى ما انفكت تربط بينه وهو فى باريس وبين مصر الوطن الأم الذى كان يرغب فى ترقيته عن طريق الاخذ بأسباب ترقى الفرنسيين . فقد كان يعتبر فرنسا مدرسة تمدن وحضارة ولذلك كان يعتبر اقامته بباريس كفرصة تدرب وتعلم فلا نستغرب اذن أن نراه فى كتابه تخليص الابريز حريصا على تطعيم عقلية مواطنيه بفوائد تجربته ومشاهداته وهو مقيم بباريس .

لقد استطاع الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى أن يتناول بالدرس العديد من المشاكل التى من شأنها أن تثار عند المقابلة بين عالمين كان من ميزتهما أنهما بقيا طوال قرون ثلاثة فى عزلة تكاد تكون تامة . فلقد انتبه الى الكثير من الفروق وخاصة منها تلك التى تتصل بطبيعة المناخ من برد وحر مثل الغمام والسحب والمطر وفى هذا الصدد قال :

(( وأما المطر فانه لا ينقطع فى هذه المدينة ( باريس ) فى سائر فصول السنة واذا نزل فى الغالب نزل بكثرة . فلذلك احتاجوا فى دفع ضرره الى جعل أعالى الدور منحدرة لتنزل منها المياه الى أسفل الدور . وفى سائر البيوت والطرق مجار وبالوعات فترى وقت المطر سائر طرق باريس محدودة بمجار كالقناة الجارية المياه خصوصا وأرض هذه المدينة مبلطة بالحجر فلا تتشرب المياه أبدا بل تسير الى هذه المجارى ومنها الى البالوعات . وتغير مزاج الهواء والزمن فى باريس أمر عجيب فانه قد يتغير فى اليوم الواحد أو مع بعده حال الزمن مثلا يكون فى الصباح صحو عجيب لا يظن الانسان تغيره فلا يمضى نصف ساعة الا ويذهب بالكلية ويخلفه المطر الشديد . وقد يكون حر يوم من الايام أربعا وعشرين درجة ولا يصل اليوم الآتى الى اثنتى عشرة وهكذا ( انظر : تخليص الابريز ص . 42 ) )) .

ثم قال :

(( وأما مصر فانها سليمة من مكاره برد باريس كما أنها خالية أيضا عن الامور المحتاج اليها فى وقت الحر مثل الاستعانة على تطرية الزمن . فان أهل باريس مثلا سهل عندهم رش ميدان متسع من الارض وقت الحر فانهم يصنعون دنا عظيما ذا عجلات ويمشون العجلة بالخيل . ولهذا الدن عدة بزابيز مصنوعة بالهندسة تدفع الماء بقوة عظيمة وعزم سريع فلا تزال العجلات ماشية والبزابيز مفتوحة حتى ترش قطعة عظيمة فى نحو ربع ساعة لا يمكن رشها

بحملة رجال فى أبلغ من ساعة . ولهم غير ذلك من الحيل فمصرنا أولى بهذا لغلبة حرها ... ومن الامور المستحسنة أيضا أنهم يصنعون مجار تحت الارض توصل ماء نهر السين الى حمامات وسط المدينة أو الى صهاريج بهندسة مكملة فانظر أين سهولة هذا مع ملء صهاريج مصر بحمل الجمال . ( تخليص : ص . 47 ) )) .

وبالاضافة الى هذه العينات من المشاهدات هناك فى كتاب تخليص الابريز عدة ارتسامات تتعلق بطبع أهل باريس وأخلاقهم ومن بينها قوله :

(( ومن طباع الفرنساوية التطلع والتولع بسائر الاشياء الجديدة وحب التغيير والتبديل فى سائر الامور خصوصا فى أمر الملبس فانه لا قرار له أبدا عندهم ولم تقف لهم الى الآن عادة فى التزيى وليس معنى هذا أنهم يغيرون ملبسهم بالكلية بل معناه أنهم يتنوعون فيه ... ومن خصالهم محبة الغرباء والميل الى معاشرتهم خصوصا إذا كان الغريب متجملا بالثياب النفيسة وانما يحملهم على ذلك الرغبة والتشوف الى السؤال عن أحوال البلاد وعوائدها )) . ( انظر : تخليص : ص . 50 ) .

وهذا الوصف لأهل باريس يذكرنا بما قاله عنهم الكاتب الفرنسى مونتانسكيو (  1689 - 1755 ) فى كتابه : الرسائل الفارسية : الرسالة الثلاثون : على لسان (( ريكا )) بطل القصة فى رسالته الى (( ابن )) بازمير :

(( ان فضول أهل باريس يفضى بهم الى الجنون فعندما وصلت اليها صاروا بنظرون الى كأنى قد بعثت من السماء وكانوا يرغبون فى رؤيتى كلهم شيوخا ورجالا ونساء وأطفالا . فاذا خرجت تبادر الناس جميعا الى النوافذ . واذا كنت بالتويلرى لم ألبث أن أرى حلقة من الناس تحيط بى .

والحاصل لم ينظر الناس الى أحد قط بقدر ما رئيت . وكنت أبتسم أحيانا إذا سمعت قوما يكادون لم يكونوا خرجوا قط من غرفهم يقول بعضهم لبعض : يجب الاعتراف بأن هيئته لهيئة فارسية . وهذا أمر عجيب لانى ما كنت أعتقد أنى رجل عجيب غريب بهذا القدر . وبالرغم من أن لى فكرة طيبة عن نفسى فانى ما كنت قط أتخيل أنى سأقوم بتعكير راحة مدينة كبيرة حيث لم أكن معروفا بالمرة . وذلك ما حملني على العزم على نزع الزى الفارسى وارتداء زى أوروبى كى أرى هل سيبقى على هيئتى شىء يدعو الى العجب . وهذه التجربة

حق قدرى ومنزلتى )) .

لقد خصص الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى فصلا كاملا للحديث عن أهل باريس هو الفصل الثانى من المقالة الثالثة تلك المقالة التى قال عنها : (( وهذه المقالة هى الغرض الاصلى من وضعنا هذه الرحلة فلذلك أطنبنا فيها غاية الاطناب )) ( انظر : تخليص : ص . 21 ) هذه المقالة التى نوه بمحتواها كل من خير الدين التونسى فى كتابه أقوم المسالك فى معرفة أحوال الممالك والشيخ أحمد ابن أبى الضياف فى كتابه اتحاف أهل الزمان ( ج : ١ ص : 45 - 46 ) .

ونحن لا نستغرب التوارد الملحوظ بين مقالة الشيخ رفاعة عن أهل باريس وبين فحوى نص الرسائل الفارسية لمونتسكيو سيما وان صاحب تخليص الابريز ذكر لنا أنه كان وهو مقيم فى باريس مولعا بمطالعة آثار أقطاب الفكر الفرنسى فى القرن الثامن عشر أولئك الذين أحدثوا بتآليفهم ثورة عقلية تدعو إلى اعمال الفكر الحر فى كل ناحية من نواحى الحياة أمثال مونتسكيو وفولتر (1694 - 1778) وروسو (1712-1778) وكوندياك (1715- 1780) .

وقد عبر الشيخ رفاعة عن ذلك بقوله :

(( وبالجملة فقد اطلعت فى آداب الفرنساوية على كثير من مؤلفاتها الشهيرة وقرأت فى الحقوق الطبيعية مع معلمها كتاب برلماكى وترجمته وفهمته فهما جيدا . وهذا الفن عبارة عن التحسين والتقبيح العقليين يجعله الافرنج أساسا لاحكامهم السياسية المسماة عندهم شرعية . وقرأت أيضا مع مسيو شواليه جزءين من كتاب يسمى روح الشرائع مؤلفه شهير بين الفرنساوية يقال له مونتسكيو وهو اشبه بميزان بين المذاهب الشرعية والسياسية ومبنى كل التحسين والتقبيح العقليين ويلقب عندهم بابن خلدون الافرنجى كما أن ابن خلدون يقال له عندهم أيضا مونتسكيو الاسلام . وقرأت أيضا فى هذا المعنى كتابا يسمى عقد التأنس والاجتماع الانسانى مؤلفه يقال له روسو وهو عظيم فى معناه . وقرأت فى الفلسفة تاريخ الفلاسفة المتقدم المشتمل على مذاهبهم وعقائدهم وحكمهم ومواعظهم . وقرأت عدة محال نفيسة فى معجم الفلسفة للخواجة وليتر ( فولتر ) وعدة محال فى كتب فلسفة قندلياق ( كوندياك ) )) . ( انظر : تخليص الابريز : ص . 150 ) .

قرأ الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى تلك وغيرها وهو طالب فى باريس ففهمها جيدا وتذوقها وترجم منها ما استحسن إبلاغه الى الناطقين بالضاد مما لا يخالف القرآن أو السنة فأخرج للناس رحلته تخليص الابريز عامرة ببذور ادب الحديث المستقى من نبعين هما الثقافة العربية الاسلامية والثقافة الغربية . ومن تلك البذور ميثاق الدستور الفرنسى قرأه وفهمه وتذوقه فترجمه وعلق عليه ووضح أبعاد ثورة جويلية سنة 1830 . وبذلك حرك الوعى عند قراء اللغة العربية بحقوق الانسان عملا بالقاعدة التى رسمها لنفسه في رحلته وهى الدعوة الى اليقظة من نوم الغفلة .

هكذا كان الشيخ رفاعة الطهطاوى مبشرا بمبادئ الحرية وهكذا كان من أجداد الحركات القومية التى ظهرت فى مصر وفى تونس وفي سائر الاقطار العربية الاسلامية فى آخر القرن الماضى ومطلع القرن الحاضر . ومما يدل على وطنيته المصرية الصميمة الصادقة بالمعنى الحديث تلك الرسالة التى كان وجهها من باريس الى الخديوى محمد على يدعوه فيها الى حماية الآثار المصرية القديمة ويحتج فيها على كرم خديوى مصر الذى كان أهدى الى ملك فرنسا لويس فيليب مسلة مصرية من عهد الفراعنة . وقد نشرت تلك الرسالة بالرائد الرسمى المصرى ( الوقائع ) بتاريخ 20 ربيع الثانى سنة 1251 / 15 أوت سنة 1835 .

لقد كأن حنينه الى الوطن الأم يشغل خاطره دوما واستمرارا طيلة مدة غربته فى طلب العلم فهو قد صور الى جانب اللوحة الرائعة التى رسمها فى رحلته عن باريس مظاهر حياة المصريين فلا تخلو صفحة من صفحات تخليص الابريز من شواهد غيرته على وطنه مصر . ونكتفى للالمام بهذه الظاهرة بالاستشهاد بقوله :

(( فلو تعهدت مصر وتوفرت فيها أدوات العمران لكانت سلطان المدن ورئسية بلاد الدنيا كما هو شائع على لسان الناس من قولهم : مصر أم الدنيا )) ( انظر : تخليص الابريز : ص . 45 ) .

ان هذه الوطنية التى من خصائصها دقة نظرات الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى فى الحياة الواقعية نلمسها أيضا فى تلك الجرأة وتلك الصراحة فى التعبير عن أفكاره الداعية الى اليقظة كى ينفض المصريون عنهم سباتهم ليعمدوا مخلصين الى تطهير المجتمع من تلك الامور التى تسببت فى تخلفه

والتى كشف عنها الغطاء فى رحلته . فاصلاح تلك الاوضاع لا يكون فى رأيه الا على أساس التوعية الشاملة للرجل والمرأة على حد السواء ولذا كان أول من ارتفع صوته فى مصر بالدعوة الى تعليم المرأة .

قد كانت حكومة الخديوى محمد على ( 1805 - 1848 ) تحث الناس على ارسال أبنائهم الى مدارسها بالترغيب حينا وبالترهيب حينا آخر وكانت اذا أخطأها التوفيق ساقتهم اليها بالقسوة . والسبب فى ذلك أن الناس بمصر عصرئذ كانوا فى أول الامر عقبة كؤودا فى طريق تعليم بنيهم غير أنهم لما تحققوا أن تعليم أطفالهم فى مدارس محمد على ومكثهم بها كان ينقل حالة أبنائهم الى حالة أرقى من التى انتشلوا منها تحققت اذ ذاك الرغبة عندهم .

تلك كانت عقلية الناس بالنسبة لتعليم البنين أما تعليم البنات فانه لم يصادف تسهيلا بالمرة فى عهد محمد على الامر الذى اضطر حاكم مصر الى إصدار أمره فى عام 1831 بشراء عشر جوار سودانيات صغيرات السن ينتخبن لتلقى فن الولادة ومعهن اثنان من أغوات الحرم الخديوى ليتعلما فن الطب والجراحة . وما ذلك الا لكون الرأى العام المصرى يومئذ كان يقف موقفا فى غيرة على العوائد والتقاليد خاصة وأن الظرف يبشر باقتراب تطور جذرى فلم يرض عن تعليم البنات فى المدارس الحكومية . وفى تلك الفترة بالذات وقف الشيخ رفاعة مدافعا عن تعليم البنات محبذا له خاصة في رسالته : المرشد الامين للبنات والبنين واستمر الامر كذلك الى أن تأسست أول مدرسة رسمية للبنات هى مدرسة سيوغية أنشأها الخديوى اسماعيل (1863 - 1879 ) وهى السنة عينها التى توفى فيها الشيخ الطهطاوى فكان بحق رائدا لقاسم أمين ( 1865-1908 ) الذي دعا الى تحرير المرأة سنة 1899 .

والواقع أن اهتمام الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى بشأن المرأة وحقوقها ومقامها فى المجتمع وبشأن تحريرها من قيود التقاليد الجائرة لم يكن وليد الصدفة والاتفاق وانما من أثر اقامته بفرنسا خمس سنوات ذلك انه بمجرد وصوله الى مدينة مرسيليا انتبه الى الفارق فى الوضع بين المرأة المسلمة والافرنجية فأعجب بوضع المرأة الفرنسية وبادر الى التنويه بدور النساء الفرنسيات فى ازدهار العمران اذ هن يعملن كالرجال . وفى هذا المعنى قال :

(( والعادة أيضا أن البيع والشراء بالاصالة للنساء وأما الاشغال فهى للرجال )) . ( انظر : تخليص الابريز : ص . 33 ) . وقال أيضا فى هذا الصدد :

(( وكان أول ما وقع عليه بصرنا من التحف ( فى مرسيليا ) قهوة عظيمة دخلناها فرأيناها عجيبة الشكل والترتيب والقهواجية امرأة جالسة على صفة عظيمة وقدامها دواة وريش وقائمة ... )) ( انظر : تخليص الابريز : ص. 33 ) .

وبخصوص باريس والنساء والفضيلة بسط الشيخ رفاعة آراءه أحسن بسط واعتبر أن العفة لا تتوقف على الحجاب أو السفور ولكن على تربية البنات وعلى الوفاق بين الزوجين والى هذا المعنى أشار بقوله :

(( وحيث ان كثيرا ما يقع السؤال من جميع الناس على حالة النساء عند الافرنج كشفنا عن حالهن الغطاء . وملخص ذلك أيضا أن وقوع اللخبطة بالنسبة لعفة النساء لا يأتى من كشفهن أو سترهن بل منشأ ذلك التربية الجيدة والخسيسة والتعود على محبة واحد دون غيره وعدم التشريك فى المحبة والالتئام بين الزوجين )) . ( انظر : تخليص : ص. 201 - 202 ) .

ان هذه الدقة فى الملاحظة الدالة على تفتح فكر الشيخ رفاعة نلمسها فى قوله : (( ان الفنون باللغة الفرنساوية قد بلغت درجة أوجها حتى ان كل علم فيه قاموس مرتب على حروف المعجم فى ألفاظ العلم الاصطلاحية حتى علوم السوقة فانها لها مدارس كمدرسة الطباخة يعنى مجلس علماء الطباخة وشعرائها وان كان هذا من أنواع الهوس غير أنه يدل على اعتناء هذه البلاد بتحقيق سائر الاشياء ولو الدنيئة وسواء فى ذلك الذكور والاناث فان للنساء تآليف عظيمة ومنهن مترجمات للكتب من لغة الى أخرى مع حسن العبارات تآليف عظيمة ومنهن من يتمثل بانشائها ومراسلاتها المستغربة . ومن هنا ظهر لك أن قول بعض أرباب الامثال : جمال المرء عقله وجمال المرأة لسانها : لا يليق بتلك البلاد فانه يسأل عن عقل المرأة وقريحتها وفهمها وعن معرفتها )) . ( انظر : تخليص الابريز : ص . 61-62 ) .

ومما أثار اعجابه بمجرد وصوله الى مرسيليا كثرة الصحف وتنوع اختصاصاتها ولا سيما الصحف التى اختصت بفن السخرية (الكاريكاتورية) وهى التى عرفها بوقائع النوادر فقال :

(( ثم ان الفرنساوية لما رأوا أن شارل العاشر أخرج باشا الجزائر من مملكته أيضا صاروا بهزؤون بشارل العاشر ويصورونه هو وباشا الجزائر فى الطرق ويكتبون فى وقائع النوادر تلميحات غريبة ونكات ظريفة . فمن جملة ذلك صوروه هو والباشا المذكور وكتبوا تحت صورة باشا الجزائر :

وأنت أيضا جاءت نوبتك . كأن الباشا يقول للملك استفهاما ليهزأ به : وانت أيضا عزلت كما عزلتنى ... وكتبوا أيضا فى وقائع النوادر ما نصه : ان الباشا المذكور يقول لشارل العاشر : قم بنا نلعب لعب كذا على قدر معلوم وان لم يكن معك شئ جمعنا لك شيئا على سبيل الصدقة من الناس . يشيرون بذلك الى أن باشا الجزائر خرج من بلاده غنيا وشارل العاشر خرج من بلاده فقيرا ... )) ( انظر : تخليص الابريز : ص. 173 - 174 ) .

هكذا اكتشف الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى وهو مقيم فى باريس أن الصحافة بالاضافة الى كونها من أهم وسائل نشر العلم والمعرفة هى أيضا منبر للتعبير عن الرأى وفى هذا الصدد قال : (( فانها تقوى كل انسان على أن يظهر رأيه وعلمه وسائر ما يخطر بباله مما لا يضر غيره . فيعلم الانسان سائر ما فى نفس صاحبه خصوصا الورقات اليومية المسماة بالجرنالات والكازيطات الاولى جمع جرنال والثانية جمع كازيطة . فان الانسان يعرف منها سائر الاخبار المتجددة سواء كانت داخلية أو خارجية أى داخل المملكة أو خارجها . وان كان قد يوجد فيها من الكذب ما لا يحصى الا أنها قد تتضمن اخبارا تشوف نفس الانسان الى العلم بها على أنها ربما تضمنت مسائل علمية جديدة التحقيق أو تنبيهات مفيدة أو نصائح نافعة سواء كانت صادرة من الجليل أو الحقير لانه قد يخطر ببال الحقير ما لا يخطر ببال العظيم كما قال بعضهم لا تحتقر الرأى الجليل يأتيك به الرجل الحقير فان الدرة لا تستهان لهوان غواصها )) . ( انظر : تخليص الابريز : ص. 74 ) .

لقد كان لهذه العناية بالصحافة الفرنسية أثر واضح فى نشاط الشيخ رفاعة لما عاد الى القاهرة حيث أسندت له رئاسة قلم التحرير بجريدة الوقائع المصرية . فهذه الجريدة كان أصدرها محمد على سنة 1827 باسم : جورنال الخديوى . ثم ما لبث أن صدرت باسم : الوقائع المصرية وذلك ابتداء من 12 جمادى الاولى سنة 1244 / 20 نوفمبر 1828 .

وكانت هذه الجريدة لسان حال الحكومة جعلها الخديوى محمد على لنشر الاوامر والاحكام ولهذا السبب كانت تصدر للناس فى مصر باللغة التركية . الا أنها أخذت تظهر باللغتين التركية والعربية بمجرد أن تولى الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى رئاسة قلم تحريرها فأدخل عليها تحويرات جذرية وصارت تنشر الى جانب الاوامر والاحكام أهم الحوادث الداخلية والاخبار الخارجية . وأصبحت تعالج بطريقة عصرية مستوحاة من الاساليب الفرنسية طرفا من

الموضوعات الادبية والاجتماعية وغيرها بقدر ما كان يسمح به التفكير والنظام الحاكم عصرئذ بمصر .

ولم ينفك الشيخ رفاعة يواصل نشاطه فى عملية الايقاظ من نوم الغفلة على أساس التقريب بين الثقافتين الفرنسية والعربية فنقل الى اللغة العربية الشئ الكثير من المعارف الجديدة التى كان الناس متعطشين اليها . وكان وهو يقوم بذلك بعمل على أن يحصل التمازج بين تينك الثقافتين مع احترام ما للثقافة العربية من طابع ومزاج وهذا ما نلمسه فى كتاب تخليص الابريز . حيث نجده اعتنى بالماضى التليد بقدر عنايته بالحياة الواقعية المجارية للزمن .

وقد تجلت هذه الظاهرة فى نشاطات الشيخ رفاعة بمختلف ميادين الحياة الفكرية ومن ذلك انشاؤه سنة 1870 لمجلة روضة المدارس على غرار المجلة الآسيوية . وكانت المجلة الآسيوية من أحب الدوريات العلمية اليه منذ أن كان طالبا فى باريس . لما كانت تنشره من بحوث الاستشراق الثرية بالموضوعات الادبية والاسلامية التى كان من أثرها أن أعانت على التبادل الفكرى بين الغرب والشرق العربى .

ونحن نعلم مدى اعجاب الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى بعمل المستشرقين الفرنسيين فى خدمة الادب العربى بنشرهم أهم الكتب العربية . ودليلنا هنا ثناؤه عليهم في تخليص الابريز ولا سيما منهم المستشرق سيلفستر دى ساسى فقد نوه بتحقيقه لمقامات الحريرى من حيث طريقة الضبط ومقابلة النسخ بعضها ببعض وكيفية الاستفادة من النصوص .

لقد كانت مجلة روضة المدارس مجلة موسوعية يجد بها القارىء العربى أحسن النتاج الثقافى عصرئذ من فصول قيمة بأقلام كبار الموظفين الاوربيين بمصر وقتئذ وعروض ثرية بالمعلومات عن التاريخ والزراعة والتجارة والطب والى جانب ذلك أنباء عن شؤون التربية والتعليم ثم باكورات انتاج الشباب المصرى فى ميدانى النثر والشعر .

حقا انه لمن العسير أن نحيط فى هذا الاطار بما فى تخليص الابريز من الاغراض والحسنات ، ولعلنا لا نكون مخطئين أو مبالغين اذا قلنا انه كتاب بشر بمصر الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى الذى أصبح بعد رجوعه الى مصر امام طائفة المجددين الذين امتصوا أثداء العلوم الجديدة أمثال محمد عثمان جلال وصالح مجدى وابراهيم المويلحى ومحمد عبده وغيرهم كثير فتحوا الطريق فى القرن الماضى لاعلام القرن الحاضر أمثال طه حسين وأحمد حسن

الزيات وابراهيم المصرى وغيرهم من أعلام الادب العربى الحديث .

وتجدر الملاحظة هنا الى الدور الذى قام به المترجمون الذين تخرجوا من مدرسة الالسن تلك المدرسة التى تولى ادارتها الشيخ رفاعة منذ أن تأسست بالقاهرة سنة 1836 فقد جعلها تعمل بمنهجية تعليمية شبيهة بمنهجية مدرسة باريس للغات الحية الشرقية وكثيرا ما كان تردد عليها مدة اقامته بالعاصمة الفرنسية . ومما يذكره الثقات أن تلاميذ مدرسة الالسن ترجموا مدة رئاسة الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى لها نحو ألفى كتاب الى العربية والتركية فكانوا بذلك خير وصل بين الثقافتتين الغربية والشرقية .

ونحن لانبعد عن الحقيقة اذا قلنا إن مناهج التعليم كانت من أكبر العوامل فى ايجاد فروق بين تينك الثقافتين ازدادت حدة منذ مطلع القرن السادس عشر . وكان من أثر تلك الفروق أن كان لكل من الثقافتين مزاجه وطابعه وامتازت الثقافة الغربية فى مزاجها بالحرية أمام المشكلات الاجتماعية والسياسية وفي طابعها بالعناية بالحياة الواقعية ومجاراة الزمن والنظر للمستقبل فى حين امتازت الثقافة العربية الاسلامية بمزاج المحافظة وهجر سبل المغامرة نحو المجهول وكشف المستقبل لما سيطر على طبيعتها من هدوء جعلها تعنى بالماضى وتهتم بالاستقرار فى السرمدى اكثر مما تعنى بالحاضر والمستقبل .

ولعل سر الصراع الذى شب فى أواخر القرن الماضي ومطلع هذا القرن العشرين بين القدماء والمحدثين أو بين شيوخ الادب والعلم وشباب الادب والعلم يكمن الى حد بعيد فى هذه الظاهرة . فقد كان جل شباب الادب والعلم فى القرن الماضى تأثر من قريب أو بعيد بمدرسة الالسن التى مكنت طائفة من الذين حذقوا اللغات الاجنبية من أن يطلعوا كما اطلع الشيخ رفاعة وأكثر على آداب الغرب ويتذوقوها فأخرجوا للناس أدبا عربيا طريفا فيه الاثر الغربى والاثر العربى معا .

وأصبح أكثر المنتجين فى الادب والثقافة من طراز هؤلاء الذين تذوقوا الادبين وتثقفوا الثقافتين فطعموا التراث الادبى العربى بالتراث الادبى الغربى وكان لذلك أثره العميق فى النثر وفى الشعر وان كان فى النثر أبرز منه فى الشعر . ذلك أن فضل الاحتكاك باللغات الاجنبية وبآدابها برز أولا فى القصة العربية التى تطورت بتأثير ذلك الاحتكاك تأثيرا مباشرا . وما يصدق على القصة بصدق على سائر أنواع الكتابة .                                         ( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية